جريدة الحرة بيروت

بقلم د. محمد حلاوي
ليست كل التحولات الكبرى في التاريخ تبدأ بحرب، ولا تنتهي بتوقيع اتفاق. فكثيراً ما تبدأ بلحظة تدرك فيها الدول أن البيئة الاستراتيجية من حولها تغيّرت، وأن عليها أن تختار بين أن تصنع موقعها الجديد بنفسها أو أن يكتبه الآخرون عنها. والشرق الأوسط يعيش اليوم واحدة من تلك اللحظات المفصلية، حيث تهتز خريطة النفوذ وتتغير موازين القوى. وفي قلب هذه التحولات، يقف لبنان أمام فرصة نادرة للانتقال من موقع الساحة والمستقبل للتطورات إلى موقع اللاعب والمبادر.
تقاطع الميدان مع الدبلوماسية: قراءة في توقيت الزيارة
في هذا السياق، لا يمكن قراءة زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى البيت الأبيض باعتبارها زيارة بروتوكولية أو محطة عابرة، كما لا يمكن اختزالها في الصور وعبارات المجاملة. فالقيمة الحقيقية للزيارة تكمن في توقيتها، وفي قدرتها المحتملة على تحويل التحولات الإقليمية إلى مشروع لبناني لاستعادة الدولة وسيادتها.
وما يمنح هذه الخطوة أبعاداً إضافية هو تزامنها مع بدء تنفيذ الإطار التجريبي في “زوطر الغربية”، بما يحمله من دلالات على انتقال التفاهمات من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التطبيق الميداني. وللمرة الأولى منذ سنوات، بدا وكأن لبنان يحاول الربط بين الميدان والدبلوماسية ضمن رؤية واحدة تقودها الدولة اللبنانية. غير أن نجاح هذه المحاولة لا يُقاس بحجم الاستقبال في واشنطن، بل بقدرة المؤسسات الشرعية على ملء الفراغ السياسي والأمني الناجم عن تراجع بعض مراكز النفوذ، لضمان عدم الانتقال من وصاية إلى أخرى.
شروط النجاح ومقاربة واشنطن الجديدة
إن السؤال الحقيقي ليس ماذا قيل عن لبنان في واشنطن، بل ماذا يستطيع لبنان أن يفعل بهذه اللحظة؟ من هنا، فإن معيار النجاح يتوقف على مدى اقتران هذا الزخم بالثوابت المعلنة: تثبيت وقف إطلاق النار بصورة دائمة، الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة، عودة الأسرى، إطلاق ورشة إعادة الإعمار، وتمكين الجيش من بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
واللافت أن محادثات البيت الأبيض لم تقتصر على الملف الأمني، بل امتدت لتشمل الاقتصاد، الطاقة، الاتصالات، ودعم الجيش، مما يشير إلى أن المقاربة الدولية لم تعد محصورة في إدارة الأزمات، بل في النظرة إلى استقرار الدولة كإطار سياسي واقتصادي متكامل. يكتمل هذا المعنى مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن ستتعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية، وهي رسالة صريحة بأن المجتمع الدولي يريد مخاطبة المؤسسات الرسمية بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على تنفيذ الالتزامات.
ترتيب الأولويات والواقع الميداني
من هذه الزاوية، أدار الرئيس عون لقاءه في واشنطن؛ ورغم أن ملف السلاح كان حاضراً بقوة، فقد أعاد الرئيس ترتيب الأولويات واضعاً الانسحاب الإسرائيلي، دعم الجيش، وإعادة الإعمار في المقدمة، انطلاقاً من أن معالجة الأوضاع الداخلية لا تنفصل عن استكمال السيادة على الأرض.
وتتأكد هذه الرؤية بالرمزية التي حملها رفع العلم اللبناني من قبل رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام في “زوطر الغربية” صباح يوم الثلاثاء 22 تموز بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها؛ فرفع العلم ليس إجراءً إدارياً، بل رسالة مفادها أن السيادة تُستعاد على الأرض لا في العواصم. لكن الوقائع تفرض أيضاً قراءة متوازنة؛ فالاحتلال لا يزال قائماً في أجزاء من الأرض، الخروقات مستمرة، وملف إعادة الإعمار يواجه تحديات حقيقية، ما يعني ضرورة التمييز بين بداية المسار واكتماله.
التوافق الداخلي كسياج للسيادة
إن استثمار هذه اللحظة يبقى مرهوناً بعامل داخلي أساسي، وهو بناء توافق وطني حول مفهوم الدولة نفسها؛ فالدول لا تحميها البيانات الدولية بل اتفاق أبنائها على مرجعية مؤسساتها. ومن هنا، فإن النقاش حول مستقبل السلاح والاستراتيجية الدفاعية ينبغي ألا يغرق في السجالات السياسية، بل يجب وضعه في إطاره الأوسع: كيف نبني دولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها وتملك وحدها حق استخدام القوة المشروعة؟
لقد بات المجتمع الدولي ينظر إلى الدولة اللبنانية كشريك في التفاهمات، لكن القدرة على التنفيذ مسؤولية تقع أولاً على عاتق اللبنانيين أنفسهم. واليوم، تفتح التحولات الإقليمية مساحة ليختار لبنان شكل دولته، ولن يُقاس النجاح بعدد اللقاءات بل بالقدرة على إقامة مشروع وطني طويل الأمد يعيد الثقة بالمؤسسات ويؤسس لاقتصاد منتج.
خلاصة القول، إن زيارة واشنطن ليست هدفاً بل وسيلة تُقاس نتائجها بما تحققه؛ فإن تحولت إلى انسحاب كامل واستقرار ودولة قوية، أصبحت محطة تأسيسية لبناني جديد، وإلا ستنضم إلى قائمة الفرص الضائعة.
لقد تمثلت المعضلة التاريخية للبنان دائماً في المسارعة إلى البحث عن نفوذ خارجي بديل كلما تراجع نفوذ آخر، بدلاً من أن تملأ الدولة الفراغ بنفسها. واليوم، يقف اللبنانيون أمام فرصة لكسر هذه الحلقة والتأكيد على أن مستقبلهم لا يُكتب في الخارج، بل يُكتب في بيروت، يُحمى في الجنوب، ويُترجم عبر مؤسسات الدولة والدستور. فالدول تصنعها قدرة شعوبها على تحويل اللحظة التاريخية إلى مشروع دائم، وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي يواجهه لبنان اليوم.


