الأكثر قراءة

مسلسل الأزمات اللبنانية بين المتغير الطائفي واختلال توازنات السلطة 

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..

إنَّ المراقب الموضوعي لحركة تطور المجتمع اللبناني في تاريخه الحدث والمعاصر، يرى أنَّ المسار التطوري لهذا المجتمع كان يحصل دائماً على قاعدة أزمة عميقة على مستوى البنية الإجتماعية – السياسية، لاسيما في الجانب المتعلق منها بإنتاج أو بإعادة إنتاج السلطة السياسية الحاكمة. فجماعات المكانة أي أصحاب النفوذ الإجتماعي – السياسي كانوا يلجأون دائماً إلى توظيف المسألة الطائفية، بوصفها المصدر الاستثماري الأكثر اعتباراً بين سائر المصادر الأخرى، في خدمة مواقعهم السلطوية وتعزيز شروطهم التفاوضية في كل معركة يعاد فيها توزع السلطة على قاعدة المحاصصة أو الأنصبة بين سائر القوى الطائفية المختلفة.

إنَّ ظاهرة التطييف السياسي كأحد أبرز آليات إنتاج السلطة استمرت ظاهرة ملازمة لتطور الحياة السياسية في لبنان منذ مطالع القرن السادس عشر، أي مع بدايات ظهور الإمارة المعنية كأحد أشكال السلطة السياسية في العهد العثماني، وحتى اليوم، ومع اعتلاء الأمير بشير الثاني سدة الإمارة الشهابية راحت ظاهرة التطييف السياسي تأخذ أبعاداً جديدة ليس فقط على مستوى إرساء أول معادلة للسلطة السياسية تقوم على ثنائية درزية – مارونية، وإنما أيضاً في اختلال المعادلة نفسها بسبب اللاتوازن بين حجم الأنصبة لكل من الموارنة والدروز وذلك بفعل الانقلاب الذي أحدثه الأمير بشير نفسه حين لجأ إلى “تنصير الإمارة” باعتناقه المذهب الماروني بدلاً من مذهبه الأصلي(مسلم)، كل ذلك من أجل الاستقواء بالقوة المارونية الصاعدة آنذاك مادياً واجتماعياً وسياسياً، وتوظيفها في معركة حسم الصراع على مركزية السلطة السياسية في الإمارة بينه وبين الشيخ بشير جنبلاط أحد أبرز زعماء المقاطعجية الدرزية على مستوى إمارة جبل لبنان في تلك الفترة.

انسحبت المقاييس الطائفية في توزعات السلطة على البنيان العام السياسي والإداري للدولة اللبنانية الحديثة منذ النشأة الأولى لهذه الأخيرة في العام 1920، مروراً بالإستقلال الوطني لعام 1943 وصولاً إلى صيغة الطائف التي أوقفت الحرب الأهلية في العام 1989. فقد استمرت المحاصصة قاعدة ثابتة في كل مرة يعاد فيها تشكل السلطة لاسيما توزع المناصب الحكومية والبرلمانية بين النخب الطائفية التي عرفت ثباتاً طويلاً في الحكم، والتي كانت تضع نفسها فوق الدولة وفوق القوانين العامة التي اعتمدت كآليات لتسيير الدولة وشؤونها.

ولما كان لبنان مجتمعاً تعددياً ضمَّ حوالي تسعة عشر مذهباً طائفياً، فقد كان من الطبيعي أن تصادف عملية توزع السلطة إلى أنصبة بين الطوائف المختلفة عقبات لا بل صعوبات جمة، لاسيما وأنَّ عملية المحاصصة بحد ذاتها كانت على إرتباط وثيق بمتغيرات القوى الطائفية في صعودها أو هبوطها من ناحية، وبدور العوامل الخارجية الإقليمية والدولية ذات التأثير البالغ على حركة الوضع اللبناني الداخلي من ناحية أخرى. من هنا، كان مسلسل الأزمات اللبنانية ظاهرة ثابتة في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، فما كادت تختفي أزمة حتى كانت تطل أزمة جديدة وذلك في كل مرة تتعثر فيها عملية محاصصة السلطة بفعل المتغيرات الحاصلة على مستوى القوى الطائفية نفسها على مستويين:

