الأكثر قراءة

مفاوضات روما أمام عقدة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان

جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

لم تنجح الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما برعاية أميركية، في تجاوز واحدة من أكثر القضايا حساسية في المسار التفاوضي، وهي توسيع نطاق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وبينما كان الجانب اللبناني يسعى إلى الانتقال من المرحلة التجريبية إلى انسحابات جديدة تتيح للدولة اللبنانية توسيع نطاق سيطرتها، تمسك الجانب الإسرائيلي بشروط أمنية يرى أنها يجب أن تسبق أي خطوة إضافية على الأرض.

وانتهت المحادثات التي استمرت في روما من دون اتفاق نهائي بشأن ما يعرف بـ”المناطق النموذجية”. ونقلت وكالة “فرانس برس” عن مصدر في الرئاسة اللبنانية أن الوفد اللبناني طالب ببدء مرحلة جديدة تشمل انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق إضافية، في حين اشترطت إسرائيل التأكد أولاً من استكمال انتشار الجيش اللبناني وقدرته على فرض سيطرته الكاملة على المنطقتين اللتين سبق أن انسحبت منهما القوات الإسرائيلية.

هذا الخلاف لا يتعلق فقط بمساحة الأراضي التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل، وإنما يرتبط أيضاً بالترتيبات التي سترافق كل خطوة لاحقة. فإسرائيل تريد أن يكون الانسحاب مرتبطاً بإجراءات تحقق ميدانية وأمنية، بينما ينظر لبنان إلى الانسحاب باعتباره جزءاً أساسياً من أي مسار يؤدي إلى تثبيت الهدوء وإعادة الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية إلى سلطة الدولة اللبنانية.

وفي هذا السياق، تتمسك إسرائيل بأن يسبق أي انسحاب جديد تكليف دولة ثالثة بالتحقق من خلو المناطق المعنية من مقاتلي حزب الله أو أي بنية تحتية عسكرية تابعة له. وبرزت إيطاليا كأحد الأسماء المطروحة للقيام بهذه المهمة، بما يضيف طبقة جديدة من الترتيبات الدولية إلى ملف بات يرتبط بصورة متزايدة بآليات الرقابة والتحقق، وليس فقط بقرار الانسحاب نفسه.

كيف توازن الدبلوماسية الأمريكية بين ضغوط الميدان وشروط الانسحاب؟

أما واشنطن، فتبدو حريصة على إبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً رغم عدم الوصول إلى اتفاق في روما. فقد وصفت وزارة الخارجية الأميركية أجواء المحادثات بأنها إيجابية، وقال متحدث باسمها إن الطرفين أصبحا “أقرب بكثير” إلى توسيع تجربة المناطق التجريبية والمضي في تنفيذها. وتوحي هذه الرسالة بأن الإدارة الأميركية لا ترى في تعثر الجولة الأخيرة نهاية للمسار، بل مرحلة تفاوضية تحتاج إلى مزيد من العمل على التفاصيل التي تفصل بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن المفاوضات لا تجري بمعزل عن الواقع الميداني. فاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان يفرض نفسه على الطاولة، ويجعل الحديث عن الانسحاب مرتبطاً في الوقت نفسه بالوضع الأمني وبمدى قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته في المناطق التي تنتقل إليه. وهنا تظهر واحدة من أصعب معادلات التفاوض: لبنان يريد توسيع نطاق سيطرة الدولة من خلال انسحاب إسرائيلي أوسع، بينما تريد إسرائيل ضمان ترتيبات أمنية قبل تنفيذ هذا الانسحاب.

وتشير المعطيات التي أوردتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن مسؤولين لبنانيين، إلى أن استمرار الضربات الإسرائيلية في الجنوب ترك تأثيراً واضحاً على الجولة السابعة، في وقت تبدو فيه فرص تحقيق اختراق سياسي كبير محدودة قبل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في الخريف. ووفق المسؤولين الأميركيين واللبنانيين الذين تحدثت إليهم الصحيفة، لم تحقق الجولة الأخيرة تقدماً ملموساً بعدما رفضت إسرائيل الطلب اللبناني بالانسحاب من مزيد من القرى وإعادتها إلى سيطرة الدولة اللبنانية.

