الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

مضيق هرمز: بـاب السلام أم بوابة الجحيم؟

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم الكاتب: نسيب شمس

مضيق هرمز مدخل ومخرج الخليج العربي قد يكون من أسباب الحرب القادمة في الشرق الأوسط إذا قدر لهذه الحرب أن تقوم أن المضيق هو منفذ النفط إلى العالم الخارجي من ناحية، وحبل الحياة للعالم الصناعي من ناحية أخرى.

قضية مضيق هرمز من دون سواها في منظور الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيكي) تأخذ أهميتها بحكم موقع المضيق المهم الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، وهو بذلك يدخل في نطاق المضايق التي تصل بين بحرين عامين هما بحر عمان والمحيط الهندي والخليج العربي الذي تقع عليه جميع دول الخليج من ناحية المغرب والعراق من الشمال وإيران من الناحية الشرقية، وهو بذلك يدخل في نطاق المضايق من الناحية القانونية الدولية.

وها هو يشهد هذه الأيام تطورات سريعة، تنذر بتدخل “الولايات المتحدة” وها هي كافة وسائل الإعلام تنقل أخبار هذا الممر الحيوي، وتقوم باستعراض السيناريوهات لما سيحصل فجر الرابع من أيار/مايو 2019، أي بعض ساعات من فرض وقف تدفق النفط الإيراني إلى دول تستفيد منه. ولكن السؤال لذي يطرح نفسه، على المتابع أو المُراقب: ما هي الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق “مضيق هرمز”؟ وما هي الخيارات المتاحة أمام الدول وتحديدًا إيران ودول مجلس التعاون الخليجي في تلك اللحظة المفصلية؟

الواقع الجغرافي

سمي المضيق، بمضيق هرمز، أو تنكة هرمز، بالفارسية وstrait of Hormuz بالإنكليزية، لتوسطه إمارة هرمز القديمة، وفي رواية أخرى، هو مشتق من «هورمغ» وهي كلمة فارسية محلية تعني النخلة، ومازالت مستخدمة حتى اليوم.

سنحاول التعرف على البيئة الجغرافية لهذا المضيق الاستراتيجي، والذي يتكون من جزر وقرى عديدة أهمها:

“خصب” عاصمة “راس مسندم” البلدة المتقدمة في الخليج وهي شبه جزيرة، وجزيرة “سلامة” التي يقوم عليها الفنار ومنها تنظم الملاحة في المضيق. وجزيرة “الغنم” وهي قاعدة حربية جهزت لتحمي بوابة الخليج، أي المضيق. وسنحاول استعراض أهمية وخصائص كل جزيرة على حدة:

جزيرة “مسندم”

وهي من البقاع الأولى التي تشرق منها الشمس في الوطن العربي رأس الحد، وهي مفصولة عن بقية الأراضي العمانية حيث تحدها الأراضي الإماراتية من اليابسة. تبلغ مساحة محافظة مسندم حوالي 1900 كيلومتر مربع وتتمتع بطبيعتها الخلابة ومناظرها الرائعة وتعتبر مكانًا لتجمع السياح بشكل كبير جدا. تحتوي هذه الجزيرة على مطار يدعى مطار “خصب” وهو أقرب مطار للمضيق، وقد عاشت شبه الجزيرة عزلة طويلة وكانت بعيدة عن تطورات العصر، في العام 1984 كان لا مجال للوصول إليها إلا عن طريق الجو أو البحر، كانت آنذاك مركز الحراسة الأمامي لمضيق هرمز. وكان في العام 1980 يشرف على مطار “خصب” ضابط بريطاني متقاعد، كما كان هناك لجنة بصلاحيات كاملة لاهتمام بشؤون هذه البقعة، أنشئـ هذه اللجنة عام 1980، وسميت “لجنة تطوير مسندم”.

