جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتاريخ 4 مايو 2026، عملية أطلقت عليها اسم “مشروع الحرية”، ضمن خططه لتشكيل تحالف دولي يضمن فتح مضيق هرمز الحيوي. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومحاولات واشنطن حماية حرية الملاحة في الخليج العربي وخليج عمان، الممر الاستراتيجي لنقل النفط العالمي.
وبهذه العملية، يكون ترامب قد كسر الجمود منذ 28 فبراير الماضي، ودخل في مسار مبادرته التي تشدد الخناق على إيران، مطلقًا مبادرة إنسانية لإنقاذ حوالي 900 ناقلة نفط من دول محايدة وغير منخرطة في الحرب، لتحريرها من ما وصفته الإدارة بـ”العربدة الإيرانية”. وفي الوقت نفسه، هدفت المبادرة إلى الضغط على إيران للرد على شروط ترامب، التي تهدف إلى إنهاء الأزمة والتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، بينما أتاح قرار الإدارة الأميركية مواجهة أي اعتراضات من الجانب الإيراني في المضيق، سواء من السفن العابرة أو عمليات تنظيف المضيق.
مواقف الغرب والتحفظ على المشاركة
رغم جهود واشنطن لتكوين تحالف دولي، ترفض العديد من الدول الغربية الانخراط الكامل في العملية، مبررة موقفها بعدم الرغبة في التصعيد العسكري أو مواجهة مباشرة مع إيران. في الوقت نفسه، يشن ترامب انتقادات حادة على دول حلف الناتو لعدم مساندتها له في حربه على إيران، ما يعكس فجوة استراتيجية داخل الحلف بشأن كيفية التعامل مع التهديدات الإيرانية.
مشاركة محتملة للقوات البحرية الألمانية والكورية الجنوبية
استعدت البحرية الألمانية لإرسال كاسحة الألغام “فولدا” إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث يمكن للقوات المشاركة في إزالة الألغام في مضيق هرمز وفق شروط محددة. من جانبها، أكدت كوريا الجنوبية مشاركتها في محادثات دولية لضمان المرور الآمن للسفن عبر المضيق، وهو ما يعكس اهتمام القوى الكبرى بحماية خطوط الطاقة العالمية، حتى مع تحفظ بعض الأطراف على المشاركة العسكرية المباشرة.
مشروع قرار أممي وتهديد السلم الدولي
أعدّت واشنطن ودول خليجية مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي، يرى أن أي إغلاق لمضيق هرمز يشكّل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين. وفق المشروع، تُصنّف هذه الأفعال ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما يفتح الباب أمام اتخاذ إجراءات دولية ملزمة ضد من يعرقل حرية الملاحة.
مشروع القرار الخليجي – الأمريكي لمجلس الأمن (مايو 2026)
بناءً على التطورات الجارية حتى أوائل مايو 2026، تعمل دول مجلس التعاون الخليجي بالتعاون مع الولايات المتحدة على إعداد مشروع قرار قوي لمجلس الأمن الدولي، يهدف إلى تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز وإدانة الإجراءات الإيرانية التي عطلت الملاحة منذ أواخر فبراير 2026.
أبرز بنود مشروع القرار:
1-إدانة إغلاق المضيق: إدانة واضحة ومباشرة لمحاولات إيران إغلاق مضيق هرمز أو عرقلة الملاحة البحرية.
2-استخدام “كافة الوسائل“: السماح باستخدام “كافة الوسائل المتاحة واللازمة” لحماية الملاحة ووقف الهجمات، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية وفق الفصل السابع لضمان مرور السفن.
3-منع الدعم لإغلاق المضيق: حظر أي دولة عضو في الأمم المتحدة من تقديم أي دعم لإيران في مساعيها لتقييد حركة التجارة العالمية عبر المضيق.
4-إزالة الألغام: مطالبة طهران بالكشف عن مواقع الألغام البحرية التي تم زرعها وإزالتها.
5-ممر آمن: إنشاء ممر إنساني آمن لضمان تدفق السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والأسمدة.
6-تهديد بعقوبات: إلزام إيران بوقف هجماتها، مع التهديد باتخاذ إجراءات ملزمة وعقوبات في حال عدم الالتزام.