الانتخابات الإسرائيلية تضيف بدورها عاملاً سياسياً إلى حسابات المفاوضات. فكلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، تصبح القرارات المتعلقة بالأمن والانسحاب من الأراضي أكثر ارتباطاً بالحسابات الداخلية الإسرائيلية. وهذا قد يجعل أي خطوة كبيرة بحاجة إلى غطاء سياسي واسع، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بترتيبات أمنية يمكن أن تتحول إلى مادة للنقاش الداخلي خلال الحملة الانتخابية.

كيف تؤثر ضغوط الميدان على حسابات الانسحاب وتسليح الدولة؟

في الجانب الآخر، يواجه لبنان اختباراً مختلفاً. فالمفاوضات تمنح الدولة فرصة لإعادة تثبيت دورها في إدارة الملف الجنوبي والتفاوض بشأن الأراضي اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام مسؤولية إثبات قدرتها على الإمساك بالوضع الأمني على الأرض. ولذلك فإن مسألة انتشار الجيش اللبناني لا تبدو تفصيلاً تقنياً بالنسبة إلى إسرائيل، بل واحدة من الركائز التي تريد بناء أي انسحاب جديد عليها.

وتزداد أهمية هذه النقطة مع ما نقلته “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين بأن نزع سلاح حزب الله لا يمكن أن يتحقق بالعمل العسكري الإسرائيلي وحده، وإنما يحتاج إلى تسوية سياسية. وإذا صح هذا التقدير، فإن استمرار العمليات العسكرية والتمسك بشروط الانسحاب لا يعنيان بالضرورة أن الخيار السياسي قد خرج من الحسابات الإسرائيلية، بل ربما يشيران إلى محاولة استخدام الميدان للضغط من أجل ترتيبات سياسية وأمنية أكثر وضوحاً.

المسار الحالي يضع “المناطق النموذجية” أمام اختبار حقيقي. فإذا نجحت التجربة في إثبات قدرة الجيش اللبناني على إدارة المناطق التي تنتقل إليه وضمان عدم عودة النشاط العسكري لحزب الله إليها، فقد يصبح توسيع الانسحاب أكثر قابلية للتنفيذ. أما إذا بقيت إسرائيل غير مقتنعة بوجود ضمانات كافية، فقد يستمر ربط كل مرحلة جديدة من الانسحاب بشروط إضافية، ما يعني بقاء المفاوضات ضمن دائرة التقدم البطيء والاختبارات المتكررة.

لذلك تبدو العقدة الحالية أكبر من مجرد خلاف على عدد القرى أو مساحة الأراضي التي ستخليها إسرائيل. القضية تتصل بمسار كامل يريد لبنان من خلاله تثبيت سيادة الدولة على الجنوب، بينما تبحث إسرائيل عن ضمانات أمنية قبل التخلي عن مواقعها، وتحاول الولايات المتحدة الحفاظ على صيغة تسمح للطرفين بالانتقال تدريجياً من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات أكثر استقراراً.

ويبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بقدرة واشنطن على تضييق الفجوة بين الشرط اللبناني بالانسحاب والشرط الإسرائيلي بالتحقق الأمني. فنجاح المناطق النموذجية قد يفتح الطريق أمام مراحل جديدة من الانسحاب، بينما فشلها أو استمرار العمليات العسكرية قد يعيدان المفاوضات إلى نقطة الانتظار، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وفي هذه الحالة، ستبقى روما محطة تفاوضية مهمة، لكنها لن تكون كافية وحدها لكسر الجمود الذي يحكم العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل الوضع العسكري لحزب الله في الجنوب.

https://hura7.com/?p=82684

الأكثر قراءة