جزيرة “سلامة”

هذه جزيرة “سلامة” اطلق عليها هذا الاسم بمعنى “الرجا”، وتحيط بها جزر أخرى اطلق عليها اسم “بنات سلامة”، ولكنها سميت في الأطالس الأوروبية والدولية “كوين أيلاند” أي “ملكة الجزر”، وهذه الجزيرة عبارة عن كتلة صخرية وسط المياه تشبه مستطيل قطع بميل عرضي ليصبح منشورًا صخريًا وسط المضيق، وفيها يقوم الفنار (المنارة) في اعلى نقطة فيها، وعلى جانبه مبنيين كان يقطن فيهما العمال الهنود الذين يديرون الفنار منذ الثمانينات ، ويشرفون على تنظيم الملاحة في المضيق، عام 1984 كان العمال الهنود يعملون لدى شركة دولية بريطانية تدعى “مناس”، التي كانت آنذاك تقوم بهذا العمل بناء على اتفاق مع عمان وتأخذ رسومًا من الشركات العالمية للملاحة والجدير بالذكر انه كان يعمل فيها عدد من الإيرانيين.

جزيرة “الغنم”

جزيرة “الغنم” أو “الغنائم” أو “أم الغنم”، وكان في العام 1984 يجري العمل على تجهيز القاعدة العسكرية على قدم وساق، لتكون القاعدة الرئيسية لحماية المضيق، ويوجد على يسار الجزيرة مطار كان يحتوي آنذاك، على طائرة تعمل على نقل المهندسين والعاملين على إقامة القاعدة، إلى جانب باخرة لها مرسى على رصيف الجزيرة تعمل على مدهم بالمواد التموينية والمعدات المطلوبة، وكان من المقرر أن تضم القاعدة اعقد وأحدث الرادارات وأحدث أجهزة الإنذار والاتصال. وكانت جزيرة “الغنم” على الدوام تحظى بقيمة وأهمية استراتيجية خاصة، فقد كانت كحصن لحماية المضيق، وسبق أن استخدمها الجيش

البريطاني خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. كما سبق أن حصل الشاه محمد رضا بهلوي – حاكم إيران المخلوع – على حق التمركز لقواته في الجزيرة.

وكما أن هذه البقعة الاستراتيجية شهدت على مر العصور الكثير من القوى التي أغرتها أهمية الخليج كما شهدت بزوغ وأفول العديد من الإمبراطوريات.

تاريخياً، استولى عليه البرتغاليون عام 1507 بعد اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح عام 1498، ووصولهم إلى الشواطئ الهندية. وكانت البضائع تنقل من الشواطئ الهندية في مراكب التجار العرب، لتصل إلى البصرة عن طريق هرمز، ومن هناك إلى بلاد الشام، وقد حل الهولنديون محلهم لفترة قصيرة، ثم الإنكليز. ولا يتجاوز عرض المضيق عند أضيق نقطة له 34 ميلاً، كما يتكون من قنوات للملاحة بعرض ميلين لحركة الناقلات في الاتجاهين، إلى جانب منطقة عازلة بعرض ميلين.

الأهمية والواقع الاستراتيجي للمضيق

يعد مضيق هرمز، رغم ضيق عرضه، أكثر الممرات انشغالاً من حيث حركة السفن، إذ تعبره ما بين 20 ـ 30 ناقلة نفط يومياً، بمعدل ناقلة كل 6 دقائق، في ساعات الذروة.

لذلك يعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات المائية في العالم وأكثر حركة للسفن، إذ يعبره أكثر من 40% من نفط العالم بمعدل 20-30 ناقلة نفط يوميًا، وبمعدل ناقلة كل 6 دقائق في ساعات الذروة ويقع المضيق بين إيران في الشمال والشمال الغربي وعمان في الجنوب.

