الأكثر قراءة

مصر واتفاق الدفاع في مكة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لا شك أن غياب مصر عن اتفاق الدفاع في مكة يطرح تساؤلًا مهمًا حول الأسباب التي دفعت القاهرة إلى عدم الانضمام بصورة مباشرة إلى الاتفاق الذي جمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، والذي يقوم على مبدأ اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الأعضاء اعتداءً عليها جميعًا. ويكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الإقليمية لمصر، وثقلها العسكري والسياسي، وموقعها الجغرافي الذي يجعلها دولة محورية في معادلة أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية. وقد أُعلن عن الاتفاق في مكة في أغسطس 2026، مع الإشارة إلى إمكانية توسيعه مستقبلًا ليشمل دولًا أخرى، ومن بينها مصر.

ولا يعني غياب مصر عن الاتفاق بالضرورة أنها خارج ترتيبات الأمن الإقليمي، إذ إن القاهرة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والتفاهمات الأمنية والعسكرية التي تسمح لها بالمشاركة في حماية مصالحها الاستراتيجية دون الارتباط بالضرورة بالتزام دفاعي جماعي ذي طبيعة تلقائية. ومن هنا يمكن فهم الموقف المصري باعتباره قائمًا على المحافظة على هامش واسع من الحركة الاستراتيجية، بدلًا من الدخول في التزام عسكري قد يفرض عليها المشاركة في نزاعات لا تتطابق بصورة كاملة مع أولويات أمنها القومي.

الحسابات المصرية الخاصة

تفرض الجغرافيا السياسية على مصر حسابات دقيقة ومعقدة تجعل قرار الانضمام إلى أي تحالف عسكري إقليمي مرتبطًا بتقدير شامل لمصادر التهديد المحيطة بها. فمصر لا تنظر إلى أمن البحر الأحمر بمعزل عن أمن حدودها البرية، وأمنها المائي، والوضع في غزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي، فضلًا عن أمن قناة السويس. ولذلك فإن أي انخراط عسكري خارجي ينبغي أن يُدرس في ضوء احتمال تأثيره في قدرة الدولة المصرية على إدارة هذه الملفات في الوقت نفسه.

ويبدو أن أحد أهم الاعتبارات المصرية يتمثل في تجنب توسيع رقعة الاشتباك الإقليمي. فالدخول في اتفاق دفاع جماعي يعني، من حيث المبدأ، احتمال انتقال الالتزامات الأمنية من نطاق التعاون والتنسيق إلى نطاق المشاركة في مواجهة عسكرية إذا تعرض أحد أطراف الاتفاق لاعتداء. وهذا الأمر قد يضع مصر أمام التزامات لا تتوافق بالضرورة مع سياستها القائمة على إدارة الأزمات من خلال مزيج من الردع والدبلوماسية والوساطة.

أهم الملفات الأمنية التي تواجهها مصر

تواجه مصر مجموعة من الملفات الأمنية المتداخلة التي تجعل عملية اتخاذ القرار بشأن التحالفات العسكرية أكثر تعقيدًا. ويأتي الملف الفلسطيني في مقدمة هذه الملفات، ولا سيما قطاع غزة، الذي يمثل بالنسبة إلى القاهرة قضية ترتبط بالأمن القومي المصري وبأمن الحدود الشرقية، إضافة إلى ارتباطه بالدور المصري التقليدي في الوساطة ووقف إطلاق النار وإدارة الاتصالات بين الأطراف المختلفة.

أما في الجبهة الغربية، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا يمثل تحديًا أمنيًا مستمرًا بالنسبة إلى مصر، نظرًا لطول الحدود المشتركة وتشابك الملف الليبي مع قضايا الإرهاب والهجرة غير النظامية وحركة الجماعات المسلحة. كما أن التطورات في منطقة الساحل الأفريقي، ولا سيما في دول مثل مالي وتشاد، تضيف بعدًا آخر إلى الحسابات الأمنية المصرية، لأن اضطراب هذه المنطقة يمكن أن ينعكس على أمن شمال أفريقيا والبيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر.

ويحتل السودان مكانة خاصة في الحسابات المصرية؛ فهو ليس مجرد دولة مجاورة، وإنما يمثل عمقًا جغرافيًا وأمنيًا ومائيًا لمصر. كما أن استمرار الحرب السودانية وتعدد التدخلات الإقليمية والدولية فيها يفرضان على القاهرة التعامل مع الأزمة بحذر شديد، بما يضمن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية واستقرار حدودها الجنوبية وتجنب انتقال تداعيات الصراع إلى الأراضي المصرية.

