الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

من الكواكبي إلى لبنان: بين استبداد عبد الحميد الثاني وسلاح الولي الفقيه

دعوة إلى الخروج من حالة اللامبالاة

الدكتور عبد الرؤوف سنّود. عبد الرؤوف سنّو

 

جريدة الحرة ـ بيروت

في لحظة نادرة من صفاء الضمير العربي، أطلق المفكر عبد الرحمن الكواكبي، قبل قرن وربع القرن، صرخته الداوية في وجه الاستبداد والعبودية الطوعية. لم يوفّر أحدًا من نقده: لا السلطان عبد الحميد الثاني المستبد الذي صادر الحريات، ولا الرعية العربية التي ارتضت الذل واستسلمت للخوف والجهل والكسل. فكتب بكلمات تقطر ألمًا واحتقارًا: “يا قوم… لستم بأحياء عاملين ولا بأموات مستريحين”. لم تكن تلك مجرد عبارة إنشائية، بل حكمًا أخلاقيًا صارمًا على أمة تخلّت عن حقها في العيش الكريم، وعن واجبها في الثورة على الظلم. الكواكبي فهم جيدًا أن الطغيان لا يعيش فقط ببطش الحاكم، بل بصمت الرعية و”صبرها” على الظالم. ولهذا صوّب سهمه إلى عمق المشكلة: شعوب لا تملك العزيمة للانتفاض، رضيت بالسجود ولو على لُقمة مغمّسة بكرامة الوطن وسيادته ومستقبله…

ولو قدّر للكواكبي أن يطلّ اليوم على ما يجري في لبنان، لوجد نموذجًا حيًّا لنبوءته المؤلمة: بلد تُنهَك مؤسساته، ويُحتل قراره الوطني، وتُنهَب ثرواته بتآمر من سياسييه أو بغفلة منهم، فيما قسم كبير من أبنائه إمّا صامت، أو خانع، أو غارق في حروب عبثية بين الطوائف والمذاهب، أو بالتنظير والكلام المباح. وطنٌ تتجدد فيه الكارثة، ولا تتجدد فيه الإرادة، وطن ينازع ولا يطلب الحياة، سلاح غير شرعي يسرح ويمرح في عاشوراء وشباب هاجر لا يلتفت إلى الوراء، وأسر تتسوّل، وجماعات ولصوص متخمين بتكديس الثروات. ومع ذلك، لا إجماع على مشروع إنقاذ، ولا انتفاضة عابرة للطوائف، ولا صوت واحد يعلو فوق الصراخ الفئوي.

الكواكبي قالها بصراحة عن قصد: “البهائم تودّ لو تنتصب قاماتها وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم”. أليس هذا حال اللبنانيين الذين باتوا يحلمون فقط بالبقاء، لا بالكرامة؟ الذين يفاوضون على أبسط سيادة دولتهم كأنها منّة من جلادهم؟ إننا نعيش، حرفيًا، في “اللامكان، لا أمل في الداخل، ولا خلاص من الخارج، ولا وحدة في الوسط.

ولعلّ أخطر ما نواجهه اليوم، كما واجه الكواكبي، هو موت وطن، وموت الحسّ العام، وغياب الشعور بالواجب الوطني، وسط اللاشعور بالوطن. إن صرخة الكواكبي القديمة تُصبح اليوم نداءً حارًا وخيار: “انهضوا، أو استعدّوا للموت في قعر الذلّ”. لنقف خلف رئيسنا وحكومتنا الشجاعة وجيشنا…ولا عودة إلى الوراء، ولن نخاف الترهيب. كلنا معنيون، مسيحيين ومسلمين، وشيعة على وجه الخصوص، بإنقاذ الوطن والوقوف وراء دولة تناضل لتقف على قدميها.

https://hura7.com/?p=63528

الأكثر قراءة