كما يتوقع أن يواصل الطلب على النفط ارتفاعه، مع زيادة استخدام دول نامية، كالصين، للنفط، كما تعتبر حرية المرور في هذا الممر المائي الهام، مسألة حيوية نظرًا لوجود 66 في المئة من احتياطات النفط العالمية، في منطقة الخليج، ولا توجد في الوقت الراهن، خيارات بديلة لتصدير النفط، خلاف مضيق هرمز، وليس هناك سوى خطين للأنابيب لتصدير النفط السعودي.

ومن خلال هذا الممر تتلقى الولايات المتحدة 12 في المئة من نفطها، فيما تحصل أوروبا الغربية واليابان، على ما بين 25 إلى 66 في المائة من نفطها على التوالي، عن طريق المضيق هذا إلى جانب أن 15 في المئة من التجارة العالمية، تمر عبر هرمز. وكانت وكالة الطاقة الدولية، قدرت في السنوات العشر الماضية، بأنه يمر 4 .13 مليون برميل من النفط يوميًا عبر المضيق المائي، متوقعة مضاعفة الصادرات النفطية لتصل إلى ما يتراوح بين 30 ـ 34 مليون برميل يوميًا بحلول 2020.

إضافة إلى تصدير مليوني برميل إضافية من المشتقات النفطية مثل زيت الوقود، فضلاً عن الغاز الطبيعي المسال، حيث تمر صادرات قطر، كبرى البلدان المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم عبر المضيق، في طريقها إلى آسيا وأوروبا، حيث تبلغ تلك الشحنات حوالي 31 مليون طن سنوياً.

ولهذا السبب، فإن مضيق هرمز يحتل مكانة استراتيجية هامة، حيث انه يعتبر الطريق البحري الوحيد، الذي يصدر منه النفط من الكويت والعراق والسعودية والبحرين، وقطر، بالإضافة إلى الجزء الأعظم من صادرات الإمارات، وينقل جزء كبير من هذا النفط إلى اليابان، وأوروبا الغربية، والولايات المتحدة. ويعتبر النفط المصدر العالمي للطاقة، وسيواصل استمراره في ذلك في المستقبل المنظور.

وبما أن اتساع المضيق نحو 23 ميلاً، فإنه يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية، ولكونه يربط بين جزئين من البحار العالمية، فإنه يخضع لمرور الملاحة الدولية من دون الحاجة إلى إجازة مسبقة من الدولتين الساحليتين، فيما يعتبر الخط الوسط هو الحد الفاصل بين المياه الإقليمية للدولتين في حالة وجود أو عدم وجود معاهدة بينهما. وإذا كانت المياه الإقليمية متداخلة بسبب ضيق المضيق بالنسبة إلى مياهها الإقليمية فإن خط الحدود بينهما إما يثبت في وسط المضيق أو مركز البحري الوسطى، ما لم ينظم خلاف ذلك بمقتضى اتفاقات خاصة.

ومن الناحية العسكرية تسيطر القاعدة البحرية الإيرانية (بندر عباس) على حركة السفن في المضيق من الشمال، والجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى)، (طنب الكبرى) و(طنب الصغرى) من الجنوب الغربي. وقد سارع شاه إيران إلى احتلال هذه الجزر الثلاث بالقوة فور انسحاب القوات البريطانية عام 1971. ولازالت هذه القضية موضع تنازع دولي بين إيران والإمارات، حيث ترفض الأولى إعادتها للإمارات بزعم أنها إيرانية الأصل. وقد دعمت إيران فيها وسائل دفاعها الساحلي والجوي.

قد يكون أفضل تصور عن أهمية المضيق هو “تعبير ياباني يقول بأنه لو صورنا الكرة الأرضية من الجو بواسطة الأقمار الصناعية فستشاهد ناقلات النفط بين كل ناقلة وأخرى حوالي مائة كيلومتر طوال 24 ساعة وخلال 365 يومًا من العام وهذا هو حجم اعتماد اليابان على عنق الزجاجة في المضيق”.