ويضاف إلى ذلك ملف سد النهضة والعلاقات المصرية الإثيوبية، الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الأمن القومي المصري، لارتباطه المباشر بالأمن المائي. ومن ثم فإن أي استراتيجية مصرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي لا يمكن فصلها عن التطورات المتعلقة بإثيوبيا والصومال والسودان، لأن هذه الملفات تتقاطع جغرافيًا واستراتيجيًا مع المصالح المصرية.

الصومال والقرن الأفريقي: عقدة استراتيجية لمصر

يمثل الصومال والقرن الأفريقي أحد المحاور المهمة في الاستراتيجية المصرية تجاه البحر الأحمر. وقد تطورت العلاقات المصرية الصومالية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وأكدت القاهرة استمرار الدعم العسكري للصومال في إطار بروتوكول التعاون العسكري الموقع في أغسطس 2024، مع التركيز على التدريب والتسليح ومكافحة الإرهاب وتأمين الحدود البرية والبحرية.

ولا يمكن النظر إلى هذا التعاون باعتباره تحركًا عسكريًا منفصلًا عن البيئة الإقليمية، بل يأتي في إطار اهتمام مصر بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد أكدت القاهرة في أكثر من مناسبة أن أمن البحر الأحمر يجب أن يكون مسؤولية الدول المطلة عليه، وأنها ترفض وجود قوات عسكرية لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر فيه.

ومن هذه الزاوية، يمكن تفسير الاهتمام المصري بالصومال باعتباره جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى حماية المصالح المصرية في البحر الأحمر وتأمين الممرات البحرية، فضلًا عن تعزيز قدرة الدولة الصومالية على بسط سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية. كما شاركت مصر في جهود دعم الاستقرار في الصومال، بما في ذلك مساهمتها في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال.

أما الحديث عن الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي، فينبغي التعامل معه في إطار التحليل الاستراتيجي وليس باعتباره حقيقة ثابتة ما لم تدعمه مصادر موثوقة. إلا أن أي توسع لقوى إقليمية أو دولية في المناطق القريبة من باب المندب والبحر الأحمر يدخل بطبيعة الحال ضمن الحسابات المصرية، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة إلى أمن قناة السويس.

أمن باب المندب وقناة السويس

يُعد أمن باب المندب من أهم عناصر الأمن الاقتصادي والاستراتيجي المصري، لأن اضطراب الملاحة في هذا الممر لا يقتصر تأثيره على الدول المطلة عليه، بل يمتد إلى قناة السويس وحركة التجارة الدولية. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن أي تراجع في أمن البحر الأحمر يمكن أن يؤدي إلى تغيير مسارات السفن وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري.

وقد أعلنت هيئة قناة السويس أن الهجمات في البحر الأحمر أدت خلال 2024 إلى انخفاض إيرادات القناة بنسبة 61%، من نحو 10.25 مليارات دولار في 2023 إلى نحو 3.99 مليارات دولار في 2024، كما تراجع عدد السفن العابرة يوميًا بصورة كبيرة خلال فترات التصعيد. وهذا يوضح أن أمن باب المندب بالنسبة إلى مصر ليس مسألة عسكرية فقط، وإنما قضية اقتصادية ترتبط بمصدر مهم من مصادر العملة الأجنبية وبمكانة مصر في منظومة التجارة العالمية.

فإن مصر تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي معنية بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وبحماية حرية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الانخراط في حرب مفتوحة قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة وإطالة أمد الاضطرابات التي تضر بقناة السويس والاقتصاد المصري.

بين الالتزام العسكري والدور الدبلوماسي

تتمثل إحدى أهم سمات السياسة المصرية في الجمع بين أدوات القوة والوساطة الدبلوماسية. فالقاهرة تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، لكنها تستخدمها ضمن حسابات أوسع تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب الدخول في مواجهات مفتوحة. ولذلك فإن الانضمام إلى اتفاق دفاع جماعي قد يحد من مساحة الحركة التي تحتاج إليها مصر عند التعامل مع الأزمات الإقليمية.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل الدور المصري التقليدي كوسيط في عدد من الملفات الإقليمية. فمصر تحتاج إلى المحافظة على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها قدرة على التفاوض والوساطة وخفض التصعيد. ومن هنا يمكن تفسير تحفظها عن الدخول في ترتيبات قد تُفسر باعتبارها اصطفافًا عسكريًا مباشرًا ضد طرف إقليمي معين.

