الإثنين, فبراير 9, 2026
21.9 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

من مفاوضات عُمان إلى زيارة وزير خارجية إيران لبيروت

تسخين... إعمار... ومستشار

الدكتور محمد حلاويد. محمد حلاوي

 

جريدة الحرة ـ بيروت

تصريحات رنّانة، زيارات على مستوى عالٍ، وفود عربية ودولية زارت لبنان وأخرى في طريقها، مواقف جريئة، ودول أعادت السماح لمواطنيها بزيارته بعد منع طويل، وأخرى ستسير على النهج نفسه قريباً… تلك هي حصيلة الأسابيع القليلة الماضية، والتي ترسم بمجملها خارطة علاقات داخلية وخارجية متقدمة، وبوادر انفراجات واسعة، وصيفًا حافلاً بضيوف لبنان.

تبريد التسخين

تمّ أخيرًا احتواء بوادر أزمة كادت تعرقل مسيرة العهد الجديد وعمل الحكومة، على خلفية تصريح مجتزأ لرئيس الحكومة اللبنانية، الدكتور نواف سلام، الأسبوع الماضي من الإمارات. فقد أثارت عبارة: “عصر تصدير الثورة الإيرانية قد انتهى” حفيظة جمهور “الثنائي الشيعي” وقياداته، رغم أن كلًّا من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة لم يتوقفا سابقًا عن التأكيد على مبدأ “حصرية السلاح” كما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري، دون أن يُسجَّل أيّ رد فعل على ذلك.

إلا أن إرادة جميع الأطراف، محليًا وخارجيًا، سارعت إلى احتواء الموقف، وتوضيح وجهات النظر، ما أعاد مسار الحكومة إلى سكّته الصحيحة. وجاءت زيارة وفد “كتلة الوفاء للمقاومة” إلى السراي عصر الأربعاء كآخر خطوة في عملية “تبريد التسخين”، بعدما أعلنت جميع الأطراف أن أبواب التواصل ما زالت مفتوحة، وأن الإشكال تمّ استيعابه واحتواؤه في مهده.

انتهى التذبذب السياسي بلا خاسر. فدولة الرئيس سلام بقي متسلحًا ببيانه الوزاري، وبمرجعيته السياسية المتمثلة بـ”اتفاق الطائف”، بينما صرّح النائب محمد رعد، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، من السراي الحكومي، بعد تلبية دعوة الرئيس سلام: “هذه الجلسة المختصرة مع رئيس الحكومة عالجنا فيها الكثير من القضايا التي لم نكن نتوقع معالجتها، وهي تتصل بإصلاحات نحن من أحرص الجهات السياسية على التصدي لها وإقرارها، كي ينطلق البلد إلى مرحلة مطمئنة”.

لكن ما حدث يجب أن يكون عبرة. فالتصريحات الرنّانة لا تغني ولا تُسمن من جوع، ولا تزال دوافعها مجهولة: هل كانت “غلطة شاطر”، أم شطارة صحفي محاور؟ أم ضعفًا في أداء المستشارين؟ أم أن العبارة المقصودة كانت تحمل أبعادًا ورسائل أخرى؟

زيارة عراقجي إلى بيروت

علاقات من دولة إلى دولة

إن تبريد التوتر واستقرار التذبذب الداخلي لا ينفصلان عن تطورات خارجية إيجابية أخرى، أبرزها الزيارة الرسمية اللافتة التي قام بها وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى بيروت يوم الإثنين الماضي.

وقد توقفت مصادر سياسية مطلعة عند دلالات جولة الوزير الإيراني والمواقف التي أطلقها. ورغم أن هذه المواقف لم تُدرج صراحة ضمن سياق رسمي شامل، إلا أنها عززت المؤشرات على بداية فصل جديد في العلاقات بين لبنان وإيران، يقوم على مبدأ: علاقات من دولة إلى دولة، في مناخ جديد ساهمت الجولة في ترسيخه.

وكما أفادت بعض المصادر، فإن الوزير الإيراني جاء إلى بيروت رافعاً شعار: “فتح صفحة جديدة بلا تدخل في الشأن الداخلي اللبناني”، وطرَح جملة من المواقف البارزة، أبرزها تعزيز العلاقات الثنائية؛ ترسيخ الاحترام المتبادل؛ السعي نحو المصالح المشتركة؛ دعم استقلال لبنان؛ دعم أي حوار لبناني داخلي؛ واستعداد إيران للمساهمة في إعادة الإعمار.

يُخطئ من يعتقد أن هذا التحول اللافت في الموقف الإيراني بعيدٌ عن المفاوضات الجارية في سلطنة عُمان. ويُخطئ أيضاً من يُصدّق تصريحات الطرفين الأميركي والإيراني التي تصف المفاوضات بأنها “صعبة ومعقدة وتواجه بوادر فشل”، إذ إن سلوك الجانبين يشير إلى عكس ذلك. وأوضح مؤشّر على تقدّم هذه المفاوضات هو زيارة عراقجي إلى لبنان وما تضمّنته من رسائل إيجابية، كما ورد أعلاه.

