جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ أعرب الأمين العام للناتو مارك روته عن تأييده لنهج ألمانيا لزيادة النفقات العسكرية. وقال روته في تصريح لصحيفة “هاندلسبلات” الألمانية، يوم الأربعاء، إن “ألمانيا ستصل في عام 2029 إلى المستوى الذي يعتبر هدفا للناتو، حيث ستزيد نفقاتها الدفاعية إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي”.
وتابع: “هذا يبلغ 153 مليار يورو أو ضعفي ما كان في عام 2021”. وأضاف: “هذا هو الدور القيادي الذي نطمح إليه في أوروبا، وألمانيا تأخذه على عاتقها. وأعتبر ذلك خبرا ممتازا”. يذكر أن دول حلف الناتو اتفقت خلال القمة في لاهاي عام 2025 على زيادة النفقات العسكرية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، بدلا من الالتزامات السابقة بإنفاق 2% على الأغراض الدفاعية.
التحول الهيكلي في العقيدة الأمنية الألمانية
يمثل الإعلان عن رفع الإنفاق العسكري الألماني إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029 نقطة تحول جوهرية في السياسة الدفاعية لبرلين، والتي اتسمت لعقود طويلة بالتحفظ والحذر الشديدين. إن هذا التوجه يبرهن على تجاوز ألمانيا نهائياً لعقدة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والانتقال نحو مرحلة تتبنى فيها القوة الصلبة كأداة أساسية لحماية مصالحها ومصالح حلفائها. ويتطلب هذا التغيير البنيوي إعادة صياغة شاملة للاقتصاد الألماني ليتحول جزئياً نحو التصنيع العسكري، مما يضع ميزانية الدولة أمام تحدي الموازنة بين الالتزامات الدفاعية الضخمة وبين برامج الرعاية الاجتماعية والخدمات التي طالما تميزت بها الدولة الألمانية.
إعادة تموضع القوى داخل حلف الناتو
يمنح هذا التطور المالي الضخم، والذي سيصل بالإنفاق إلى 153 مليار يورو، ثقلاً سياسياً وعسكرياً جديداً لألمانيا يغير موازين القوى التقليدية داخل حلف شمال الأطلسي. تاريخياً، كانت الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر لحماية القارة الأوروبية، وتطالب الشركاء بزيادة مساهماتهم؛ واليوم، يؤسس هذا الصعود الألماني لمرحلة جديدة من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية النسبية. إن ترحيب الأمين العام للناتو مارك روته بهذه الخطوة يبرز رغبة القيادة المركزية في وجود قطب أوروبي قوي قادر على قيادة العمليات وإدارة الأزمات الإقليمية، مما يخفف الضغط على واشنطن ويمنح برلين صوتاً مسموعاً وقدرة أكبر على توجيه قرارات الحلف المستقبلية.
التحديات الاقتصادية والضغوط المالية الداخلية
تثير هذه القفزة المالية الكبيرة تساؤلات عميقة حول قدرة الاقتصاد الألماني على تحمل كلفة هذا الصعود العسكري المستدام في ظل الأزمات الهيكلية التي تواجهها القطاعات الإنتاجية الأخرى. إن ضخ 153 مليار يورو في قطاع الدفاع يعني حتماً إعادة توجيه الموارد العامة، مما قد يسفر عن توترات سياسية داخلية بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة حول أولويات الإنفاق. ويواجه صُنّاع القرار في برلين معضلة حقيقية تتمثل في كيفية تمويل هذه الزيادة دون الإخلال بـ “كبح الديون” الدستوري، أو إثارة استياء الشارع الألماني الذي قد يرى في هذه الخطوة اقتطاعاً من ميزانيات التعليم، والبنية التحتية، والتحول الأخضر.
معضلة الالتزام الكامل بقرارات قمة لاهاي 2025
يكشف التدقيق في الأرقام المعلنة عن فجوة واضحة بين الطموح الألماني والالتزامات الجماعية الجديدة المفروضة في قمة لاهاي 2025. فرغم أن الوصول إلى نسبة 3.5% يعد قفزة هائلة مقارنة بنسب عام 2021، إلا أنه يظل دون المستهدف الجديد للحلف والمحدد بـ 5% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا التفاوت يضع الدبلوماسية الألمانية في موقف دقيق، حيث يتوجب عليها تبرير هذا الفارق لحلفائها الأكثر تشدداً، والذين قد يرون في الجدول الزمني الألماني تباطؤاً لا يتناسب مع طبيعة التهديدات الأمنية الراهنة، مما يجعل برلين تحت ضغط مستمر لتسريع وتيرة البناء العسكري.
الأبعاد الجيوسياسية وردود الفعل الإقليمية
تتجاوز تأثيرات القرار الألماني حدود الحلف لتلقي بظلالها على المشهد الجيوسياسي الأوروبي برمته، وخاصة في علاقات برلين مع جيرانها في شرق أوروبا وروسيا. فمن جهة، يمنح هذا الدور القيادي طمأنينة لدول البلطيق وأوروبا الشرقية التي تطالب دوماً بحضور عسكري أقوى للحلف على حدودها. ومن جهة أخرى، يثير استنفار القوى الإقليمية المنافسة التي ترى في تسليح ألمانيا تهديداً مباشراً للتوازن العسكري في القارة. إن هذا التحرك يضع ألمانيا في واجهة المواجهة الجيوسياسية المباشرة، مما يجبرها على تبني استراتيجية ردع متكاملة تتعدى مجرد زيادة الأرقام في الميزانية إلى صياغة رؤية أمنية شاملة لقيادة القارة.


