جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

صوّر بعض المحللين الغربيين منظمة الدول التركية على أنها منصة تنسيق أمني صاعدة قد تتطور إلى نموذج يشبه رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، أو تتحول إلى محور جديد قادر على الحد من نفوذ روسيا والصين في منطقة أوراسيا.
وذهب بعض المتخصصين في شؤون المنطقة إلى اعتبار المنظمة قوة جيوسياسية متنامية يمكن أن تمنح الولايات المتحدة والغرب شريكاً إضافياً في مواجهة النفوذ الروسي والصيني. كما رأى آخرون أن أنشطتها تنسجم مع بعض التوجهات الغربية الرامية إلى تعزيز الشراكات البديلة في آسيا الوسطى.
غير أن هذا التفسير يبالغ في تقدير البعد الأمني للمنظمة ويتجاهل طبيعة أهدافها المعلنة. فمن غير المرجح أن تسعى دول آسيا الوسطى إلى تحويل المنظمة إلى تحالف عسكري أو إلى كتلة أمنية موجهة ضد قوة إقليمية محددة.
ويختلف وضع منظمة الدول التركية بشكل واضح عن منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، إذ لا تتضمن التزامات دفاعية مشتركة بين أعضائها. فمنذ تأسيسها، ركزت المنظمة على الهوية المشتركة والتعاون الثقافي والاقتصادي والسياسي، مع إدراج بعض القضايا المرتبطة بالأمن ضمن إطار أوسع للتعاون.
منظمة الدول التركية ومن هم أعضاؤها؟
منظمة الدول التركية هي إطار تعاون يجمع الدول التي تربطها روابط تاريخية وثقافية ولغوية تركية، ويهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والنقل والطاقة والتعليم وغيرها من المجالات.
تأسست المنظمة بصيغتها الحالية عام 2021 بعد إعادة تسمية “مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية”، الذي أُنشئ عام 2009. وتضم أعضاء كاملين هم: تركيا، أذربيجان، كازاخستان، قيرغيزستان، وأوزبكستان، بينما تتمتع بعض الدول بصفة مراقب، من بينها تركمانستان والمجر وجمهورية شمال قبرص التركية.
ولا تمثل المنظمة اتحاداً سياسياً أو عسكرياً، كما لا تقوم على مبدأ الدفاع المشترك بين أعضائها، بل تشكل إطاراً للتعاون متعدد المجالات بين دول تجمعها روابط ثقافية ولغوية مشتركة، مع احتفاظ كل دولة بسياساتها الخارجية الخاصة وعلاقاتها المختلفة مع القوى الكبرى، مثل روسيا والصين والغرب.
المنظمة وعلاقاتها مع روسيا والصين
إن تصوير منظمة الدول التركية باعتبارها مشروعاً مضاداً لروسيا أو الصين يعكس فهماً مبسطاً لطبيعة العلاقات في آسيا الوسطى. فدول المنطقة لا تتحرك ككتلة واحدة، بل تمتلك كل دولة حساباتها الخاصة وأولوياتها المختلفة والتزاماتها الدولية التي تحدد مستوى مشاركتها داخل المنظمة.
فأذربيجان، على سبيل المثال، تختلف في طبيعة علاقتها مع روسيا وتركيا عن كازاخستان أو أوزبكستان، بينما تحافظ دول أخرى على سياسة توازن دقيقة بين موسكو وبكين وأنقرة والغرب. ولهذا من المتوقع أن تستمر الدول الأعضاء في التأكيد على أن المنظمة ليست مشروع تحالف عسكري، حتى مع توسع التعاون في مجالات مثل التدريب العسكري وتبادل الخبرات والتكنولوجيا الدفاعية.
ومع ذلك، فإن الغموض حول دور المنظمة قد يمثل تحدياً بحد ذاته. فإذا لم تحدد أهدافها بصورة أكثر وضوحاً، فقد تستمر الأطراف الخارجية في تفسير طبيعتها وفقاً لمصالحها الخاصة، مما يؤدي إلى تضخيم المخاوف حول توجهاتها الجيوسياسية.
