الأكثر قراءة

من علي الطاهر إلى قلب النبطية… هل تحوّل «اتفاق الإطار» إلى غطاء للتوسّع الإسرائيلي؟

جريدة الحرة بيروت

الدكتور محمد حلاوي

بقلم د. محمد حلاوي
لم يعد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب مجرد غارات متفرقة للرد الأمني، بل أصبحت خارطة الضربات الممتدة من تلة «علي الطاهر» إلى عربصاليم وكفررمان والنبطية الفوقا تؤكد سعي إسرائيل لفرض واقع أمني جديد يصعب تداركه لاحقاً.
دخلت المواجهات مرحلة أكثر خطورة باستهداف الأحياء السكنية والمرافق العامة؛ إذ أسفر القصف على النبطية ومحيطها عن سقوط ضحايا وأضرار بالمباني الرسمية، وتدمير مستشفى غندور، وصولاً إلى كفررمان. وهي مناطق تقع شمال وغرب تلة «علي الطاهر».
تُرجِع إسرائيل هذا التصعيد إلى إطلاق «حزب الله» مسيّرات نحو قواتها، لكن نطاق الرد يتجاوز مواقع إطلاق النار المفترضة إلى مناطق مأهولة خارج «المنطقة الأمنية». ويُظهر الجهد العسكري الإسرائيلي محاولة لتكريس معادلة نارية غير متكافئة: اعتبار أي تحرك للحزب خرقاً للهدنة يستوجب رداً واسعاً، مقابل إعطاء غطاء دائم لعملياتها تحت مسمى «دفاع عن النفس».

استراتيجية السيطرة وتجريف مقومات الحياة
يُظهر الترابط الجغرافي بين عربصاليم وكفررمان والنبطية الفوقا أن الهدف من العمليات يتجاوز تدمير الأنشطة العسكرية إلى إيجاد نطاق أوسع يخضع للسيطرة الجوية والنارية الإسرائيلية بعد إعلان «السيطرة العملياتية» على تلة علي الطاهر.
طبيعة الأهداف المرصودة—من منازل وطرقات ومراكز صحية ومستشفيات ومكاتب وزارة المالية— تستهدف مقومات العيش الأساسية؛ ففي غياب المستشفيات والخدمات والبنية التحتية تعسر عودة الأهالي، ليتحول التهجير من نتيجة جانبية للحرب إلى أداة لإعادة هيكلة المنطقة ديموغرافياً وأمنياً.
تثير هذه الضربات تساؤلات قانونية حول الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب. أما توصيفها الجنائي كـ «جرائم حرب» فيظل مرتهناً بتحقيقات مستقلة تفحص طبيعة الأهداف والمعلومات التي سبقت القصف.

«الخط الرمادي»: إعادة تموضع لا انسحاب
بالتوازي، تتناول تقارير إسرائيلية خطة لنقل القوات من «الخط الأصفر» إلى «الخط الرمادي» بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل الحدود. ورغم تسويق الحركة كشكل من أشكال الانسحاب، إلا أنها عملياً إعادة انتشار تقلل الحاجة للعديد البشري مع الإبقاء على السيطرة بالنار والمسيّرات.
فالانسحاب الفعلي يتطلب العودة للحدود الدولية وانتشار الجيش اللبناني، بينما التموضع داخل الأراضي اللبنانية مع منع الأهالي والجيش من دخول مناطق واسعة هو استمرار للاحتلال بأدوات جديدة.
يتزامن طرح «الخط الرمادي» مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي ببطء الانسحاب حتى نزع سلاح حزب الله، ما يجعل الطرح اختباراً للنوايا ومحاولة لكسب الوقت، بينما تتواصل العمليات وتظل السيادة اللبنانية معطلة.

«اتفاق الإطار» وثغرة المهل الزمنية
تتجلى ثغرة «اتفاق الإطار» الذي رعته واشنطن في ربطه للانسحاب الإسرائيلي بإزالة التهديد ونزع السلاح، دون وضع جدول زمني ملزم أو ضمانات للتنفيذ. هذا الترتيب منح إسرائيل ذريعة لمواصلة العمليات بدعوى عدم تحقق الشروط، مستفيدة من كسب الوقت وإدارة التفاوض بالتوازي مع تثبيت الوقائع ميدانياً.
أما الموقف الأمريكي، فيتجاوز فكرة «الضوء الأخضر» المباشر لكل غارة إلى غياب الضغط الفعلي لإلزام إسرائيل بجدول انسحاب محدد، ما أوجد بيئة تسمح بتمدد العمليات وتحول الراعي الدولي من ضامن للاتفاق إلى ميسّر لاختلاله.

الموقف الرسمي اللبناني وفرص إعادة التقييم
عكس كلام الرئيس جوزاف عون خطورة الوضع حين اعتبر الاعتداءات تجاوزاً لاتفاق وقف الأعمال العدائية، مطالباً واشنطن والمجتمع الدولي بالتحرك، وهو ما عكس اقتناعاً رسمياً بضعف الحماية الموفرة للبنان حتى الآن.
من جهته، شدد الرئيس نبيه بري على عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، داعياً للتعامل مع قضية الجنوب كقضية وطنية جامعة. ورغم عدم دعوته لإلغاء «اتفاق الإطار»، فإن تقاطع الموقفين يعزز التحرك نحو مراجعة الشروط اللبنانية.
رجحان التحرك الرسمي يتجه نحو رفع سقف التفاوض والضغط على واشنطن لتحقيق وقف فعلي لإطلاق النار، وإقرار جدول زمني للانسحاب وضمان عودة السكان وانتشار الجيش، بدلاً من الخروج الأحادي الذي قد يُستغل إسرائيلياً للتنصل من التزاماتها.

أبعاد إقليمية ومخاطر السيطرة الممتدة
تتقاطع أحداث الجنوب مع السياسة الإسرائيلية في غزة والضفة وجنوب سوريا. ورغم أن الجزم برغبة إسرائيل في ضم أجزاء من الجنوب يتطلب أدلة قاطعة، إلا أن المؤكد هو التوجه نحو فرض سيطرة أمنية طويلة الأمد.

خلاصة القول، الخطر الحقيقي، إذاً، لا يكمن في غارة إضافية فقط، بل في أن يتحول الاحتلال المؤقت إلى منطقة أمنية دائمة، والمفاوضات إلى وسيلة لكسب الوقت، والنزوح إلى واقع يصعب تغييره.

لقد وصل لبنان إلى لحظة مراجعة لا تحتمل التأجيل: فإما أن ينتج موقفاً وطنياً موحداً يربط استمرار التفاوض بوقف الاعتداءات والانسحاب وعودة السكان، وإما أن يجد نفسه يناقش تفاصيل اتفاق يتغير مضمونه كل يوم تحت القصف، فيما تنتقل إسرائيل من السيطرة على المرتفعات إلى التحكم بمستقبل الجنوب كله.

https://hura7.com/?p=84399

الأكثر قراءة