جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تثير المراجعة الأمريكية للوجود العسكري في أوروبا نقاشًا متجددًا حول مستقبل الأمن الأوروبي ودور الولايات المتحدة داخل القارة. وفي هذا السياق، يدعو الباحث الأمريكي ديفيد فاين إلى تقليص القواعد العسكرية الأمريكية، معتبرًا أن الوقت قد حان لتعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي.
ما الوظيفة الرئيسية للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا؟
مع بدء واشنطن مراجعة وجودها العسكري في أوروبا، وهو ما أكده وكيل وزارة الحرب الأمريكية إلبريدج كولبي، لا يوجد سوى عدد قليل من المراقبين الذين يرحبون بهذا التوجه.
يقول ديفيد فاين، وهو عالم أنثروبولوجيا أمريكي ومؤلف كتابي “أمة القواعد” و”الولايات المتحدة في حالة حرب”، أمضى عقودًا في توثيق ما يصفه بـ”إمبراطورية” القواعد العسكرية الأمريكية: “جرى تصوير الوجود الأمريكي في أوروبا على أنه وجود دفاعي بطبيعته. لكن السجل التاريخي يُظهر أن القواعد الأمريكية في القارة منذ نهاية الحرب الباردة كانت أساسًا منصة لشن الحروب في الشرق الأوسط. والحرب في إيران توضح ذلك، إذ دعمت قواعد أمريكية في ألمانيا واليونان وقبرص وإيطاليا ورومانيا والمملكة المتحدة وغيرها المجهود الحربي الأمريكي”.
ما حجم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا؟
أوضح ديفيد فاين قائلًا: “إنه ضخم فمنذ نهاية الحرب الباردة حافظ الجيش الأمريكي على وجود كبير في أنحاء القارة. وأعتقد أن هذا الوضع يجب أن يتغير. وعلى الرغم من أنني أختلف مع دونالد ترامب في كل شيء تقريبًا، فإن إعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا تُعد خطوة جيدة بالفعل. هناك أشخاص في أنحاء أوروبا يعيدون التفكير في وجود الجيش الأمريكي على أراضيهم، في ظل السلوك غير المتوقع لدونالد ترامب، وقيامه بشن عدد من الحروب غير القانونية، واختطاف قادة أجانب. وكان ينبغي إعادة تقييم هذا الوجود منذ سنوات.
أين تتمركز معظم القوات الأمريكية في أوروبا؟
يؤكد ديفيد فاين: “لا يزال هناك عدد كبير من القواعد العسكرية الأمريكية، خاصة في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، لكن توجد قواعد أمريكية في معظم الدول الأوروبية، باستثناء فرنسا. كانت فرنسا تستضيف قواعد أمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن في عهد شارل ديغول طردت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في ستينيات القرن الماضي”.
يوجد 119 قاعدة أمريكية في ألمانيا، و44 قاعدة في إيطاليا، و25 قاعدة في المملكة المتحدة، إضافةً إلى عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين. نشر الكونغرس الأمريكي خلال العام 2026 قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، الذي ينص على ضرورة الإبقاء على ما لا يقل عن 76 ألف جندي أمريكي في أوروبا.
علق ديفيد فاين قائلًا: يعكس هذا القانون تمسك كثيرين في الكونغرس الأمريكي بالوضع القائم، والمتمثل في الحفاظ على مئات القواعد وعشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في أنحاء أوروبا، كما يسعون إلى مواجهة ترامب وأي محاولة من إدارته لإغلاق القواعد أو سحب أعداد كبيرة من القوات.
يرى ديفيد فاين عن إعلان ترامب في أبريل من العام 2026 أنه سيسحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا وحدها: “إنه يطلق مثل هذه التهديدات تجاه أوروبا من أجل تعزيز مصالحه الاقتصادية الخاصة، والضغط على الدول الأوروبية بما يخدم مصالح الشركات الأمريكية”.
