الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
14.7 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

من سنغافورة إلى لبنان: خارطة طريق لبناء اقتصاد جديد

جان-كلود سعاده

 

جريدة الحرة ـ بيروت

يبدو أن الاتفاق على نظرة ومشروع سياسي واحد للبنان أمرٌ صعب، إن لم نقل مستحيل. فالشعب اللبناني في معظمه مسيّس وينتمي إلى مشاريع وإلى زعيم، وإلى ما بعد بعد الحزب والزعيم. لكن هذا الشعب نفسه يعاني من نفس الأزمة الاقتصادية الخانقة ومن نفس الفشل المُزمن في تقديم الخدمات الأساسية وشروط الحياة الطبيعيّة، كي لا نقول أكثر.

فلماذا لا يكون الاتفاق والتضامن الوطني حول مشروع إقتصادي جديد وحديث يؤمّن للجميع حياة أفضل، ما يعطي جميع أفراد هذا الشعب حريّة أكبر في مطالبة ومحاسبة الحزب والزعيم والنائب المنتخب عندما لا يعجبهم أداءه. النجاح الاقتصادي يعيد للناس الحريّة التي سُرقت منهم يوم تمّ السطو على ودائعهم من قبل كارتيل السياسة والمصارف.

وإذا إتفقنا على الاقتصاد، لماذا لا نتعلّم من نجاحات البلدان والشعوب الأخرى ومنها سنغافورة؟

دولة صغيرة حققت تحوّلًا إقتصاديًا كبيرًا

في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت سنغافورة مجرد جزيرة صغيرة خارجة من الاستعمار البريطاني، بلا موارد طبيعية، وتعاني من البطالة والفقر، إضافة إلى تركيبة سكانية متنوعة يمكن أن تتحوّل في أي وقت إلى عامل انقسام. لكن بعد أقل من خمسين عامًا، أصبحت واحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية وازدهارًا في العالم، ومركزًا ماليًا ولوجستيًا على مستوى آسيا والعالم. هذا التحوّل لم يكن معجزة أو صدفة، بل نتيجة تخطيط استراتيجي طويل الأمد، وسياسات اقتصادية مدروسة، وتطبيق صارم لسيادة القانون.

أما لبنان، فقصته مختلفة. فهو يملك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا على ضفاف شرق المتوسط، ورأس مال بشري عالي الكفاءة، وعمقًا حضاريّاً وثقافيًا وتجاريًا يمتد عبر القرون. ومع ذلك، يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخه الحديث، بسبب سوء الإدارة، وغياب الرؤية الوطنية، وانهيار الثقة بين المواطن والدولة.

السؤال البديهي هو: هل يمكن للبنان أن يستلهم من التجربة السنغافورية نموذجًا للنهضة؟

والجواب نعم، بشرط أن تتوافر الإرادة السياسية، وأن تُطبّق الخطة بصرامة بعيدًا عن المساومات والمصالح الضيقة وعدم الوقوع في فخ التحاصص والتدخل في تطبيق القانون.

أولًا: الدروس الجوهرية من التجربة السنغافورية

  1. الاقتصاد أولًا، قبل السياسة: لم تنشغل سنغافورة بصراعات أيديولوجية أو نزاعات عبثية، بل ركّزت منذ اليوم الأول على خلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار، ووضع أهداف واضحة للنمو، وربط السياسات العامة بمؤشرات أداء يمكن قياسها.
  2. القانون فوق الجميع: نجاح أي اقتصاد يعتمد على ثقة المستثمرين والمواطنين، وهذه الثقة لا تتحقق إلا بسيادة حقيقية للقانون. سنغافورة فرضت القانون على الجميع بلا استثناء، سواء كانوا سياسيين، رجال أعمال، أو مواطنين عاديين، واعتبرت الفساد عدوًا استراتيجيًا لا يُمكن مهادنته.
  3. التخطيط بعيد المدى: اعتمدت سنغافورة خططًا عشرية وخمسية، مبنية على أرقام ودراسات لا على شعارات انتخابية، بحيث يصبح مسار التنمية ثابتًا حتى مع تغيّرالحكومات.
  4. الاستثمار في الإنسان: اعتبرت سنغافورة أن المورد الوحيد غير المحدود والقابل للنمو هو الإنسان، فأنشأت نظامًا تعليميًا ومهنيًا يزوّد سوق العمل بالمهارات التي يحتاجها، ويربط التعليم مباشرة بمتطلبات الاقتصاد العالمي.

