جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
تمثل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر نموذجًا متقدمًا للشراكات الإقليمية القائمة على المصالح المشتركة، والرؤية بعيدة المدى، والسعي إلى تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. وعلى مدى أكثر من عقدين، تطورت هذه العلاقات من إطار للتعاون السياسي والاقتصادي إلى شراكة استراتيجية وشاملة تعكس الأهمية المتزايدة لمصر في محيطها الإقليمي والدولي، وللاتحاد الأوروبي كشريك رئيسي في دعم مسارات التنمية والاستقرار.
ويشكل اتفاق الشراكة، الذي دخل حيز التنفيذ في يونيو 2004، الأساس القانوني للعلاقات بين الجانبين، إذ وفر إطارًا مؤسسيًا للحوار السياسي والتعاون في مختلف المجالات. ومع اعتماد أولويات الشراكة الجديدة خلال الاجتماع التاسع لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر في يونيو 2022، دخل التعاون مرحلة أكثر تنظيمًا وتركيزًا، تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية، هي الاقتصاد الحديث والتنمية الاجتماعية المستدامة، والتنسيق في السياسة الخارجية، وتعزيز الاستقرار.
وجاءت النقلة الأهم في مارس 2024، عندما اتفق رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى “شراكة استراتيجية وشاملة”. ولم يكن هذا التطور مجرد خطوة سياسية، بل تعبيرًا عن إدراك متبادل لأهمية التعاون الأوروبي المصري في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والإقليمية المتزايدة.
وتغطي الشراكة ستة محاور مترابطة، تشمل العلاقات السياسية، والاستقرار الاقتصادي، والتجارة والاستثمار، والهجرة والتنقل، والأمن، والديموغرافيا ورأس المال البشري. ويمنح هذا التنوع الشراكة قدرة أكبر على معالجة القضايا المشتركة من منظور متكامل، بحيث لا تقتصر على المساعدات أو التجارة، وإنما تمتد إلى الاستثمار في الإنسان، وتعزيز فرص العمل، ودعم المؤسسات، وتحقيق الاستقرار طويل الأمد.
ويعكس تخصيص حزمة مالية أوروبية بقيمة 7.4 مليار يورو للفترة 2024 ـ 2027 ثقة واضحة في مستقبل الاقتصاد المصري وفي قدرة الشراكة على إنتاج نتائج ملموسة. وتشمل الحزمة 5 مليارات يورو من المساعدات المالية الكلية في صورة قروض ميسرة، و1.8 مليار يورو للاستثمارات الإضافية، إلى جانب 600 مليون يورو من المنح الثنائية، بينها 200 مليون يورو مخصصة لملف الهجرة. من شأن هذه الموارد أن تعزز الاستثمارات، وتدعم الإصلاحات الاقتصادية، وتفتح المجال أمام تعاون أوسع بين القطاعين العام والخاص.
وتوج هذا المسار بعقد أول قمة بين الاتحاد الأوروبي ومصر في 22 أكتوبر 2025، وهي خطوة تحمل دلالة سياسية كبيرة باعتبارها أول قمة ثنائية للاتحاد الأوروبي مع دولة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويؤكد ذلك المكانة التي باتت تحظى بها مصر في الرؤية الأوروبية تجاه المنطقة.
تبدو الشراكة الأوروبية المصرية فرصة استراتيجية متبادلة وليست مجرد علاقة اقتصادية أو سياسية تقليدية. فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا ودورًا إقليميًا وقدرات بشرية واقتصادية مهمة وخبرة كبير في مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، بينما يمتلك الاتحاد الأوروبي الموارد والخبرات والاستثمارات اللازمة لدعم مسارات التنمية. ومن ثم، فإن تعميق هذه الشراكة يمكن أن يشكل ركيزة مهمة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا على ضفتي المتوسط.