عندما تُنشأ القواعد الأمريكية في أوروبا أو في دول أجنبية أخرى، فإنها تقدم وعودًا بالأمن والتنمية الاقتصادية. لكنها كثيرًا ما تتحول إلى حصان طروادة، أي وسيلة يستخدمها القادة الأمريكيون لممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على الدولة المضيفة. من الصعب معرفة ما الذي يسعى إليه ترامب فعلًا. فقد شكك منذ سنوات في الوجود الأمريكي داخل حلف شمال الأطلسي، متسائلًا: “ماذا نجني من ذلك؟”.
إن الإبقاء على أعداد كبيرة من القواعد والقوات في أوروبا أمر سيئ للولايات المتحدة وللدول المضيفة على حد سواء. ومن الخرافات الاعتقاد بأن القواعد العسكرية تمثل هدية اقتصادية. صحيح أنها تثري بعض الأشخاص، لكنها تُعد استراتيجية اقتصادية سيئة، لأن هناك وسائل أكثر فاعلية لخلق فرص العمل من خلال الاستثمار في قطاعات أخرى. ومعظم الوظائف تذهب في الأساس إلى العسكريين الأمريكيين والمتعاقدين الأمريكيين.
كما تستحوذ هذه القواعد على مساحات شاسعة من الأراضي كان يمكن استخدامها في أنشطة أكثر إنتاجًا اقتصاديًا أو حتى في استخدامات غير اقتصادية، مثل الحدائق العامة. وتمثل مراجعة الوجود الأمريكي في أوروبا فرصة لإعادة تصور استخدام هذه المواقع في أغراض مدنية أخرى، مثل المدارس والمستشفيات والجامعات والمساكن والمكاتب والمتاحف. وهذا أمر ممكن الآن.
ما التأثير المتوقع على صناع القرار العسكريين والسياسيين الأوروبيين؟
يقول “ديفيد فاين” أظهر ترامب مدى تقلب القادة الأمريكيين. ومن نواح كثيرة، فإنه مجرد امتداد لنهج القيادة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، القائمة على شن حروب غير قانونية. فقد أطلق جورج دبليو بوش حروبًا غير قانونية في أفغانستان والعراق، ثم واصل من جاء بعده تلك الحروب إلى حد كبير. ولذلك فإن ترامب ليس مختلفًا كثيرًا.
إن مراجعة الوجود الأمريكي في أوروبا تمثل فرصة للقادة الأوروبيين ولشعوب أوروبا لإعادة التفكير في مستقبل السياسات العسكرية في القارة، وفك الارتباط العسكري مع الولايات المتحدة.
تابع ديفيد فاين: إن وحدة أوروبا ستبعث برسالة قوة إلى أوروبا نفسها. لكن ينبغي كذلك الحذر من المبالغة في التهويل بشأن روسيا، وهو أمر انتشر على نطاق واسع منذ الحرب الباردة، ثم تصاعد قبل الغزو الروسي لأوكرانيا واستمر بعده. لقد أظهرت الحرب الروسية على أوكرانيا ضعف الجيش الروسي وروسيا نفسها. ويجب أن نتذكر أن الناتج المحلي الإجمالي المجمع للدول الأوروبية يفوق بكثير نظيره الروسي.
وأكد: كذلك فإن الإنفاق العسكري للدول الأوروبية مجتمعة يتجاوز بدرجة كبيرة الإنفاق العسكري الروسي. وأردف ديفيد فاين: بالفعل، هناك ما يدعو إلى القلق، وخاصةً بالنسبة إلى الدول المجاورة لأوكرانيا أو روسيا، إذ تملك أسبابًا أكبر للشعور بالقلق. ولو كنت بولنديًا لكنت أكثر قلقًا من شخص يعيش في إسبانيا أو حتى في ألمانيا. لكنني أعتقد أن هناك خطرًا كبيرًا يتمثل في المبالغة في حجم التهديد الروسي.
وتابع: ولهذا السبب أرى أن تحقيق أوروبا قدرًا أكبر من الاكتفاء الذاتي العسكري يُعد في النهاية أمرًا إيجابيًا لها، لأنه يعكس وحدتها وقدرتها على إعادة التفكير في العلاقات العسكرية داخل القارة.