الأول، داخلي ويتمثل بمتغيرات سكانية واجتماعية واقتصادية وثقافية وعسكرية من جهة، الثاني، خارجي ويعكس المتغيرات الإقليمية والدولية وتقاطعاتها مع الداخل اللبناني من جهة أخرى. لقد استمرت البنية السياسية اللبنانية، وهذا هو الأخطر في تطور لبنان السياسي منذ قيام الدولة الحديثة وحتى اليوم، في كونها بنية مخزونة بعناصر خارجية. فالعناصر الحاملة لهذه البنية من داخلية وخارجية كانت تتحول باستمرار إلى عناصر تضاد داخل البنية نفسها مع مجرد أي تأزم يطرأ داخلياً أو خارجياً، ذلك أنَّ أي أزمة داخلية كانت تجد لها أصداء سريعة في الخارج الإقليمي أو الدولي، وكذلك فإنّ أي أزمة في هذا الخارج كانت تثير أزمة موازية أو امتدادية لها في الداخل اللبناني المحلي.

إنَّ توصيفاً موضوعياً لحركة المتغيرات الطائفية، وكيف أنَّ هذه المتغيرات أفضت إلى اختلال التوازن في توزعات السلطة، يظهر، إلى حدٍ بعيد، أنّ ثمة قانوناً تاريخياً طائفياً – سياسياً حكم إنتاج أزمات لبنان المستمرة ومنها الأزمة الراهنة التي بات معها المجتمع اللبناني أقرب إلى الانقسام العمودي السياسي – الطائفي، والتي باتت تهدد مستقبل الكيان الوطني اللبناني وتضعه أمام المجهول.

سنكتفي بالتوقف عند ثلاث محطات تاريخية أسهمت في إحداث متغيرات مفصلية تشابك فيها الطائفي – السياسي الداخلي مع الخارجي الإقليمي والدولي.

المحطة الأولى: تسوية 1943 وطوائف دولة الاستقلال

إرتكزت تسوية 1943 إلى معادلتين إثنتين: الأولى، ظهور ثنائية قطبية طائفية جديدة مارونية – سنية بدلاً من الثنائية المارونية – الدرزية التي سادت سابقاً في عهدي الإمارة والمتصرفية، الثانية، الخروج بصيغة ميثاقية توافقية عكست التلازم بين المتغيرين الداخلي والإقليمي وتمثلت باستعداد مسيحي للإنفتاح الإيجابي على المحيط العربي (العربنة)، مقابل استعداد إسلامي بقبول الشراكة والاندماج في الدولة اللبنانية (اللبننة) بعد أن كانت مرفوضة إسلامياً منذ إعلانها تحت الانتداب الفرنسي في الأول من أيلول 1920.

كيف كان واقع الطوائف اللبنانية مع ولادة دولة الإستقلال عام 1943؟ سنكتفي بالتوقف عند أربع منها:

الطائفة المارونية: هي الطائفة الأكثر وزناً سياسياً في الدولة الاستقلالية، أسندت إليها رئاسة الجمهورية بصلاحيات واسعة قادرة على الإمساك، بكل الدولة ومؤسساتها، إضافة إلى تمثيل وازن في السلطتين التنفيذية (مجلس الوزراء) والتشريعية (مجلس النواب) وفي غير وظيفة من وظائف الدولة (القطاع العام) والمؤسسة العسكرية (قيادة الجيش) وسائر وظائف القطاع الخاص.

القوى المارونية الفاعلة في الحياة السياسية تمثلت بالبطريركية المارونية التي لعبت دور المرجعية الدينية والسياسية، إضافة إلى أحزاب سياسية أبرزها إثنان رئيسيان: حزب الكتائب اللبنانية برئاسة الشيخ بيار الجميل، حزب الوطنيين الأحرار برئاسة كميل شمعون الذي تولى رئاسة الجمهورية (1952-1958). امتيازات هذه الطائفة على صعيد حصتها في الدولة عكست المقولة التالية: ” كل ما لها في الدولة فهو لها، وكل ما هو لمسلمي الدولة فهو لهم ولها”  السند الخارجي لهذه الطائفة كانت فرنسا، بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

الطائفة السنية: مثلت القطبية الإسلامية على مستوى شراكتها في توزعات السلطة. فرئيس مجلس الوزراء هو منها وأمَّنت حضوراً معتبراً لها في مجلسي الوزراء والنواب وكذلك في غير وظيفة من وظائف القطاعين العام والخاص. إلا أنَّ شراكة هذه الطائفة ظلَّت دون التكافؤ مع الطائفة المارونية، فرئيس مجلس الوزراء السني لم يكن في الواقع العملي يتمتع بصلاحيات ذات شأن، كان عملياً منصباً فخرياً وشكلياً أكثر منه منصباً يتمتع بصلاحيات مميزة، لذلك في كل الوزارات التي تألفت بين الاستقلال (1943) والطائف (1989) كان رئيس الوزراء يحتفظ بوزارة حتى يكون مشاركاً عملياً في الحكومة والحكم. من هنا ظلَّت تطرح هذه الطائفة شعاراً مركزياً عنوانه رفع الغبن اللاحق بها خصوصاً وبالمسلمين عموماً.

