الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

مضيق هرمز ساحة اختبار للتوازن الدولي الجديد

جريدة الحرة بيروت

خاص ـ في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في مضيق هرمز في أبريل من العام 2026، تحاول أوروبا صياغة استجابة عملية تستند إلى التنسيق البحري والشرعية القانونية والثقة التجارية، بينما يترك النهج الأحادي لدونالد ترامب السؤال المركزي دون حل حول كيفية الحفاظ على طريق الطاقة العالمي الحيوي مفتوحا بأمان.

وبحلول 20 أبريل 2026، كان مضيق هرمز لا يزال يبدو أقرب إلى ممر مائي في حالة جمود منه إلى ممر تجاري مستعاد. وفي غضون ليلة واحدة، كان السبب المباشر لتصاعد التوتر هو احتجاز الولايات المتحدة لسفينة شحن إيرانية، وهو حادث زاد من الشكوك حول وقف إطلاق النار وساهم في ارتفاع أسعار النفط مجددا.

مضيق هرمز ليس مجرد بؤرة توتر إقليمية

هذا الأمر بالغ الأهمية لأن مضيق هرمز ليس مجرد بؤرة توتر إقليمية أخرى، بل هو أهم ممر مائي لنقل النفط في العالم. ففي عام 2024، مر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي تقريبا من السوائل النفطية.

كما اعتمد أكثر من ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، على هذا الممر. ولا يمكن تأمين ممر مائي بهذا الحجم، وبهذه الحدود الجغرافية الضيقة، بالشعارات أو المناورات أو قرار أي زعيم بمفرده، حيث تسهل جغرافية مضيق هرمز عرقلة الملاحة.

استمرار حالة عدم اليقين بشأن الألغام وممرات الملاحة

ذكرت تقارير أن التهديد الناجم عن الألغام البحرية في أجزاء من المضيق “غير مفهوم تماما”، وفقا لبيان استشاري صادر عن البحرية الأمريكية، وأن البحارة حثوا على التفكير في تجنب نظام الفصل المروري المعتمد.

وأفاد تقرير بأن شركات الشحن ظلت حذرة حتى بعد إعلان إيران فتح المضيق، نظرا لاستمرار حالة عدم اليقين بشأن الألغام وممرات الملاحة وضمانات السلامة. بعبارة أخرى، لا تكمن المشكلة في وجود وقف إطلاق نار على الورق فحسب، بل في مدى اقتناع مالكي السفن وشركات التأمين وأطقمها بأن المرور آمن بالفعل.

ما هو الدور الأوروبي؟

هنا تحديدا يكمن دور أوروبا، وربما يكون دورها أكثر فائدة من دور واشنطن في الوقت الراهن. في 17 أبريل من العام 2026، استضافت فرنسا وبريطانيا 51 دولة في باريس لعقد قمة دولية حول مضيق هرمز. كان البيان المشترك جادا ومصاغا بشكل سليم، حيث وضعت حرية الملاحة والقانون الدولي والاستقرار الاقتصادي العالمي وأمن الطاقة في صميم النقاش.

ودعا البيان إلى إعادة فتح المضيق ” دون قيد أو شرط، ودون قيود، وفورا “، وشدد على أنه لا يجوز إخضاع المرور عبر المضائق الدولية لأي قيود أو رسوم. وأبدت أكثر من اثنتي عشرة دولة استعدادها للمساهمة في مهمة دفاعية مستقبلية حالما تسمح الظروف بذلك.

هذا يبين بالفعل ما يمكن لأوروبا فعله. فهي لا تستطيع تغيير الجغرافيا، ولا تستطيع بمفردها فرض النظام على الخليج. لكن بإمكانها تشكيل تحالف حول الأمور الجوهرية في البحر: المرافقة، والمراقبة، والتخطيط لمكافحة الألغام، والوضوح القانوني، وتنسيق الشحن، والثقة التأمينية.

وقد صرحت الحكومة البريطانية بأن مبادرة باريس تضمنت العمل على التعاون الأمني، وسلاسل الإمداد الحيوية، ودعم الصناعة. من جانبها، دعت المنظمة البحرية الدولية إلى دعم دولي لتأمين المرور الآمن، وإزالة المخاطر، وحماية البحارة. ووفقا للمنظمة البحرية الدولية، لا يزال نحو 20 ألف بحار ونحو ألفي سفينة متضررين في المنطقة .

يعتبر ذلك البرنامج العملي. وهو أيضا بمثابة رفض لأسلوب دونالد ترامب السياسي المفضل. فقد أخبر ترامب حلفاءه أنه لا يحتاج إلى مساعدتهم، حتى في الوقت الذي كانت فيه العواصم الأوروبية تسعى جاهدة لرسم مهمة أوسع.

هذا هو أسلوب ترامب المعهود: إظهار القوة يتقدم على بنية الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن مضيق هرمز ليس مكانا يحقق فيه التباهي وحده الكثير. فالمضيق لا يعاد فتحه بمجرد أن ينشر رئيس أمريكي تحذيرا. بل يعاد فتحه عندما يقل الخطر البحري، وتستطيع شركات التأمين تسعير المرور، وتزال الألغام أو ترسم خرائطها، وتفهم مسارات الشحن، ويستعيد المشغلون التجاريون ثقتهم في هذا الطريق.

الدبلوماسية الأوروبية لحل أزمة مضيق هرمز

لا تكمن ميزة أوروبا في تفوقها بالقوة العسكرية، فهي لا تملكها قطعا. بل تكمن في أنها تتعامل مع المشكلة بالأسلوب الصحيح. الموقف القانوني واضح ومباشر. فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ، لا يجوز عرقلة أو تعليق المرور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.

وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية مجددا خلال أبريل من العام 2026 أن مبدأ حرية الملاحة “غير قابل للتفاوض”، وأنه لا يوجد أساس قانوني لفرض رسوم أو قيود تعسفية في هذه المياه. بإمكان أوروبا بناء مهمة وقضية دبلوماسية حول هذا المبدأ بطريقة أوسع وأكثر ثباتا وأكثر قبولا دوليا من الإكراه الثنائي الذي يمارسه ترامب.

هناك حدود، ويجب الاعتراف بها بوضوح. لا تستطيع أوروبا إعادة فتح مضيق هرمز بمفردها إذا استمرت الولايات المتحدة وإيران في التصعيد المباشر. كما لا يمكنها ضمان الوحدة داخل معسكرها. لكن بإمكانها القيام بشيء ضروري ومتأخر: استبدال الانفرادية الاستعراضية بإدارة ائتلافية.

وقدمت أحدث البيانات للشحن البحري مؤشرا بسيطا على هذه الحاجة. فقد عبرت أكثر من 20 سفينة مضيق هرمز ، وهو أعلى رقم يومي منذ الأول من مارس 2026، لكن هذا لا يزال اختبارا مبدئيا وليس عودة إلى الوضع الطبيعي.

إن حركة الملاحة تستأنف، إن استؤنفت أصلا، بشكل متقطع وتحت ضغط. إذن، السؤال المطروح على أوروبا ليس ما إذا كان بإمكانها السيطرة على مضيق هرمز، فهي عاجزة عن ذلك. السؤال هو ما إذا كان بإمكانها المساعدة في إعادة فتح المضيق وجعله صالحا للاستخدام مجددا. وهذا يتطلب قدرات لإزالة الألغام، ووجودا بحريا دفاعيا، واتساقا قانونيا، وثباتا سياسيا، وتعاونا وثيقا مع قطاع النقل البحري.

تشير المعطيات في مضيق هرمز إلى أن المستقبل القريب سيظل محكوما بمعادلة عدم اليقين المنضبط، حيث لا تنزلق الأطراف إلى مواجهة شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تنجح في تثبيت استقرار دائم. هذا النمط الهجين من التوتر سيجعل المضيق عرضة لهزات متكررة، تتجلى في حوادث متقطعة، وارتفاعات مفاجئة في أسعار الطاقة، وتذبذب في ثقة الأسواق وشركات التأمين.

من المرجح أن يستمر اعتماد حركة الملاحة على ما يمكن تسميته “الأمن المشروط”، أي المرور تحت مظلة إجراءات احترازية مكثفة تشمل المرافقة البحرية، وتحديث خرائط المخاطر، ورفع تكاليف التأمين.

ولن تعود حركة التجارة إلى طبيعتها الكاملة إلا تدريجيا، وبدرجة مرتبطة بمدى وضوح قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران. وفي هذا السياق، ستلعب المعلومات الاستخباراتية البحرية، وقدرات كشف الألغام، دورا حاسما في تقليل المخاطر التشغيلية.

من المتوقع أن تتبلور ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في ترسيخ نمط إدارة ائتلافية تقوده أطراف أوروبية بالتعاون مع شركاء دوليين، يركز على تأمين الملاحة دون الانخراط المباشر في التصعيد.

يتمثل المسار الثاني في استمرار النهج الأحادي الأمريكي، بما يحمله من ردود فعل مضادة تزيد من هشاشة الاستقرار. أما المسار الثالث، وهو الأكثر تعقيدا، فيكمن في نشوء توازن ردع غير معلن في المضيق، حيث تلتزم الأطراف بضبط السلوك دون اتفاق رسمي، تجنبا لكلفة المواجهة.

قد يدفع تكرار الأزمات في مضيق هرمز إلى تسريع تحولات أوسع في خريطة الطاقة العالمية. فمن المرجح أن تعزز الدول المستهلكة استثماراتها في مسارات بديلة للنقل، مثل خطوط الأنابيب البرية، وممرات الشحن خارج الخليج، إلى جانب تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة. كما ستسعى شركات الشحن إلى إعادة توزيع المخاطر عبر تنويع المسارات، حتى وإن كان ذلك بتكلفة أعلى.

ستزداد أهمية العامل القانوني والمؤسسي. فإعادة تثبيت مبدأ حرية الملاحة لن يكون مجرد مسألة سياسية، بل سيتطلب أطرا تنفيذية واضحة، وآليات رقابة، وتوافقا دوليا أوسع. وقد نشهد محاولات لإعادة تفعيل دور المنظمات الدولية في إدارة الأزمات البحرية، بما يمنح الشرعية لأي ترتيبات أمنية مستقبلية.

تبقى حدود الدور الأوروبي قائمة. فنجاح أي مقاربة جماعية سيظل رهنا بمدى استعداد القوى الكبرى لتجنب التصعيد، وبقدرة التحالفات على الحفاظ على تماسكها الداخلي. كما أن أي حادث كبير غير محسوب قد يعيد خلط الأوراق بسرعة، ويدفع نحو سيناريوهات أكثر خطورة.

لا يتجه مضيق هرمز نحو استقرار كامل ولا نحو انهيار شامل، بل نحو حالة وسطية طويلة الأمد، عنوانها إدارة الأزمات بدلا من حلها. وسيكون التحدي الأساسي هو تحويل هذه الإدارة من رد فعل مؤقت إلى نظام مستدام يوازن بين الأمن البحري، واستقرار الأسواق، ومتطلبات السيادة الدولية.

https://hura7.com/?p=78177

 

الأكثر قراءة