الأكثر قراءة

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومحاولة استعادة الدور في منطقة بحر قزوين…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي


تسعى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى إعادة تعريف دورها في منطقة بحر قزوين، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة جنوب القوقاز وآسيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية السويسري والرئيس الحالي للمنظمة، إينياتسيو كاسيس، إلى أذربيجان وتركمانستان خلال الفترة من 3 إلى 5 أغسطس، في إطار تحرك إقليمي يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ليعكس محاولة المنظمة البحث عن مجالات جديدة للحضور والتأثير في المنطقة.
التحركات الدبلوماسية في القوقاز
تأتي هذه التحركات في مرحلة مختلفة عن المرحلة التي كانت فيها المنظمة تؤدي دورًا بارزًا في إدارة النزاعات، ولا سيما من خلال عملية مينسك المرتبطة بتسوية النزاع في إقليم قره باغ. فمع انتهاء عملية مينسك وتغير الظروف السياسية في جنوب القوقاز، أصبحت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مطالبة بإعادة تحديد موقعها ووظيفتها، والبحث عن أدوار جديدة تتيح لها الحفاظ على حضورها في المنطقة.
وفي أذربيجان، التقى كاسيس وزير الخارجية جيهون بيراموف، حيث تناولت المباحثات العلاقات الثنائية بين أذربيجان وسويسرا، وأولويات الرئاسة السويسرية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إلى جانب مرحلة ما بعد النزاع في جنوب القوقاز، والأزمة الأوكرانية، والتطورات في الشرق الأوسط. ويكشف هذا التنوع في الملفات عن محاولة المنظمة توسيع نطاق اهتمامها، وعدم حصر دورها في الوساطة السياسية التقليدية.
وتبدو أذربيجان، من جانبها، أكثر ميلًا إلى إدارة علاقاتها مع أرمينيا من خلال الحوار المباشر. فقد أكدت القيادة الأذربيجانية أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة من السلام الفعلي، وأن التفاهمات الأخيرة تحققت بصورة ثنائية. ويعني ذلك أن المجال المتاح أمام منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للعودة إلى نموذج الوساطة الذي ارتبط بعملية مينسك أصبح محدودًا، الأمر الذي يدفع المنظمة إلى البحث عن أدوار عملية أخرى.
سبل تعزيز الأمن وإنهاء النزاعات
من أبرز المجالات التي يمكن أن توفر للمنظمة دورًا جديدًا مسألة إزالة الألغام وتعزيز الأمن بعد انتهاء النزاع. فقد خلفت الألغام، وفق المعطيات التي قدمها الجانب الأذربيجاني، عددًا كبيرًا من الضحايا منذ انتهاء العمليات العسكرية عام 2020. ومن ثم، يمكن أن تشكل المساعدة في إزالة الألغام مجالًا عمليًا لتدخل المنظمة، خصوصًا أن هذا النوع من المشروعات يجمع بين الأمن الإنساني وإعادة الاستقرار وبناء الثقة.
وقد برز البعد الاقتصادي في المحادثات بين أذربيجان وسويسرا، حيث احتلت الاستثمارات والتجارة ومشروعات البنية التحتية مكانة مهمة. كما أكد كاسيس أهمية أذربيجان باعتبارها حلقة وصل بين آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وأوروبا، خصوصًا في ظل الاهتمام المتزايد بتطوير الممر الأوسط وتنويع طرق التجارة والنقل الدولية.
أهمية الممر الأوسط في منطقة بحر قزوين
يشكل الممر الأوسط أحد المجالات التي يمكن أن تساهم من خلالها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تعزيز الترابط الإقليمي، من خلال دعم أمن النقل وتبادل الخبرات وبناء الثقة بين الدول الواقعة على امتداد هذا المسار. وهنا تنتقل المنظمة تدريجيًا من دور الوساطة السياسية المباشرة إلى أدوار أكثر ارتباطًا بالبنية التحتية والأمن الاقتصادي والتعاون الإقليمي.