ويأتي مضيق «هرمز» في المرتبة الأولى من حيث الأهمية الاستراتيجية بين الممرات المائية العالمية وهي خلاف مضيق هرمز، مضيق ملقة ويقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، والمحيط الهادي وقناة السويس، وتقع في مصر وتربط البحر الأحمر وخليج السويس بالبحر الأبيض المتوسط، وتغطي مساحة 120 ميلا.

وتمر بها نحو ثلاثة الأف ناقلة نفط سنويًا ومضيق باب المندب، وهو نقطة العبور الرئيسية بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط وصلة الوصل الاستراتيجية بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، ويقع بين اليمن وأريتريا ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ومضيق البوسفور، ويربط البحر الأسود، ببحر مرمرة، ويبلغ طوله 17 ميلاً، وقناة بنما وهي الممر البحري الهام الذي يربط المحيط الهادي والبحر الكاريبي والأطلنطي، ويبلغ طولها 50 ميلاً وعرضها 110 أقدام فقط في أضيق نقطة لها، وتمر بالقناة 14 ألف سفينة سنوياً.

وتحتضن مياه الخليج ومياه مضيق هرمز تشكيلة واسعة من الأحياء المائية بما فيها سلاحف البحر الخضراء وحيوانات الأطوم الثدية الشبيهة بالسمك، وخنزير البحر اللازعنفي والمحار اللؤلؤي ذهبي الشفة، وخليطًا من الطيور منها بجع دالماتيان والغاف القزم، والوز أبيض الساقين.

وفي اللحظة الحالية، يرتفع منسوب الصراع على هذه النقطة الجغرافية في قارة آسيا، مما يترتب عليها آثار خطيرة، تتردد أصداؤها في أنحاء العالم. ومضيق هرمز يقدم المثال النموذجي لاحتدام الصراع، علة وقع الاشتباك الخطير الذي يشهده العالم المعاصر.

بناء على ما تقدم، تبين أن للمضيق والخليج أهمية وحساسية استراتيجية، ويطل على الخليج ثمانية دول هي: الجزيرة العربية، الكويت، العراق، دولة الإمارات العربية، قطر، البحرين، إيران، سلطنة عمان، و”مضيق هرمز” هو المنفذ الوحيد للدول المطلة عليه باستثناء المملكة العربية السعودية، التي تملك موانئ على البحر الأحمر، وسلطنة عُمان ولديها موانيها الرئيسية حول الخليج، وبحر الخليج الذي لا يضاهيه في الأهمية أي بحر داخلي فطوله يبلغ 600 ميل وعرضه 230 ميل بينما اقصى عمق له هو 300 قدم. أما المضيق فعرضه 30 ميلاً بحريًا عند أضيق نقطة فيه، أما عمق المياه فيصل إلى 250 قدم.

الواقع الأمني للمضيق

تعرض المضيق والخليج للعديد من العواصف ماضياً، والتي تساهم في تصعيد التوتر حول المضيق وتمس قضية أمنه. كما لعبت الصحافة الغربية دورًا كبيرًا في إبراز الأزمات والصراعات حول هذا المضيق” منذ انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979. ففي إحدى السيناريوهات التي طرحت آنذاك مثلا، القول “بأن اليأس الفلسطيني سيدفع منظمات المقاومة إلى إغراق ناقلة ليبيرية، ويضيف كاتب السيناريو وألن يتأثر المضيق عدا عن خروج “شركة لويدز للتأمين” لتعلن زيادة رسومها بحجة اعتبار منطقة الخليج منطقة الحرب”، فيما خرج متحدث رسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، بعد قيام الثورة الإيرانية، بتحذير رسمي لدول الخليج وشركات النفط والملاحة أن لديها معلومات من الاستخبارات الأميركية بان محاولة سوف

تقع لإغراق أو خطف ناقلة خلال مرورها، وأكد أن المعلومات حددت يوم الاثنين 23 حزيران 1979 لهذه العملية. وطلبت اخذ الاحتياطات” لكن مضى اليوم ولم يحدث شيئاً مما ذكر.