السياق الدبلوماسي والميداني
يأتي هذا التحرك بعد فشل محاولات سابقة، مثل مشروع القرار الذي قدمته البحرين في أوائل أبريل، بسبب استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو).
وتطالب دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، عمان) مجلس الأمن بتحمل مسؤولياته في حماية الممرات المائية الحيوية، التي تعطلت إثر التوترات العسكرية بين إيران وواشنطن/إسرائيل.
لقد ركزت المداولات في أوائل مايو 2026 على صياغة مشروع قرار جديد يعالج مخاوف بعض الأعضاء الدائمين ويهدف إلى حشد دعم دولي واسع لتأمين المضيق.
الرد الإيراني والتطورات الميدانية
أرسلت طهران رسالة تحذيرية لدول الخليج عبر ضرب صواريخ على الإمارات، في محاولة لإظهار قدرتها على التأثير على الممرات البحرية، سواء نجح مشروع القرار أم فشل.
وشملت التحركات الإيرانية أيضًا ضرب خطوط أنابيب النفط في الفجيرة، والتي كانت تعمل دون توقف وخارج نطاق مضيق هرمز، بهدف تعطيل تدفق الطاقة وفرض نوع من القرصنة والضغط على المنطقة.
لذا، تعكس هذه التطورات الوضع الدبلوماسي الدقيق والمعقد في أروقة الأمم المتحدة، حيث تسعى دول الخليج لضمان توافق دولي واسع يتيح حماية الملاحة في مضيق هرمز من أي تهديدات محتملة.
إذن، تساند دول الخليج مشروع القرار الأميركي في مجلس الأمن، معتبرة أن أي إغلاق للمضيق يشكّل تهديدًا لأمنها الاقتصادي واستقرار المنطقة. وتشترك هذه الدول مع واشنطن في رؤية مشتركة بضرورة تحالف دولي لضمان حرية الملاحة، ما يعكس التكامل الاستراتيجي بين المصالح الأميركية والخليجية.
الصين وروسيا: رؤية مختلفة
تُظهر كل من الصين وروسيا تحفظًا على تحركات واشنطن. فالصين، كأكبر مستورد للنفط الإيراني، ترى أن أي تدخل عسكري أو قيود على مرور النفط الإيراني قد يهدد أمن الطاقة لديها ويؤثر على أسعار النفط العالمية. أما روسيا، فتراقب التحركات الأميركية بدقة، معتبرة أي تدخل عسكري مباشر في الخليج تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بما يشمل التوازنات العسكرية والدبلوماسية في المنطقة.
الهدف الاستراتيجي للخطوة الأميركية
من الواضح أن خطط ترامب تهدف إلى إفراغ المضيق من أي تهديدات مباشرة للسفن البحرية والتجارة العالمية. فالسفن ستكون محمية من الاعتراضات أو الهجمات الإيرانية، بينما سيتم تحويل مسارها نحو خليج عمان لتأمين خروج آمن. وتتيح هذه الخطوة ضمان حرية الملاحة، حماية خطوط الطاقة، واستمرار الحركة العسكرية بدون تهديدات إيرانية مباشرة، بما يحمي الأمن الإقليمي والدولي ويعزز موقف الولايات المتحدة وحلفائها.
يسعى ترامب من خلال مشروع الحرية إلى إرساء سيطرة أميركية واضحة على المرور البحري، مع الاحتفاظ بخيار التدخل العسكري لضمان أمن الملاحة وحماية خطوط الطاقة العالمية. وتعكس هذه الخطوة تعقيدات التحالف الدولي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة والخليج، بينما تتحفظ بعض الدول الغربية وتراقب الصين وروسيا الموقف بحذر، في إطار السعي للحفاظ على الأمن البحري والاستقرار الإقليمي وفق القانون الدولي.
تشير الأحداث الأخيرة إلى تعقيدات كبيرة في تشكيل تحالف دولي لضمان فتح مضيق هرمز. حسابات ترامب تتقاطع مع مصالح بعض دول الخليج، بينما تتباين مع تحفظات الغرب، خصوصًا الأوروبي، ومواقف الصين وروسيا الاستراتيجية. تبقى المسألة محكومة بالتوازن بين الأمن البحري، الاستقرار الإقليمي، وضمان تدفق النفط العالمي، في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي للحفاظ على السلم والأمن وفق مبادئ القانون الدولي.