تفاعلات آسيا الوسطى مع منظمة الدول التركية وتركيا
تختلف درجة انخراط الدول التركية في آسيا الوسطى مع المنظمة ومع تركيا من دولة إلى أخرى. ففي حين أبدت أذربيجان وكازاخستان اهتماماً واضحاً بتطوير التعاون، اتخذت تركمانستان وأوزبكستان مواقف أكثر حذراً، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية. وتقدم تجارب أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان نماذج مختلفة لطبيعة هذا التعاون، إذ تكشف عن تفاوت واضح في كيفية استخدام المنظمة والحدود التي ترغب كل دولة في الوصول إليها في مجال الأمن والدفاع.
أذربيجان: الربط بين التعاون التركي والبعد الأمني
تُعد أذربيجان الدولة الأكثر وضوحاً في ربط التعاون التركي بالبعد الأمني. فقد أكد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أهمية تعزيز التعاون بين الدول التركية، معتبراً أن المنظمة تطورت من إطار للتنسيق الثقافي والاقتصادي إلى مؤسسة ذات وزن جيوسياسي متزايد. ويأتي هذا التوجه في ظل التحول الكبير في علاقة باكو بموسكو خلال السنوات الأخيرة، مقابل توسع الشراكة الدفاعية مع تركيا. كما عززت المناورات العسكرية المشتركة بين أذربيجان وتركيا انطباع بعض المراقبين بأن المنظمة قد تتجه نحو دور أمني أكبر.
كازاخستان: التعاون الدفاعي مع الحفاظ على التوازن
تمثل كازاخستان نموذجاً أكثر توازناً. فعلى الرغم من توسع التعاون العسكري بينها وبين تركيا، تحرص أستانا على الفصل بين شراكتها الدفاعية الثنائية وبين دور منظمة الدول التركية كإطار متعدد الأطراف. وقد بدأت كازاخستان منذ عام 2020 تطوير التعاون الدفاعي والصناعي مع تركيا، بما يشمل مشاريع مشتركة في الصناعات العسكرية والطائرات المسيّرة. إلا أن الخطاب الرسمي الكازاخستاني يؤكد أن المنظمة ليست تحالفاً عسكرياً، وأن هدفها الأساسي يتمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي.
ويرتبط هذا الموقف بسياسة كازاخستان القائمة على التوازن بين القوى الكبرى. فهي تسعى إلى تطوير علاقاتها مع تركيا، لكنها في الوقت نفسه تتجنب خطوات قد تُفسر في موسكو أو بكين باعتبارها اصطفافاً جيوسياسياً ضدهما.
أوزبكستان: التعاون الأمني ضمن إطار أوسع
أما أوزبكستان، فقد عززت تعاونها الدفاعي مع تركيا عبر القنوات الثنائية، لكنها تنظر إلى منظمة الدول التركية باعتبارها إطاراً أوسع يشمل الاقتصاد والثقافة والسياسة، وليس منظمة أمنية بالدرجة الأولى. وقد تطور التعاون العسكري بين أنقرة وطشقند تدريجياً من خلال برامج التدريب وتبادل الخبرات والمناورات المشتركة، مع التركيز على مكافحة التهديدات العابرة للحدود، والأمن السيبراني، وتطوير قدرات القوات المسلحة.
وبالنسبة لأوزبكستان، فإن الأولوية لا تكمن في إنشاء تحالف عسكري جديد، بل في بناء شبكة علاقات متعددة تسمح لها بالحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي، خصوصاً مع استمرار ارتباطها الجغرافي والأمني بروسيا والصين وأفغانستان.
الخلاصة
تتجه منظمة الدول التركية إلى توسيع دورها الإقليمي، لكنها لا تبدو في الوقت الراهن مشروع تحالف عسكري أو أداة لمواجهة روسيا أو الصين. فالقيمة الأساسية للمنظمة تكمن في قدرتها على توفير منصة تعاون للدول التركية، وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية والسياسية بينها، مع الحفاظ على سياسة توازن في بيئة جيوسياسية معقدة.
إن فهم طبيعة المنظمة يتطلب النظر إليها باعتبارها إطاراً للتعاون متعدد المجالات، وليس كتلة جيوسياسية موجهة ضد طرف معين.