إقالة أورتاغوس

أما على المستوى الأميركي، فالتغييرات في الطاقم المسؤول عن ملف الشرق الأوسط تُعد من أبرز الإشارات إلى أننا أمام مرحلة جديدة للمنطقة بأسرها. ومن بين هذه المؤشرات أيضاً، إقالة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس من مهامها، نتيجة للتطورات الأخيرة. فوجودها لم يعد يخدم المرحلة المقبلة، بل أصبح يشكّل عبئاً على الإدارة الأميركية، خاصة بعد مواقفها الاستفزازية التي أحرجت الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يحظى بثقة كاملة من الإدارة الأميركية الجديدة، بحسب مصادر سياسية مطلعة.

وعليه، فإن المنطقة عموماً، ولبنان خصوصاً، يقفان على أعتاب تحولات دراماتيكية إيجابية، في حال نجاح المفاوضات في سلطنة عُمان.

غير أن التهديد الأكبر يبقى في التصرفات غير المحسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لا يبدو مرتاحاً لهذا المسار التفاوضي، وقد يُقدم على إفشاله عبر توجيه ضربة عسكرية إلى إيران. خطوة كهذه قد تُغرق المنطقة بأكملها في نفق مظلم لا تُعرف نهايته.

إعادة الإعمار

يُعتبر هذا الملف من أهم مؤشرات التحوّلات الدراماتيكية، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي. لكن، وبعد التطورات الأخيرة المشار إليها أعلاه، يبدو أن ملف إعادة الإعمار قد وُضع على نارٍ حامية، بعدما كان مركونًا في زوايا مظلمة. وتدل على ذلك مجموعة من المؤشرات:

  • وعد مصري وعراقي تلقّاه الرئيس جوزيف عون خلال زيارته الرسمية إلى كل من مصر والعراق الشهر الماضي، بالمساهمة الفعّالة في عملية إعادة الإعمار.
  • تعهّد قطعه دولة الرئيس نواف سلام لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، بداية الأسبوع الحالي، بإدراج ملف تقدير أضرار الحرب الأخيرة على جدول أعمال مجلس الوزراء في أسرع وقت ممكن، لا سيّما بعد الموافقة الإيجابية من البنك الدولي على تأمين مبلغ 400 مليون دولار لهذا الملف.
  • الزيارة المتوقعة للموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت الأسبوع المقبل، بعد عطلة عيد الأضحى، في أول زيارة له منذ انتخاب جوزيف عون رئيسًا، وذلك لمناقشة عدة قضايا، أبرزها: “إعادة تعويم الطرح المتعلق بعقد مؤتمر دولي جديد لحشد الدعم الدولي والخليجي لإعادة الإعمار في لبنان”.
  • موقف وزير الخارجية الإيرانية خلال لقائه في قصر بعبدا، حيث أعرب عن استعداد بلاده لدعم إعادة الإعمار، سواء عبر شركات إيرانية أو من خلال تقديم منح مالية وعينية إلى الحكومة اللبنانية لهذا الغرض.
تعيين حمية مستشاراً

ومن أبرز المؤشرات ما أقدم عليه رئيس الجمهورية اللبنانية يوم الثلاثاء الماضي، فور خروج وزير الخارجية الإيراني من القصر الجمهوري، بتعيين وزير الأشغال السابق المحسوب على “حزب الله”، علي حمية، مستشارًا لإعادة الإعمار.

خطوة، وبعكس ما اعتبرها البعض، يسعى الرئيس عون من خلالها أولًا إلى إظهار جديّته في ملف إعادة الإعمار، وثانيًا إلى تبديد مخاوف “حزب الله” وبيئته، وصولًا إلى تنفيذ بنود خطاب القسم، ونزع السلاح، وفرض السيادة الوطنية على كامل الأراضي اللبنانية.

أخيرًا، وأمام هذه التحولات، فإن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية للاستفادة من التغيرات في المحيط، وربما تكون الأخيرة. فقد اعتاد السياسيون اللبنانيون إضاعة الفرص، نتيجة مراهقتهم السياسية وعجزهم عن بلوغ سنّ الرشد الوطني.

أما الخوف الحقيقي، فيكمن في غياب اليقين إزاء التحولات الخارجية، بسبب انشغال المسؤولين اللبنانيين بمصالحهم الشخصية، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية من جهة، وتأثيرات الانتخابات البلدية التي جرت الشهر الماضي على بعض القوى السياسية من جهة أخرى.

وأهم ما يجب التوقف عنده مليًّا هو مبادرة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، من خلال عقد الاجتماع الرباعي السعودي – السوري – التركي – الأميركي في الرياض الشهر الماضي، والحديث عن الدور الجديد لسوريا في المنطقة، وانعكاسات هذا الدور سياسيًا واقتصاديًا على لبنان.

فإمّا أن يكون لبنان بلدًا فاعلًا، مرفوع الرأس في محيطه، أو أن يبقى تابعًا ومفعولًا به، كما كان في الماضي.

أستاذ جامعي ـ كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية

 

https://hura7.com/?p=56700

 

 

 

 

 

 

 

الأكثر قراءة