ثانيًا: خارطة طريق للبنان نحو اقتصاد حديث وتنافسي

  1. إصلاح تشريعي وقضائي صارم من خلال معالجة الأزمة المالية والمصرفية بالقانون والحق وإنشاء محاكم اقتصادية متخصصة للفصل السريع في النزاعات التجارية والاستثمارية بما يعزز ثقة المستثمرين؛ تحديث القوانين التجارية والمصرفية بما يتماشى مع المعايير الدولية، خصوصًا في مجالات الشفافية وحماية المستهلك؛ مكافحة الفساد بلا خطوط حمراء ومنح الأجهزة الرقابية استقلالية فعلية وصلاحيات واسعة، وربط رواتب المسؤولين بالأداء، لا بالولاء السياسي.
  2. بناء بيئة استثمارية آمنة وجاذبة: إلغاء البيروقراطية المفرطة ورقمنة المعاملات الحكومية وإلغاء الإجراءات المعطّلة للاستثمار؛ حماية الاستثمارات المحلية والأجنبية عبر ضمانات قانونية وتعويضات في حال النزاعات؛ وضع حوافز مشروطة وإعفاءات ضريبية للشركات التي تخلق فرص عمل أو تنقل التكنولوجيا إلى لبنان.
  3. تطوير البنية التحتية كرافعة للنمو: تطوير المرافئ والمطارات بمعايير عالمية لتأمين دور لوجستي للبنان كمحطة عبور للتجارة والخدمات؛ بناء شبكة نقل حديثة وطرق سريعة وخطوط سكك حديدية تربط المدن والمناطق الاقتصادية والخروج من النظرة التقليدية الى مفهوم جديد يأخذ في الإعتبار التطور التكنولوجي والخيارات الجديدة المتاحة؛ بناء بنية رقمية متقدمة وشبكات إنترنت فائقة السرعة لجعل لبنان مركزًا للخدمات الرقمية.
  4. تعليم وتدريب موجّه نحو السوق: تطوير مناهج حديثة تركّز على العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، واللغات الأجنبية، وربط التعليم بالاقتصاد المعرفي؛ تطوير برامج تدريب مهني بالشراكة مع القطاع الخاص لتأهيل الشباب للقطاعات الواعدة؛ دعم البحث العلمي خصوصًا في مجالات الطاقة المتجددة، التكنولوجيا الطبية، والذكاء الاصطناعي.
  5. تحديد قطاعات استراتيجية للنمو: تطوير الاقتصاد المعرفي عبر التركيز على قطاع البرمجيات والخدمات الرقمية والتطبيقات الموجهة للسوق الإقليمي والعالمي؛ التركيز على الخدمات المالية الحديثة وتكنولوجيا الخدمات المالية بالتوازي مع إنشاء مركز مالي إقليمي بمعايير شفافية صارمة تمنع غسل الأموال وتموّل الاقتصاد المنتج؛ تشجيع السياحة المتخصصة وتنويع المنتجات السياحية لتشمل السياحة الطبية، والتعليمية، والثقافية، والمغامرات البيئية؛ دعم الطاقة المتجددة الأمر الذي له منافع متعددة إقتصادية وبيئيّة والاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية ومزارع الريح wind farms لتقليل فاتورة الاستيراد، وتصدير الفائض مستقبلاً.
  6. إدارة حكومية عالية الكفاءة: إعتماد الحكومة الإلكترونية لتسريع المعاملات وخفض كلفتها وفي الوقت نفسه تقليص إحتمالات الرشوة والفساد؛ توفير رواتب مجزية مع محاسبة صارمة للقطاع العام بعد إعادة هيكلته لقطع الطريق أمام الفساد؛ تقييم أداء دوري ونشر تقارير سنوية عن أداء الوزارات والمؤسسات العامة؛ إلغاء المؤسسات غير الفعّالة ودمج الهيئات المكرّرة أو إلغاؤها إذا كانت عبئًا على المال العام.

ثالثًا: آليات ضمان التنفيذ والاستمرارية

  1. إنشاء هيئة وطنية للتنمية الاقتصادية تكون مستقلة عن الصراعات السياسية، وتشرف على وضع الرؤية العامة وتنفيذ الخطة وتعدّلها بناءً على مؤشرات السوق.
  2. تقديم تقارير شفافة ونشر بيانات فصلية عن نسب الإنجاز في المشاريع تكون متاحة للمواطنين والمستثمرين.
  3. خلق شراكات بين القطاعين العام والخاص في التخطيط والتنفيذ، مع آليات رقابة مشتركة.
  4. الإستفادة من دور المغتربين مع الحفاظ على حقوقهم السياسية وضمان حقوقهم ألإقتصاديّة و العمل على إشراك الخبرات اللبنانية في الخارج عبر مجالس استشارية ومشاريع مشتركة.

رابعًا: تأمين شروط نجاح الخطة في لبنان

قد يظن البعض أن سنغافورة حالة فريدة لا يمكن تكرارها، لكن المقومات التي انطلقت منها ليست بعيدة عن لبنان. فالبلد يتمتع بموقع لوجستي مهم بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وبخبرات بشرية منتشرة عالميًا، وبفرص كامنة في التكنولوجيا والخدمات والسياحة. الفارق الأساسي هو أن سنغافورة امتلكت إرادة سياسية واضحة، ونظامًا قضائيًا صارمًا، وإدارة عامة نظيفة.

إذا استطاع لبنان تحقيق هذه الثلاثية أي إرادة سياسية مع قانون صارم وإدارة كفؤة، فإن التحوّل الاقتصادي سيكون مسألة وقت لا أكثر.

الطريق أمام لبنان طويل، لكنه ليس مستحيلاً. التجربة السنغافورية تؤكد أن الدول الصغيرة من حيث المساحة والموارد يمكن أن تتحوّل إلى قوى اقتصادية عالمية إذا وضعت خطة واقعية، والتزمت بتطبيقها دون تهاون. فلبنان لا يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر؛ بل إلى أن يختار مسارًا واضحاً ويلتزم به. والقاعدة بسيطة – القانون أولاً، والاقتصاد ثانيًا – وكل شيء آخر تابع لهما. إذا تحقق ذلك، يمكن أن نرى خلال عقد أو عقدين بلدًا مختلفًا تمامًا، بلدًا يستعيد دوره كمركز للتجارة، والخدمات، والثقافة، والإبداع في المنطقة.

لعلّ الاقتصاد يُصلح ما أفسدته السياسة.

خبير في التواصل الاستراتيجي

https://hura7.com/?p=63803

الأكثر قراءة