أما في تركمانستان، فتبدو مساحة الحركة أمام المنظمة أكثر وضوحًا، إذ يوجد في البلاد مركز للمنظمة منذ عام 1999، يعمل في مجالات متعددة تشمل أمن الحدود، ومراقبة الأسلحة، والتجارة، والبيئة، وتحسين الإدارة الحكومية. وقد أكد كاسيس خلال زيارته للمركز أن قوة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تكمن في قدرتها على العمل ميدانيًا وتنفيذ مشروعات عملية على أرض الواقع.
وتمثل طبيعة المشروعات التي ينفذها المركز في عشق آباد اتجاهًا متزايدًا نحو توظيف الخبرة الفنية في معالجة القضايا الإقليمية. فقد ناقشت المنظمة، من خلال ندوات متخصصة، قضايا البنية التحتية للنقل، والتكيف مع التغير المناخي، وحماية المنشآت من الكوارث الطبيعية، والرقمنة، وتمويل مشروعات النقل، وتطوير الممرات الدولية. وتمثل هذه المجالات أدوات لبناء الثقة والتعاون، حتى في ظل غياب الدور السياسي المباشر الذي كانت المنظمة تؤديه في السابق.
التحولات المقبلة في الإقليم
غير أن هذا التحول يثير إشكالية تتعلق بالهوية الأساسية للمنظمة. فإلى جانب قضايا الأمن والاقتصاد والبيئة، يشمل اختصاص منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ملفات حقوق الإنسان، وحرية الإعلام، والمجتمع المدني، والحكم الرشيد. إلا أن الخطاب الرسمي المصاحب لهذه الزيارة لم يبرز بصورة واضحة هذه القضايا، سواء في أذربيجان أو تركمانستان.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة في الحالة التركمانية، حيث ظلت قضايا حرية الإعلام والوصول إلى المعلومات والتعددية السياسية محل اهتمام وانتقاد من جانب مؤسسات المنظمة. ولذلك، فإن التركيز على الجوانب الاقتصادية والأمنية والفنية قد يساعد المنظمة على الحفاظ على حضورها وعلاقاتها مع حكومات المنطقة، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى إضعاف أحد أهم الأبعاد التي تميز المنظمة عن غيرها من أطر التعاون الدولي.
منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والاهتمام بالقوقاز
تكشف زيارة كاسيس إلى أذربيجان وتركمانستان عن مفارقة واضحة؛ فمن جهة، تبحث منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عن مجالات جديدة تتيح لها الحفاظ على حضورها وتأثيرها في منطقة بحر قزوين وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، ومن جهة أخرى، تواجه خطر اختزال دورها في المشروعات الفنية والاقتصادية والأمنية على حساب القضايا السياسية والإنسانية.
وبذلك، يمكن القول إن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تسعى إلى الانتقال من دور الوسيط السياسي إلى دور الشريك العملي في بناء الأمن والتعاون الإقليمي. ويمنحها ذلك فرصة للحفاظ على حضورها في منطقة تشهد منافسة متزايدة بين القوى الدولية، ولا سيما في مجالات النقل والطاقة والأمن والاتصال.
أهمية ربط القوقاز بآسيا الوسطى
تظهر أهمية هذا الدور في ظل تزايد الترابط بين جنوب القوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا، حيث أصبحت الممرات التجارية والبنية التحتية والطاقة والأمن الحدودي عناصر أساسية في إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية. ومن ثم، يمكن للمنظمة أن توظف خبرتها في بناء الثقة والوساطة والتعاون متعدد الأطراف لتعزيز حضورها، شريطة ألا يؤدي التركيز على المصالح العملية إلى إهمال القضايا الإنسانية وحقوق الإنسان وحرية الإعلام.
وعليه، فإن مستقبل حضور منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في منطقة بحر قزوين سيعتمد على قدرتها على تحقيق توازن بين البراغماتية السياسية والالتزامات الإنسانية، وبين المشروعات العملية والحفاظ على هويتها المؤسسية. فنجاحها في إثبات فائدتها في المنطقة لن يرتبط فقط بقدرتها على دعم النقل أو أمن الحدود أو إزالة الألغام، وإنما بقدرتها أيضًا على الحفاظ على دورها كمنصة للحوار وبناء الثقة وتعزيز الأمن الشامل في البيئة الدولية المتغيرة.

https://hura7.com/?p=82897

الأكثر قراءة