جريدة الحرة بيروت
بقلم : نبيل شحاده مدونة الكاتب نبيل شحاده
شهدت العاصمة الأميركية واشنطن جولة ثالثة من المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية مباشرة من وزارة الخارجية الأميركية التي أعلنت تمديد وقف إطلاق النار لمدة خمسة وأربعين يوماً، مع الترتيب لجولة رابعة مطلع شهر حزيران المقبل، إضافة إلى إطلاق مسار أمني لافت في البنتاغون يضم وفوداً عسكرية من البلدين أواخر أيار الجاري. كما أعربت عن أملها في أن تسهم هذه المناقشات في تحقيق “سلام مستدام” وتعزيز الأمن على الحدود المشتركة.
ورغم الأجواء الدبلوماسية التي حاولت واشنطن إشاعتها للإيحاء بوجود فرصة حقيقية للسلام مرحبة “بالتزام حكومتي لبنان وإسرائيل بإيجاد حل طويل الأمد رغم التحديات المستمرة”، تبدو الملفات العالقة والمستجدة شائكة ومعقدة، والقراءة الهادئة والمعمقة لمجريات الأحداث تفترض الربط بين غرف الاجتماعات وبين الواقع الميداني المتفجر في جنوب لبنان، حيث تتواصل الغارات الإسرائيلية، وعمليات حزب الله في مفارقة صارخة تعكس الفجوة الواسعة بين النوايا على طاولة الدبلوماسية والحقائق على الأرض.
مواقف الفريقين أظهرت بوضوح أن المقاربات ما زالت متباينة، وأن التوفيق بينها مستحيل في الوقت الحالي؛ فالوفد اللبناني الرسمي يركز على تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان، مذكراً بأنه يجهد للوصول إلى صياغة مستقبلية تكون فيها سيادة لبنان مُصانة “حصرياً عبر قواته المسلحة. وفي المقابل، عبّر السفير يحيئيل لايتر عن الموقف الإسرائيلي، فوصف المحادثات بأنها صادقة وبنّاءة، ولكنه اعتبر أن الأولويات القصوى لإسرائيل في المفاوضات هي أمن مواطنيها وجنودها في الشمال. ما يعني أن تل أبيب لن تقبل بأي اتفاق لا يضمن إبعاد خطر الصواريخ والمسيّرات خلف الحدود بشكل نهائي وصارم، وهي الصيغة الديبلوماسية لنزع كامل لسلاح حزب الله.
وسط هذه المواقف المتناقضة، تحاول واشنطن تهيئة المسارات من خلال الفصل بين المسار السياسي الدبلوماسي والمسار العسكري الذي تُعدّ له في 29 أيار الجاري في البنتاغون، على أمل أن تحد من محاولات حزب الله “لعرقلة هذه المحادثات”.
المعضلة الأكبر التي تبرز دائما، والتي تجعل من الحديث عن “سلام دائم” بين لبنان وإسرائيل مجرد تفاؤل لا يستند إلى أية مقومات حقيقية، هي أن لبنان يفتقر إلى وحدة القرار الاستراتيجي في ظل وجود سلطة رديفة تمتلك ترسانة عسكرية، وتأتمر بأوامر أيديولوجية وإقليمية من إيران التي لا تقبل في الظروف الحالية وتحت الضغوط الدولية التخلي عن ورقة الحزب وإمكانية استخدامها.
وقد جاءت التصريحات الصادرة عن مصادر قيادية في “حزب الله” وعبر وسائل إعلامه المحسوبة عليه لتؤكد هذا الواقع، حيث يرهن الحزب موقفه من أي اتفاق بما يسميه “الحقائق والواقع على الأرض”، وهي إشارة واضحة إلى أن الحزب غير معني بالمقايضات السياسية التي تجريها الدولة اللبنانية، بقدر ما يعنيه الحفاظ على وظيفته الأساسية كذراع إيرانية متقدمة قرب “حدود إسرائيل”. هو يقرّ بنفس الوقت بأن أي سلام دائم أو ترسيم نهائي للحدود يُنهي حالة الحرب يمثل تهديداً وجودياً لسلاح الحزب، ويُسقط حتماً ذريعة “المقاومة” التي لا يبدو أن لها أفقاً ونهاية، ويفتح الباب أمام تطبيق القرارات الدولية كالقرارين 1559 و1701 اللذين ينصان على بسط سلطة الدولة ونزع سلاح كل الميليشيات، وهو ما لن تسمح به طهران دون ثمن، وهي ترى في جبهة جنوب لبنان ورقة مساومة ثمينة.
حتى الآن، تتجه الأمور نحو مرحلة رمادية طويلة الأمد، وكل لقاءات واشنطن وغيرها، وحتى ما تُعدّ له في أروقة البنتاغون ليست إلا محاولات لصياغة هدنة يتم تمديدها حسب الضرورة، وتأسيس قواعد اشتباك جديدة تمنع حرباً بالمعيار التقليدي، وتمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس ودرس الخطط وإعادة التموضع. أما المتغيرات التي حصلت في الساحة اللبنانية بعد سقوط نظام الأسد، والإنهاك الذي أصاب حزب الله وبيئته، وشبه الاجماع لدى غالبية اللبنانيين على ضرورة الانتهاء من فلتان السلاح وثنائية القرار، فلم تستفد منها الدولة اللبنانية لتحقيق “حلمها”، وبقيت الهوة سحيقة بين القرارات وآليات تنفيذها على واقع الأرض.
الوصول إلى سلام دائم وحقيقي بين لبنان وإسرائيل سيبقى ضربا من الخيال ما لم تُحل معضلة السلاح غير الشرعي، وتستعيد الدولة اللبنانية -سلماً أو حرباً – حقها الشرعي في حصرية قرار السلم والحرب. وطالما ظل جنوب لبنان، بل قل لبنان كله، صندوق بريد مفتوحا لأزمات المنطقة، فإن أي اتفاق دبلوماسي سيبقى حبراً على ورق، وسيظل لبنان معلقاً بين وعود السلام وشبح الحرب.