برز من هذه الطائفة زعامات بارزة تنتمي إلى عائلات مدينية عريقة أمثال عائلات: الصلح (صيدا)، سلام (بيروت) كرامي (طرابلس). أما السند الإقليمي لهذه الطائفة فكان العمق العربي ذي الأغلبية السنية. وهناك أربعة مرتكزات قوة لها في العمق العربي هي:

  • الوزن القومي الذي مثله الرئيس جمال عبد الناصر والذي انعكس في لبنان على ظهور فصائل ناصرية، لاسيما في الأوساط السنية المدينية بيروت طرابلس صيدا وفي البقاع.
  • الوزن الاقتصادي والإسلامي الذي مثلته المملكة العربية السعودية.
  • الوزن الإسلامي الذي مثلته مؤسسة الأزهر كمرجعية إسلامية عربية.
  • الوجود الفلسطيني المسلَّح على أرض لبنان بعد العام 1967، حيث مثَّل قوة عسكرية وسياسية وسكانية انعكست إيجاباً على أهل السنَّة في لبنان قبل غيرهم من الطوائف الإسلامية الأخرى.

الطائفة الشيعية: شراكة ضعيفة في توزعات السلطة، وشراكة إلى حدّ التهميش في إدارات الدولة ومؤسساتها، احتفظت هذه الطائفة منذ العام 1943 بمنصب رئيس مجلس النواب، غير أنه لم يكن في الواقع سوى منصباً فخرياً إذ لم يكسب الشيعة منه سوى ترديدهم عبارة “عطوفة الرئيس” مثَّـل الطائفة في مجلسي النواب والوزراء زعامات ارتكزت في صعودها الاجتماعي – السياسي إلى ملكيات الأراضي في الأرياف الزراعية في الجنوب والبقاع. أشهر هذه الزعامات الأعيانية التي ظلّت أسماء عائلاتها تتردد في غير مجلس نيابي أو وزاري بين الاستقلال والطائف: الأسعد، عسيران، حماده، الزين، الخليل، بيضون، الحسيني، شاهين، الصبَّاح، عرب، صفي الدين…

إنخرط العديد من أبناء هذه الطائفة في صفوف الأحزاب الوطنية التي تنادي بإلغاء الطائفية وبإقامة دولة العدل والمساواة الإجتماعية. وقد وصل الأمر بالانتماء الحزبي لعناصر من هذه الطائفة إلى أن شكلوا المساحة الأوسع من القاعدة الحزبية لسائر الأحزاب الوطنية والتقدمية من المنظمات الشيوعية، إلى الحركات الناصرية، وأحزاب البعث، والقومي السوري الإجتماعي، والتقدمي الإشتراكي وسواه.

شكلت سوريا السند الإقليمي لهذه الطائفة بدءاً من الدخول السوري إلى لبنان في ربيع العام 1976، ومن ثم مثَّلت إيران السند الأقوى في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية فيها في شباط 1979.

الطائفة الدرزية: تحولت، مع دولة الاستقلال 1943، إلى أقلية طائفية وكانت مشاركتها في الدولة ومؤسساتها أقرب منها إلى التهميش منها إلى المشاركة المعتبرة. لذلك كانت هذه الطائفة أكثر نزوعاً نحو رفع شعار إلغاء الطائفية السياسية وتقديم الاعتبارات الوطنية والمواطنة كأساس معياري للشراكة بين اللبنانيين، لا بل أنَّ أفكاراً أكثر تقدمية شكلت المنطلقات الفكرية والسياسية والنضالية للحزب التقدمي الإشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط في الأول من أيار عام 1949. فقد استطاع كمال جنبلاط أن يؤثر ويتأثر بحركة التحرر العربية والعالمية، وعلى الصعيد اللبناني المحلي تحول إلى مرجعية مركزية لقيادة العمل الوطني، فأسس الحركة الوطنية اللبنانية التي تبنت مشروع بناء الدولة الوطنية كبديل استراتيجي للدولة الطائفية وأزماتها المستمرة.

