جريدة الحرة
بقلم ، رشا عمار
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقرب من خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من قطر. وتجمع تقارير صادرة عن مؤسسات دولية ومراكز أبحاث غربية على أن أي إغلاق كامل أو جزئي لهذا الممر البحري – سواء بفعل تصعيد عسكري أو توتر إقليمي واسع – سيُحدث صدمة فورية في أسواق الطاقة والمال، وقد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة تضخم جديدة وربما ركود واسع النطاق.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
يقع المضيق بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن ما بين 17 إلى 20 مليون برميل نفط يوميًا تعبر المضيق، أي نحو 20% من الإمدادات العالمية. كما تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من قطر التي تُعد من أكبر مصدري الغاز في العالم.
وتعتمد اقتصادات كبرى في آسيا – مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية – بشكل كبير على نفط الخليج الذي يمر عبر المضيق. وبالتالي، فإن أي تعطيل لحركة الملاحة سيؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد الصناعية، وعلى تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا.
صدمة أسعار النفط والغاز
تجمع تقارير مؤسسات مالية مثل بنوك الاستثمار الأمريكية والبريطانية على أن إغلاق المضيق، حتى لو استمر لأسابيع قليلة، قد يدفع أسعار النفط إلى القفز بنسب حادة، قد تتجاوز 30% إلى 50% في الأيام الأولى. وفي حال طال أمد الإغلاق، قد يتجاوز سعر البرميل مستويات قياسية جديدة.
ارتفاع أسعار النفط سينعكس فورًا على أسعار الوقود، والشحن البحري، والنقل الجوي، والصناعات البتروكيماوية. كما أن سوق الغاز الطبيعي المسال سيكون أكثر هشاشة، نظرًا لاعتماد أوروبا وآسيا المتزايد على الغاز الخليجي بعد تقليص الإمدادات الروسية في أعقاب حرب أوكرانيا.
ووفقًا لتحليلات مراكز أبحاث الطاقة، فإن الأسواق المالية عادة ما تتفاعل بعنف مع أي تهديد لمضيق هرمز، حتى قبل وقوع الإغلاق فعليًا، إذ ترتفع أسعار العقود الآجلة فورًا بفعل المخاوف والمضاربات.
موجة تضخم عالمية جديدة
تشير تقارير اقتصادية صادرة عن مؤسسات دولية إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يُعد أحد أسرع المحركات للتضخم العالمي. فكل زيادة كبيرة في أسعار النفط تنعكس في تكلفة الغذاء، والنقل، والصناعة، والخدمات.
وفي ظل ما يعانيه الاقتصاد العالمي بالفعل من تباطؤ نسبي، فإن صدمة طاقة جديدة قد تدفع البنوك المركزية إلى موقف معقد: إما رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، وهو ما يهدد النمو، أو القبول بارتفاع الأسعار مع ما يحمله ذلك من ضغوط اجتماعية.
الاقتصادات الناشئة ستكون الأكثر تضررًا، لأنها تستورد الطاقة بالعملة الصعبة، ما يزيد الضغط على احتياطاتها النقدية ويُضعف عملاتها المحلية.
اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة العالمية
إغلاق المضيق لن يؤثر فقط على النفط، بل على حركة الشحن التجاري في الخليج عمومًا. فالموانئ الرئيسية في السعودية والإمارات والكويت وقطر تعتمد على المرور عبر المضيق لتصدير منتجاتها واستيراد السلع.
تقارير مراكز الدراسات البحرية تشير إلى أن شركات الشحن قد تضطر إلى تغيير مساراتها، أو تعليق رحلاتها مؤقتًا، ما يرفع تكاليف التأمين البحري بشكل كبير. وخلال فترات التوتر السابقة، شهدت أقساط التأمين على السفن العابرة للخليج ارتفاعات حادة.
هذه الاضطرابات قد تعيد إلى الأذهان أزمة سلاسل الإمداد التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا، حين أدت الاختناقات اللوجستية إلى نقص في السلع وارتفاع أسعارها عالميًا.
تأثيرات على الأسواق المالية
عادة ما تدفع الأزمات الجيوسياسية المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار الأمريكي. وتشير تحليلات صادرة عن مؤسسات استثمارية إلى أن إغلاق مضيق هرمز سيؤدي على الأرجح إلى تراجع حاد في أسواق الأسهم، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الطيران والصناعات الثقيلة.
في المقابل، قد ترتفع أسهم شركات الطاقة والنفط الكبرى، مستفيدة من ارتفاع الأسعار. كما قد تشهد عملات الدول المصدرة للطاقة تحسنًا مؤقتًا، إذا استمرت قدرتها على التصدير عبر مسارات بديلة.
البدائل المحدودة وخيارات الالتفاف
بعض دول الخليج تمتلك خطوط أنابيب بديلة تقلل اعتمادها الكامل على المضيق. فالسعودية لديها خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، والإمارات تمتلك خطًا يصل إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق. غير أن هذه البدائل لا تستوعب كامل الكميات المصدرة عبر هرمز.
وتشير تقارير الطاقة إلى أن الطاقة الاستيعابية لهذه الخطوط مجتمعة لا تعوض بالكامل فقدان الملاحة في المضيق، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الإمدادات سيظل معرضًا للخطر في حال الإغلاق الكامل.
سيناريو الركود العالمي
يرى بعض الاقتصاديين في تقارير تحليلية أن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة – شهرين أو أكثر – قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع تصعيد عسكري أوسع في المنطقة.
الولايات المتحدة قد تكون أقل تأثرًا نسبيًا بفضل زيادة إنتاجها المحلي من النفط الصخري، لكن الأسواق مترابطة عالميًا، وأي اضطراب كبير في آسيا أو أوروبا سينعكس بدوره على الاقتصاد الأمريكي.
اقتصاد عالمي رهينة ممر ضيق
تجمع التقديرات الغربية على أن مضيق هرمز يظل نقطة اختناق استراتيجية للاقتصاد العالمي. فالعالم، رغم تنوع مصادر الطاقة وتزايد الاستثمار في الطاقة المتجددة، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على نفط وغاز الخليج.
وإذا حدث إغلاق فعلي للمضيق، حتى لفترة قصيرة، فإن التأثير لن يقتصر على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى التضخم، والنمو، والتجارة، والاستقرار المالي عالميًا. وفي ظل هشاشة المشهد الاقتصادي الدولي، قد تتحول أزمة ممر مائي ضيق إلى اختبار واسع لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.


