الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

مفاوضات واشنطن: خيارات لبنان التفاوضية الصعبة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني   مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تؤكد القراءة الفاحصة في كواليس المفاوضات التي شهدتها العاصمة الأميركية مؤخراً وجود فجوة حادة بين الأدبيات الدبلوماسية المعلنة والمعطيات الاستراتيجية الميدانية. فبينما يشي المشهد الخارجي بإنجاز مرحلي يتمثل في تمديد التهدئة لخمسة وأربعين يوماً، تنطوي الأبعاد غير المعلنة على ديناميات ضغط بالغة التعقيد، تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع الرؤى الدولية الرامية إلى إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة. إذ تتكامل الضغوط العسكرية الميدانية مع الشروط السياسية المسبقة لفرض وقائع جيوسياسية جديدة على المفاوض اللبناني وإلزامه بمندرجاتها.

إن فترة التهدئة المؤقتة، في المنظور العسكري للعدو الإسرائيلي، ليست فرصة لبناء الثقة أو التقاط الأنفاس، بل هي نافذة زمنية حيوية لتثبيت واقع ميداني مستحدث على الأرض. وتتجلى خطورة هذه المرحلة في تكثيف العدو لعملياته الهندسية على طول الشريط الحدودي؛ وهي أنشطة تتجاوز الترتيبات التقنية لتشمل تدميراً منهجياً للبنى التحتية والأحياء السكنية، بغية هندسة حزام أمني عازل ومفرغ ديموغرافياً.

يهدف هذا الإجراء إلى الحيلولة دون عودة السكان في المدى المنظور، وتحويل ملف النازحين إلى ورقة ابتزاز دائم لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية قاسية عابرة للاتفاقيات الدولية.

وفي المقابل، تتحرك الدبلوماسية الأميركية وفق رؤية حاسمة ترتكز على الفصل الهيكلي بين الملف اللبناني والمسارات الإقليمية الموازية، كالمفاوضات الإيرانية الأميركية التي تجري بوساطة باكستانية. ويتجلى هذا التوجه في الإصرار الأميركي الإسرائيلي المشترك على نقل الصلاحيات الدفاعية والأمنية والمؤسساتية بشكل حصري ومطلق إلى القوات المسلحة الرسمية والجيش اللبناني.

وتعتمد هذه المقاربة استراتيجية الخطوات المترابطة والمشروطة؛ حيث يُربط أي تقدم في التسوية السياسية أو الترتيبات الحدودية بمدى قدرة الدولة وجاهزيتها لتفكيك البنية العسكرية غير الرسمية، مما يضع الوفد اللبناني أمام خيارات سيادية مصيرية في أروقة صنع القرار الدولي.

ومع ذلك، فإن مكمن الضعف البنيوي في الموقف اللبناني الرسمي يعود إلى الفلسفة التفاوضية التي ينطلق منها الوفد؛ إذ يبني مقاربتة في الجلسات المغلقة على فرضية تفصل بين الدولة والميدان، معتبراً أن الحرب الراهنة مواجهة حصرية بين حزب الله والعدو الإسرائيلي.

هذا الانكفاء الرسمي والتمايز الإجرائي يعري الساحة اللبنانية سياسياً، ويوفر للعدو الإسرائيلي المسوغ الميداني لمواصلة اعتداءاته؛ حيث يستغل العدو هذا التفكيك ليصنف أي تصدٍّ عسكري تقوم بها عناصر المقاومة داخل الأراضي اللبنانية—كاستهداف جرافة عسكرية إسرائيلية تخرق الحدود—على أنه انتهاك أحادي للهدنة. وبموجب ذلك، يمنح العدو لنفسه ذريعة “الدفاع عن النفس” لتبرير ضربات استباقية وردود عسكرية مفتوحة زمانياً ومكانياً، مما يضاعف الأكلاف البشرية والمادية على القرى الجنوبية والمناطق اللبنانية كافة.

إن انتقال النقاش إلى المسار الأمني في البنتاغون في التاسع والعشرين من الشهر الحالي يشكل المنعطف التفاوضي الأكثر خطورة؛ إذ لن تتوقف المحادثات عند حدود الترتيبات التقنية، بل ستتعداها إلى صياغة آليات تحقق ومراقبة صارمة ومستحدثة بإشراف أميركي مباشر وميداني، لتتجاوز صيغ الرقابة التقليدية السابقة وتصبح معبراً إلزامياً وشديد التعقيد قبل الولوج في الجولة السياسية المقررة في مطلع حزيران المقبل.

وفي الحصيلة، لا تصب هذه الجهود في خانة إنتاج معاهدة سلام شاملة أو تسوية تاريخية، بقدر ما تمثل محاولة أميركية لترجمة الاختلالات الميدانية والضغوط الاقتصادية والإنسانية المتراكمة إلى معادلة سياسية جديدة تؤسس لفك الارتباط الكامل بين لبنان وعمقه الإقليمي.

وتأسيساً على هذه القراءة الدبلوماسية والميدانية، يمكن استشراف السيناريوهات والخيارات المقترحة للمرحلة التي تسبق عتبة البنتاغون وجولات حزيران السياسية:

أولاً: سيواصل العدو الإسرائيلي استغلال غطاء التهدئة الراهنة لتسريع فرض الأمر الواقع الجغرافي والديموغرافي عبر الآليات الهندسية على طول الحدود، مع الاحتفاظ بجهوزية الردع العسكري والتهديد باستئناف العمليات الشاملة، لتوظيف أي تحرك ميداني لبناني وتصنيفه كـ “خرق أمني” يبرر الضربات الموضعية المتنقلة.

ثانياً: سيجد الوفد العسكري اللبناني نفسه في أروقة البنتاغون أمام شروط تقنية بالغة التعقيد، تلزمه بتقديم خطط إجرائية واضحة وجداول زمنية محددة لانتشار الجيش اللبناني، وضمانات عملية لضبط السلاح غير الشرعي؛ إذ ستشترط واشنطن هذه التعهدات كمعيار أساسي للموافقة على أي تمديد إضافي للهدنة بعد انقضاء الخمسة وأربعين يوماً.

ثالثاً: إن تجاوز هذا المأزق يتطلب انتقالاً فورياً في المقاربة اللبنانية الرسمية من منطق “الوسيط العاجز” أو “الطرف المحايد” إلى منطق “الدولة المسؤولة”؛ وهو تحول يستوجب تبني خطة طوارئ سياسية موحدة تؤكد أن أي اعتداء إسرائيلي على أي أرض أو مكون لبناني هو اعتداء على سيادة الدولة وتكاملها الجغرافي. إن كسر حلقة الضغوط الأميركية والإسرائيلية لا يتحقق بالانكفاء أو بالتنصل من الواقع الميداني، بل بإبراز جهوزية مؤسسات الدولة وجيشها كمرجعية دفاعية وحيدة وقادرة على حماية الحدود وضمان عودة النازحين، وتوظيف أوراق القوة اللبنانية لمنع العدو من الاستفراد بالميدان أو فرض شروط الإذعان في غرف التفاوض المغلقة.

https://hura7.com/?p=79109

الأكثر قراءة