المحطة الثانية: الطوائف والحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)

الطائفة المارونية: تراجع ملفت تحت وطأة الحرب لأسباب ذاتية داخلية وأخرى موضوعية خارجية إقليمية ودولية.

الطائفة السنية: فقدان بعض مرتكزات القوة، لاسيما غياب عبد الناصر ومن ثم غياب الدور القومي لمصر في أعقاب إتفاقية كامب ديفيد 1978. وكذلك الخروج الفلسطيني من لبنان في أعقاب الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وأيضاً اشغال المملكة العربية السعودية بالحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988).

الطائفة الشيعية: تحولات نوعية عرفتها هذه الطائفة أبرزها:

“1- سقوط الزعامات التقليدية التاريخية وظهور زعامة بديلة تمثلت بالزعامة الدينية للسيد موسى الصدر الذي اتخذ من واقع الحرمان الذي تعيشه الطائفة منطلقاً لتأسيس “أفواج المقاومة اللبنانية” (أمل)، على أن تكون هذه الحركة بمثابة الجامع لأبناء الطائفة من أجل توحيد مقاومتهم الإجتماعية لرفع الحرمان الواقع من الدولة من جهة، والتصدي للعدو الصهيوني المهدد لمستقبل الطائفة في وجودها كونها على تماس جغرافي مع الحدود الفلسطينية في الجنوب اللبناني من جهة أخرى.

“2- حصر المقاومة المسلحة للعدو الصهيوني بحركة أمل ومن ثم بحزب الله الذي ظهر في أعقاب الإجتياح الإسرائيلي للبناني عام 1982، فقد عملت أمل أولاً، وحزب الله ثانياً، على ضبط المقاومة التي كانت تمارسها أحزاب وطنية لبنانية وفصائل فلسطينية عديدة، الأمر الذي جعلها أقرب إلى الفوضى منها إلى المقاومة المنسجمة والمتجانسة والتي تتمتع بمركزية قيادية واحدة.

“3- دعم إقليمي مزدوج سوري – إيراني لنشاط أمل وحزب الله، مع دور سوري في تعزيز موقع حركة أمل داخل البنيان السياسي العام للدولة اللبنانية، مقابل دور إيراني في تعزيز الموقع المقاوم لحزب الله في مواجهته المسلّحة للإحتلال الإسرائيلي في منطقتي الجنوب والبقاع الغربي.

الطائفة الدرزية: التحول الهام الذي عرفته هذه الطائفة خلال الحرب الأهلية تمثل بحالة من الضعف لسببين أساسيين: الأول، غياب كمال جنبلاط (القائد المعلم) الذي اغتيل في آذار 1977، الأمر الذي أفقد الحزب التقدمي الإشتراكي ومعه الحركة الوطنية اللبنانية الرأس المدبر. الثاني انجرار الحزب إلى حرب الجبل التي ما لبثت أن أخذت بعداً طائفياً درزياً – مارونياً، الأمر الذي نقل الحزب التقدمي الإشتراكي من الفضاء الوطني اللبناني الواسع إلى فضاء الطائفة الدرزية المحكومة بعقدة الأقلية والتهميش في دولة تتوزعها الطوائف في قسمة غير متوازنة وغير متكافئة.

المحطة الثالثة: الطوائف بعد تسوية الطائف 1989:

أسهمت تسوية الطائف (23 تشرين الأول 1989) بوضع حدٍ للحرب اللبنانية التي توالت فصولها المأساوية على مدى خمس عشرة سنة. إلا أنّ إيقاف الحرب لم يشكل أساساً موضوعياً لإنهاء الأزمة التاريخية اللبنانية، وهي الأزمة التي كانت تعيد إنتاج نفسها تبعاً لذات الشروط التي تدخل في عملية تشكلها، والتي كانت باستمرار، عبارة عن جدلية بين السبب والنتيجة، فالسبب هو المتغير الطائفي، والنتيجة هي اختلال توازنات السلطة تبعاً للمتغير المشار إليه.

أما أهم المتغيرات التي أحدثتها تسوية الطائف فقد طالت الطوائف الثلاث الكبرى: المارونية، السنية والشيعية.

