جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

عاد مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى واجهة التوترات الدولية مع اقتراب الولايات المتحدة وسلطنة عُمان وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد ينظم حركة الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي. ويأتي هذا التطور بعد أيام من إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة عسكرية واسعة كانت تستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران، ما يشير إلى انتقال المواجهة من خيار التصعيد العسكري إلى مسار تفاوضي أكثر حذرًا.
ووفقًا للمقترحات المطروحة، فإن حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز قد تُقسم إلى مسارين: دخول السفن المتجهة إلى الخليج العربي عبر المياه القريبة من السواحل الإيرانية، بينما تمر السفن الخارجة من الخليج عبر المسار الجنوبي القريب من السواحل العُمانية. ويُنظر إلى هذا الترتيب باعتباره محاولة لإيجاد صيغة توازن بين مطالب إيران بالحفاظ على دورها في إدارة المضيق، ومصالح المجتمع الدولي في ضمان استمرار حركة التجارة والطاقة.
اتفاق مؤقت لتخفيف التوتر
تشير التقارير إلى أن التفاهم المحتمل بين واشنطن ومسقط وطهران سيكون مؤقتًا، وقد يمتد لنحو 60 يومًا فقط، بهدف تثبيت وقف هش للتصعيد وإعادة تنظيم حركة السفن التجارية. كما يتضمن المقترح عدم فرض إيران رسوم عبور على السفن، رغم أن طهران كانت تطالب سابقًا بحقها في الحصول على عوائد مقابل استخدام الممر البحري الذي تعتبره جزءًا من نطاقها الأمني.
بالرغم من الحديث عن وجود اتصالات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن طهران تحرص على تقديم المفاوضات باعتبارها محادثات تجري فقط مع سلطنة عُمان، باعتبارها دولة مشاطئة للمضيق. وأكدت الخارجية الإيرانية أن الهدف هو ضمان مسارات بحرية آمنة مع الحفاظ على حقوق إيران وعُمان الأمنية والسيادية.
ويعكس هذا الموقف الإيراني رغبة في تجنب الظهور أمام الداخل الإيراني أو حلفائها على أنها دخلت في مفاوضات مباشرة مع واشنطن، خصوصًا في ظل وجود تيارات داخل النظام الإيراني ترفض تقديم تنازلات للولايات المتحدة.
صراع على السيطرة البحرية
تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه يمثل شريانًا رئيسيًا لنقل النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
وترى إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها نفوذًا خاصًا على حركة الملاحة في المضيق، بينما تعتبر الولايات المتحدة أن المضيق ممر دولي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام التجارة العالمية. ومن هنا نشأ أحد أبرز محاور الخلاف بين الطرفين.
فالولايات المتحدة تسعى إلى ضمان حرية الملاحة وحماية حركة ناقلات النفط، بينما تستخدم إيران ورقة المضيق باعتبارها إحدى أدوات الردع في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية.
لماذا تراجعت احتمالات المواجهة العسكرية؟
رغم التصعيد المتكرر بين واشنطن وطهران، فإن الطرفين يدركان أن إغلاق مضيق هرمز أو اندلاع مواجهة واسعة ستكون له كلفة كبيرة على الجميع.
فالولايات المتحدة لا ترغب في فتح جبهة عسكرية جديدة قد تؤثر على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط، بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية وعسكرية تجعلها حريصة على تجنب حرب شاملة قد تستنزف قدراتها.
ولهذا، يبدو أن الخيار الحالي هو إدارة الأزمة بدل تفجيرها، عبر ترتيبات مؤقتة تسمح باستمرار حركة التجارة مع إبقاء أوراق الضغط السياسية والعسكرية لدى الطرفين.
العقوبات والنفط في قلب المفاوضات
لا تقتصر المفاوضات حول مضيق هرمز على الجانب البحري فقط، بل ترتبط أيضًا بملف العقوبات والصادرات النفطية الإيرانية. فبعض التقارير تشير إلى أن أي تقدم في ملف الملاحة قد يفتح الباب أمام تخفيف جزئي للقيود الأمريكية على تصدير النفط الإيراني، مقابل التزامات إيرانية تتعلق بأمن الملاحة وعدم تعطيل حركة السفن.
وهذا يعني أن المضيق أصبح جزءًا من صفقة أوسع تتعلق بالعلاقة بين واشنطن وطهران، وليس مجرد خلاف حول مسارات السفن.
لكن نجاح أي اتفاق سيبقى مرتبطًا بموافقة مراكز القرار داخل إيران، خصوصًا أن الحرس الثوري الإيراني يمثل أحد أبرز الأطراف المؤثرة في الملفات الأمنية والعسكرية، وقد لا يكون مستعدًا بسهولة لقبول ترتيبات تعتبرها بعض التيارات تنازلًا أمام الولايات المتحدة.
مخاوف شركات الشحن
ورغم الحديث عن تفاهمات محتملة، فإن شركات النقل البحري لا تزال تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره منطقة عالية المخاطر. فالتجارب السابقة، التي شهدت تعرض سفن لهجمات أو حوادث أمنية قرب السواحل الإيرانية، جعلت شركات الشحن تواصل تقييم المخاطر قبل اختيار مساراتها.
كما تشير بيانات مراقبة حركة الملاحة إلى أن عدد السفن العابرة للمضيق شهد انخفاضًا خلال فترات التوتر، مع استمرار اعتماد بعض الناقلات على مسارات أكثر حذرًا.
وبالتالي، فإن أي اتفاق سياسي لن يكون كافيًا وحده لإعادة الثقة الكاملة إلى السوق البحرية، ما لم ترافقه إجراءات عملية تضمن أمن السفن واستقرار حركة النقل.
بالنهاية ، يكشف ملف مضيق هرمز أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا تُدار فقط عبر العقوبات أو التهديدات العسكرية، بل أيضًا عبر السيطرة على الممرات الاستراتيجية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي.
فالتفاهم المحتمل بين واشنطن وطهران، بوساطة عُمانية، لا يمثل نهاية الصراع، بل محاولة مؤقتة لمنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة. فالولايات المتحدة تريد ضمان استمرار حركة الطاقة والتجارة، بينما تسعى إيران إلى الحفاظ على نفوذها البحري واستخدام موقعها الجغرافي كورقة تفاوض.
وبين خيار التصعيد وخيار الاحتواء، يبدو أن مضيق هرمز سيبقى في المرحلة المقبلة ساحة اختبار للتوازن بين القوة العسكرية والدبلوماسية، ومؤشرًا على طبيعة العلاقة المتغيرة بين واشنطن وطهران.