كما أن طبيعة اتفاق مكة نفسها، رغم أهميته، ما تزال في مرحلة التأسيس من الناحية المؤسسية؛ إذ أشارت التقارير إلى إنشاء لجنة وزارية وأمانة للاتفاق، مع بقاء تفاصيل التشغيل والتنسيق العسكري المشترك بحاجة إلى مزيد من التطوير. ولذلك قد تفضل مصر مراقبة تطور الاتفاق ونتائجه العملية قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الانضمام إليه.

مسألة السفن والهجمات البحرية

وفي سياق أمن الملاحة، يمكن الإشارة إلى الهجمات التي تعرضت لها بعض السفن في المنطقة باعتبارها مثالًا على المخاطر التي تواجه حركة النقل البحري. غير أن أي حديث عن مصادر عمليات محددة أو عن معلومات استخبارية حصلت عليها مصر ينبغي أن يُصاغ بحذر، خصوصًا إذا كانت هذه المعلومات غير معلنة رسميًا. فالمحافظة على سرية المصادر جزء من طبيعة العمل الاستخباري والدبلوماسي، كما أن مصر، بحكم دورها كوسيط إقليمي، قد تفضّل عدم الكشف عن بعض المعلومات التي تحصل عليها عبر قنوات أمنية أو دبلوماسية.

وبالتالي، فإن الأفضل أكاديميًا عدم الجزم بأن مصر عرفت مصدر هجوم معين أو أنها امتنعت عن كشفه حفاظًا على دور الوسيط، إلا إذا توافرت وثائق أو تصريحات رسمية تؤكد ذلك. ويمكن بدلًا من ذلك القول إن طبيعة الدور المصري في الوساطة تفرض عليها المحافظة على قدر من السرية في بعض الملفات الأمنية، بما يسمح لها بالحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف.

لماذا تتريث مصر؟

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تفسير التريث المصري في الانضمام المباشر إلى اتفاق الدفاع في مكة من خلال مجموعة من الاعتبارات المتداخلة. أولها أن مصر تواجه بيئة أمنية شديدة التعقيد تمتد من غزة وليبيا والسودان إلى إثيوبيا والصومال والبحر الأحمر. وثانيها أن القاهرة تسعى إلى عدم فتح جبهات جديدة أو الدخول في التزامات عسكرية قد تؤدي إلى استنزاف قدراتها. وثالثها أن أمن قناة السويس يجعل مصر معنية بالدرجة الأولى بالحفاظ على حرية الملاحة وتجنب أي تصعيد طويل الأمد في البحر الأحمر.

و لا ينبغي تفسير غياب مصر عن اتفاق مكة باعتباره ابتعادًا عن أمن البحر الأحمر أو عن التعاون العربي والإسلامي، وإنما يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن سياسة مصرية تقوم على الانتقائية في التحالفات، والحفاظ على الاستقلالية في القرار العسكري، واستخدام القوة والردع إلى جانب الدبلوماسية والوساطة. فمصر تستطيع أن تؤدي دورًا مؤثرًا في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي من خلال ترتيبات ثنائية ومتعددة الأطراف، دون أن تكون بالضرورة عضوًا مؤسسًا في اتفاق دفاع جماعي.

ومن المرجح أن تراقب القاهرة تطور اتفاق مكة، ومدى قدرته على بناء آليات فعلية للتنسيق العسكري والدفاع الجوي والاستخبارات والأمن البحري، قبل اتخاذ قرار يتعلق بالانضمام إليه. و ستظل مصر معنية بالحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية وتركيا وباكستان، مع الاستمرار في تعزيز تعاونها مع الصومال والدول المشاطئة للبحر الأحمر. وبذلك تحاول القاهرة تحقيق معادلة دقيقة تقوم على حماية أمنها القومي، والحفاظ على مصالحها الاقتصادية، وتأمين قناة السويس، وتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.

فإن عدم الانضمام المباشر إلى اتفاق الدفاع في مكة لا يمثل بالضرورة موقفًا سلبيًا تجاه الاتفاق، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية مصرية أوسع تقوم على الاحتفاظ بحرية الحركة والقدرة على التأثير من خارج الالتزام العسكري الجماعي، مع إمكانية إعادة تقييم الموقف مستقبلًا إذا تغيرت طبيعة الاتفاق أو تطورت التهديدات التي تواجه الأمن المصري والإقليمي.

https://hura7.com/?p=83085

الأكثر قراءة