وعشية بدء الحرب الإيرانية – العراقية، عرف الخليج تهديدات كثيرة، عند تأزم الوضع، لكن لم يقع أي أمر مقلق لذلك، وكانت جميع تلك التهديدات آنذاك لا تعدو كونها سوى حملة منظمة، لتمهيد ما لدور عسكري أميركي في الخليج بعد انهيار نظام الشاه، الذي لعب دوماً دور شرطي الخليج، وبشكل أدق “الشرطي المخيف” لتلك الدول الخليجية العربية. وإبان الحرب الإيرانية العراقية التي دامت ثماني سنوات 1980-1989، أطلق المسؤولين الإيرانيون التهديدات بإغلاق المضيق في وجه الملاحة الدولية. ودارت آنذاك ما يعرف بحرب الناقلات، وكانت ناقلات النفط الكويتي تتحرك تحت حماية أميركية. وكانت للتهديدات الإيرانية ردود فعل عنيفة عبرت عن القلق والاهتمام الشديدين بهذا المرفأ البحري الدولي الذي لا غنى عنه للملاحة في الخليج الذي يعتبر شريانًا لإمدادات النفط للعالم الصناعي، خصوصًا بعد أن هدد هاشمي رفسنجاني – رئيس الجمهورية الإيرانية آنذاك- رسميًا بإغلاق المضيق أو ضربه إذا حتمت الظروف، مشيرًا إلى أن إيران ليست في حاجة إليه.

ومن خلال نظرة سريعة إلى الخريطة، تظهر لنا الترابط بين أمن المضيق وأمن الدول المطلة عليه، ويتبين لنا أن مضيق هرمز يعتبر من أهم المناطق الرئيسية في العالم وذلك من خلال الدوائر الثلاثة؛ الدائرة الأولى، وتضم: سلطنة عُمان، إيران، ودولة الإمارات العربية. والدائرة الثانية تضم: العراق، الجزيرة العربية، والكويت، وقطر، والبحرين، وباكستان وأفغانستان. أما الدائرة الثالثة، وتضم: بعض الدول العربية وتركيا والكيان الإسرائيلي ودول آسيا الوسطى والصين والهند.

خريطة مضيق هرمز

ومن خلال هذه الدوائر نتبين المخاطر الاستراتيجية لموقع المضيق وقد قامت سلطات سلطنة عمان ماضياً بدراسة شاملة ومسح كامل لمواجهة المخاطر التي تعترض امن الحركة البحرية في المضيق وقالت الدراسة في الاحتمال الأول، أن الخطر المحيط بالمضيق هو من الألغام، وهذا ما حصل في ظل التأزم عام 1984. وكان الاحتمال الثاني في الدراسة بأن تحتل قوة معادية المضيق. قدمت الدراسة آنذاك مقترحات منها الحصول على كاسحات الغام. كما اقترحت تجهيزًا وتدريبًا لعناصر الدوريات البحرية. وحثت الدراسة الدول المستفيدة من المضيق على المساهمة في حمايته ودعت إلى إعادة بناء الأسطول الذي كان أحد القوى البحرية الرئيسية في المحيط الهندي في يوم لم يكن بعيد كما تشمل الخطة المقترحة استكمال الرادار القائم في قرية “كساح” الساحلية في جزيرة الغنائم آنذاك. وكانت الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وبريطانيا أعلنت استعدادها للمساهمة في المشروع آنذاك.

خريطة مضيق هرمز

ومع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وأنه في حال لم تخضع أي دولة لهذا القرار فسيقطع دونالد ترامب العلاقات الأميركية مع هذه الدول. جاء تهديد الرئيس الإيراني حسن روحاني بدوره بأنه في حال تنفيذ هذا التهديد الأميركي، فأن إيران ستقوم بإغلاق مضيق هرمز لما يحمل من أهمية كبيرة في نقل النفط بين دول الخليج العربي.