على مستوى الطائفة المارونية، شهدت هذه الطائفة تقليصاً مهماً في صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو الرئيس الذي برز تاريخياً كرئيس للموارنة قبل أن يكون رئيساً لكل لبنان، والتمثيل الوزاري للموارنة بات محكوماً لمعادلة تقول بالثلاثة ضمن المناصفة، أي عدد وزراء الموارنة موازٍ لكل من وزراء السنة والشيعة، الأمر الذي أفقد الطائفة المارونية وزنها التمثيلي الذي طالما احتفظت به دون سائر الطوائف الأخرى، والأمر نفسه ينطبق على توزعات وظائف الدولة، لاسيما وظائف الفئة الأولى وسواها.

مع هذا التراجع في نصيب الموارنة من الدولة برز تحولان على المستوى السياسي، الأول، انكفاء القوى المارونية التقليدية المتمثلة أساساً بالبطريركية المارونية وبحزبي الكتائب والوطنيين الأحرار. الثاني، ظهور قوى جديدة ارتضت الواقعية السياسية وراحت تتعامل مع الواقع اللبناني العام من خلال معطياته الجديدة السكانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تمثلت القوى الجديدة بالعماد ميشال عون الذي أسَّس التيار الوطني الحر مرتكزاً إلى طروحات وطنية تعكس القناعة بوجوب تصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الزعامات السياسية المارونية بجعل المعايير الطائفية هي الغالبة في بنية الدولة العامة. وما لقاء عون – نصر الله والوثيقة الناتجة عنه إلا تدليلاً على خيار التعاون مع القوى الحية من أجل الوصول إلى ميثاق وطني ينقل حزب الله من دائرة المذهب الشيعي إلى فضاء الدولة الوطنية، دولة تكون فوق الطوائف وليس الطوائف فوق الدولة.

على مستوى الطائفة السنية: مع الطائف شهدت هذه الطائفة تعزيزاً لموقعها السياسي على صعيدي الصلاحيات التي منحت لرئيس مجلس الوزراء من جهة، والتمثيل السني في مجلسي الوزراء والنواب وكذلك في الجهاز الوظيفي العام للدولة من جهة أخرى. أما التحول النوعي الذي عرفته الطائفة على أساس تسوية الطائف فكان انبثاق زعامة سنية جديدة تمثلت بالشيخ رفيق الحريري الذي استند في زعامته السياسية إلى كتلة رأسمالية وازنة جعلت من رأس المال القائم على المراكمة أساساً معيارياً في نشوء السلطة على قاعدة توظيف رأس المال في خدمة السلطة وليس على قاعدة تجديد الإقطاع السياسي أو الدور السابق للملكية العقارية الواسعة.

شكل رفيق الحريري معظم الوزارات بعد الطائف، وبات الزعيم السني بلا منازع يستند إلى قوة رأسماله من جهة، وإلى قوة الصلاحيات الممنوحة له من دستور الطائف من جهة أخرى.

إلا أنّ اغتيال الحريري (شباط 2005) جاء ليطرح جملة من التساؤلات تدور حول فرضية انتقاص الطائفة السنية من زعامة بوزن الحريري وبدوره الذي تجاوز الساحة اللبنانية إلى الساحتين الإقليمية والدولية.

على مستوى الطائفة الشيعية: كانت الطائفة الشيعية أكثر الطوائف اللبنانية التي شهدت تحولات نوعية بعد الطائف، أبرز هذه التحولات:

  • صلاحيات مهمة لرئيس مجلس النواب الذي تحول من مقولة “عطوفة الرئيس” قبل الطائف، إلى “دولة الرئيس” تدليلاً على حجم المشاركة الشيعية الوازنة بعد الطائف. أضف إلى ذلك المشاركة الشيعية في سائر مؤسسات الدولة.
  • بروز الشيعة في الانتخابات النيابية في دوراتها الأربع بعد الطائف، ليمثلوا الكتلة الناخبة المتحكمة ليس فقط في اختيار ممثلي طائفتهم وحسب، وإنما أيضاً في التحكم بمصير غير مرشح من سائر الطوائف الأخرى في بيروت العاصمة ومحافظات جبل لبنان والبقاع والجنوب.
  • قوة حزب الله التنظيمية والعسكرية، واتساع قاعدته الشعبية، واعتماده على المؤسسات، وصموده في مقاومة العدو الصهيوني الذي ذاق طعم الهزيمة أمام إرادة غير مسبوقة أبداها حزب الله في المواجهات، لاسيما في الحرب الأخيرة (12 تموز – 14 آب 2006)، كل ذلك جعل من حزب الله ليس قوة لبنانية وحسب، وإنما إقليمية أيضاً دخلت في معادلات القوى الإقليمية وفي رسم استراتيجيات المنطقة على المديين المنظور والمتوسط على الأقل.