لكن في حال نفذ التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز في حالة تعرضها لمزيد من العقوبات أو لمنعها من تصدير نفطها أو لعملية عسكرية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أو كلاهما فمن شأن ذلك أن يخلق كارثة اقتصادية عالمية. لذلك فإن النظرة الإيرانية القائمة على الإدراك بأن عرض قدرتها على إلحاق أذًى بالمصالح الاقتصادية الأميركية والغربية في مياه الخليج كفيل بردع واشنطن وغيرها عن التفكير بالخيار العسكري. ولقد كانت هذه الرسالة واضحة عندما أجرى الإيرانيون اختباراتهم على الصواريخ البحرية في منطقة مضيق هرمز وليست أية منطقة أخرى، مؤكدين أن إيران تريد أن تقول للغرب أن ضربتهم للمنشآت النووية الإيرانية أو فرض عقوبات أو عزل سيقابله تحرك عسكري من قبلها ضد السفن المتجهة عبر مضيق هرمز، وأن إيران لديها القدرة التكنولوجية العسكرية على إلحاق أذى كبير بسفنهم وسفن حلفائهم في هذه المنطقة، ناهيك عن إيقاف 20 – 30 ناقلة نفط يوميًا، وبما سيؤدي إلى رفع أسعار برميل النفط لأكثر من 100 دولار، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار وسائل النقل والمنتجات الاستهلاكية المصنفة أضعاف ما هي عليه حالياً، وتتسبب في كارثة اقتصادية واجتماعية ستعاني منها الدول الكبرى والصغرى على السواء، أشبه بأزمة الكساد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي والتي كانت من أسباب نشوب الحرب العالمية الثانية. هذا الواقع أوجب إيجاد بدائل أميركية وعربية في حال حصول أي أمر يتعلق بمضيق هرمز.

البدائل الأميركية والعربية لإغلاق المضيق

في خطوة منها لتفادي حدوث أي نقص لديها في النفط عملت الولايات المتحدة على زيادة مخزونها النفطي بشكل هائل، وبما يكفي لأكثر من 20 شهرًا إضافيًا. وهذا ما يفسر الاضطراب في أسعار النفط. وتسعى واشنطن اليوم إلى تشجيع أطراف دولية أخرى مثل دول بحر قزوين وشمال أوروبا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى روسيا لزيادة استثماراتهم في عمليات التنقيب عن النفط واستخراجه وذلك لتقليل الاعتماد على نفط الخليج. والمعروف أن الكونغرس الأميركي كان قد أصدر قانونا منع فيه الإدارة من استيراد أكثر من 15% من احتياجات أمريكا النفطية من مصدر واحد.

كما تبنت دول الخليج العربية المصدرة للنفط خطة طوارئ لتطبيقها في حالة إغلاق الملاحة في مدخلي الخليج والبحر الأحمر. وهذه البدائل لم تكن وليدة البارحة بسبب تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة نتيجة صراع محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما وضعت على مدار أكثر من عقدين، واعتمد وزراء النقل في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي مشروع خطة الطوارئ عبر منافذ دول المجلس في حالة إغلاق منفذي مضيق هرمز وباب المندب، ينقل النفط عبر خطوطًا أنابيب إلى الدول المجاورة وبما يتجاوز مضيق هرمز بالالتفاف حوله.

ويؤكد الخبراء أنه لكي تحافظ الأسواق على استقرارها في حالة نشوب صراع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، ينبغي تزويد الأسواق العالية بـ 18 مليون برميل من النفط يوميًا. مشيرين إلى أن السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، يمكنها أن تستخدم طريقًا بديلاً للتصدير يتمثل في أبنوب نفط لا يستخدم كثيرًا في الوقت الحالي تبلغ طاقته 5.5 مليون برميل يوميًا ويمتد عبر المملكة إلى جدة، وهناك أيضًا خط أنابيب للتصدير بطاقة 1.6 مليون برميل يمتد من العراق عبر السعودية، إلا أنه لم يستخدم منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وللعراق كذلك خط أنابيب لتصدير النفط بطاقة 1.2 مليون برميل يوميًا يمتد من الشمال الغربي عبر تركيا إلى ساحل البحر المتوسط. ومن البدائل الأخرى لجوء السعودية والإمارات إلى إنشاء خط أنابيب عبر شبه جزيرة (مسندم) العمانية يقطع عمان إلى بحر العرب. إلا أن آخرون يؤكدون أن جميع هذه البدائل، بما فيها البديل الأخير الذي من غير المرجح تنفيذه كما يقول الخبراء، لا تفي باحتياجات الأسواق العالمية البالغة 18 مليون برميل يوميًا يتم تصديرها من المنطقة عبر مضيق هرمز.

مما لا شك فيه أنه إذا ما أغلق مضيق هرمز بسبب عمليات عسكرية متوقعة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ذلك سيجعل دول العالم جميعًا – المنتجة للنفط والمستهلكة له على السواء- مخنوقة اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث سيكون من الصعب على الدول المنتجة للنفط أن تستخدم البدائل المشار إليها آنفًا في تعويض ما ينقل عبر مضيق هرمز من نفط يصل إلى 18 مليون برميل يوميًا، وبالسرعة المطلوبة في حالة إغلاق المضيق، خصوصًا الدول التي لا تملك مخزونًا استراتيجيًا من النفط وتعتمد عليه في تسيير عجلة الصناعة بها، مثل الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها، بعكس الولايات المتحدة وأوروبا التي لديها احتياطي استراتيجي من النفط يكفيها 120 يوميا.

التداعيات على إيران

وإذا ما تم إغلاق مضيق هرمز فإن الآثار السلبية لذلك ستلحق بإيران وبالدول العربية المنتجة للنفط. ولن ندخل بتفاصيل معاناة الدول العربية، فذلك واضح جداً، ولكن أيضا فأن إيران ستعاني، فهي أساسًا تعاني مشاكل نفطية تتمثل في قرب نضوب حقولها النفطية التي تنتج حاليا حوالي 4 مليون برميل بأقل 370 ألف برميل عن حصتها المخصصة لها من الأوبك. هذا إلى جانب سوء حالة المنشآت النفطية التي لا تجد استثمارات كافية لصيانتها وتحديثها بسبب العقوبات الدولية المفروضة على إيران، وهو ما يجعلها تعتمد أكثر على تصدير الغاز الذي تضخ منه 80 مليار متر مكعب سنويًا في السوق العالمية، وهو ما يمثل نحو 3% من إجمالي الصادرات العالمية من الغاز. وهو ما انعكس في اعتماد إيران على استيراد 40% من احتياجاتها من البنزين من الخارج لعدم وجود قدرات تكرير كافية لديها، ناهيك عن تزايد الاستهلاك الداخلي من النفط، والذي يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا. فإذا أضفنا إلى كل ذلك أنه في حالة إغلاق إيران لمضيق هرمز بسبب العمليات العسكرية، أن رد الفعل الأميركي سيتمثل في قصف حقول النفط ومنشآته وموانئ تصديره في إيران، بل وأيضًا خطوط نقله إلى الخارج، فإن ذلك سيضاعف حجم الكارثة الاقتصادية والاجتماعية في هذه البقعة من العالم.

وينبغي على دول هذه المنطقة والولايات المتحدة إزاء ذلك أن يتجنبوا تصعيد المواجهة، وحل الأزمة الناشئة بينها بالوسائل السلمية، وتوقف ممارسي السياسة من الوصول بالأزمة إلى حافة الهاوية ثم التراجع تدريجيا، ذلك أن هذا الأسلوب قد لا ينجح في كل مرة، وقد لا تحمد عقباه إذا ما انفلت زمام السيطرة على الأزمة من أي جانب إذا ما دخل العامل العسكري فيها.

https://hura7.com/?p=58392

 

الأكثر قراءة