أمام هذا الصعود النوعي لظاهرة حزب الله، راح الحزب يضغط داخلياً باتجاه إرساء معادلة لبنانية تأخذ بنظر الاعتبار واقع القوى المحلية المكوّنة للمجتمع اللبناني، معادلة تعيد النظر في توزعات السلطة على أساس أحجام الطوائف السكانية والاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية.

خلاصة القول أنّ الصراع السياسي– الطائفي على السلطة بات يطرح مستقبل الكيان الوطني اللبناني ويجعله مفتوحاً أمام أكثر من احتمال. فالمجتمع السياسي اللبناني يتمحور اليوم بين واجهتين متصارعتين: قوى السلطة واجهتها سنية متمثلة بتيار المستقبل وبرئيس وزرائه فؤاد السنيورة، وقوى المعارضة واجهتها شيعية محورها حزب الله ومعه قوى حزبية وسياسية أخرى.

الخشية كل الخشية أن يتطور الصراع السياسي المحتدم حالياً في لبنان إلى صراع عسكري لا يأتي على لبنان الوطن والدولة بأي منفعة، وإنما المستفيد الوحيد منه هو المشروع الأمريكي– الصهيوني المتمثل بإقامة شرق أوسط جديد الذي يرتكز في أحد جوانبه الأساسية إلى خلق صراع مفتوح وأبدي في المنطقة (صراع سني – شيعي) يكون بديلاً للصراع العربي– الصهيوني الذي لم يكن مستقبله لصالح الدولة الصهيونية ووجودها في المنطقة أبداً وذلك بفعل مؤشرات التطور المستقبلي التي ستكون حتماً لصالح العرب دون الصهاينة بالاستناد إلى مؤشرات علمية سكانية واقتصادية وعلمية وعسكرية.

خاتمة:

حكم لبنان في تاريخه الحديث والمعاصر قانون الأزمات المستمرة، وهي أزمات متراكمة كانت أسبابها المعادة الإنتاج ناجمة عن دخول الطائفية بنية السلطة السياسية، الأمر الذي جعل المجتمع اللبناني يعيش دوامة الأزمة – التسوية وهي دورية مستمرة منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

فالمعالجات طوال هذه الفترة لم تصل إلى حد إلغاء مسببات الأزمة وإنما كانت الأزمة تنتهي بتسوية يعاد معها توزع السلطة السياسية أنصبة بين الطوائف المختلفة على أساس من الشراكة الطائفية غير المتكافئة وغير المتوازنة، الأمر الذي كانت تتطور معه التسوية لتتحول إلى أزمة من جديد وهكذا دواليك.

إن تاريخ لبنان حافل بالتسويات على أساس الشراكات الطائفية كان أبرزها ثلاث: الأولى، شراكة القائمقاميتين 1845 ومحورها ثنائية درزية – مارونية، الثانية، شراكة 1943 الاستقلالية ومحورها ثنائية سنية – مارونية، الثالثة، شراكة الطائف 1989 ومحورها ثلاثية شيعية – سنية – مارونية.

إنَّ حلاً جذرياً للمسألة اللبنانية يكمن أولاً وأخيراً في تغليب الخيار الوطني وتأكيد نهائية الدولة الوطنية اللبنانية كمشروع استراتيجي حاضن للوطن اللبناني وللشعب اللبناني الواحد. أما أهم مرتكزات الدولة الوطنية الديمقراطية فهي التالية:

“1- المواطنة كهوية ثابتة في الانتماء إلى الوطن اللبناني مقابل انتفاء خصوصيات الانتماء الطائفي والمذهبي والمناطقي.

“2- عدالة توزيعية شاملة إجتماعية وإقتصادية وإنمائية وسياسية، مقابل انتهاء مقولة الغبن والغنم التي سادت تاريخياً بين الطوائف المختلفة.

“3- قيام جماعة الدولة على أساس وضع الدولة فوق سائر الجماعات الطوائفية وليس وضع الجماعات الطوائفية فوق الدولة كما ساد لبنان في مراحل تاريخه المختلفة.

“4- تعزيز وترسيخ الثقافة الوطنية وتطويرها كبديل نهائي للخصوصيات الثقافية الطائفية والمذهبية، واعتماد برامج ومناهج تربوية تنشأ عليها الأجيال الوطنية القادمة تنئشة وطنية غير طائفية أو مذهبية أو مناطقية.

https://hura7.com/?p=82351

الأكثر قراءة