جريدة الحرة
خاص ـ أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة إلى شرق البحر الأبيض المتوسط أن فرنسا ودولا أخرى راغبة ستشكل مهمة دفاعية لإعادة فتح مضيق هرمز بعد أن أثرت الهجمات الإيرانية بشدة على إمدادات الطاقة العالمية. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد التوترات في المنطقة وما نتج عنها من اضطرابات في حركة الملاحة البحرية وارتفاع ملحوظ في أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.
وقال ماكرون: “إننا نقوم بإنشاء مهمة دفاعية بحتة مع دول أوروبية وغير أوروبية”، مضيفا أن المهمة سترافق سفن الحاويات وناقلات النفط بهدف تأمين مرورها وضمان استمرار تدفق الطاقة عبر هذا الممر البحري الحيوي. ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية. ولهذا فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
تم الإعلان عن هذه المبادرة خلال اجتماع عقد في قبرص بحضور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، حيث ناقش القادة الثلاثة سبل تعزيز الأمن البحري في المنطقة والتنسيق بين الدول الأوروبية لمواجهة تداعيات الصراع المتصاعد.
كما تطرقت المناقشات إلى أهمية الحفاظ على استقرار طرق التجارة الدولية ومنع تحول التوترات العسكرية إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي. أدى تصاعد الصراع مع إيران إلى استهداف أحد أهم طرق شحن النفط والغاز العالمية، مما تسبب في تعطيل شحنات الطاقة وارتفاع أسعار النفط إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل في بعض الفترات.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار التوترات إلى مزيد من التقلبات في الأسواق العالمية، خاصة في ظل اعتماد العديد من الدول الأوروبية والآسيوية على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
حذرت إيران من أنها “ستحرق أي سفينة” تحاول المرور عبر المضيق إذا استمرت العمليات العسكرية ضدها، وهو ما زاد من المخاوف بشأن سلامة الملاحة البحرية في المنطقة.
كما دفعت هذه التهديدات العديد من شركات الشحن الدولية إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية أو فرض رسوم تأمين إضافية على السفن التي تعبر المضيق، الأمر الذي قد يرفع تكاليف النقل البحري ويؤثر في أسعار السلع والطاقة عالميا. في ضوء هذه التطورات، طلبت دول الخليج من الاتحاد الأوروبي تقديم دعم بحري إضافي للمساعدة في حماية السفن التجارية وتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويعكس هذا الطلب إدراك الدول الخليجية لأهمية الدور الأوروبي في الحفاظ على أمن الممرات البحرية الدولية، خاصة في ظل تزايد المخاطر الأمنية في المنطقة.
مهام الاتحاد الأوروبي البحرية
يمتلك الاتحاد الأوروبي بالفعل خبرة في إدارة العمليات البحرية الدولية، حيث يشرف على عدد من المهام العسكرية والأمنية الهادفة إلى حماية الممرات البحرية ومكافحة القرصنة وضمان حرية الملاحة. ومن بين هذه المهام العملية المعروفة باسم عملية أتالانتا التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تعمل في المحيط الهندي وخليج عدن بهدف مكافحة القرصنة وتأمين السفن التجارية.
كما أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية أخرى في البحر الأحمر تعرف باسم عملية أسبيدس التابعة للاتحاد الأوروبي، وتهدف إلى حماية السفن التجارية من الهجمات التي تهدد الملاحة الدولية في تلك المنطقة الحيوية. وقد أعلنت فرنسا أنها ستساهم في هذه المهمة من خلال إرسال فرقاطتين إضافيتين لتعزيز القدرات الدفاعية للعملية.
ورغم هذه الجهود، دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الدول الأوروبية إلى توحيد جهودها وتنسيق مواقفها بشكل أكبر لضمان نجاح المهمة الجديدة المقترحة في مضيق هرمز.
وقال في هذا السياق: “نحن بحاجة إلى إظهار تضامننا الأوروبي”، مشيرا إلى أن أمن الممرات البحرية لا يخص دولة بعينها بل يمثل مصلحة مشتركة لجميع الدول الأوروبية. جاء هذا التصريح في وقت كانت فيه المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي يناقشان إمكانية إدخال تعديلات وتحسينات على العمليات البحرية الحالية للاتحاد الأوروبي.
وقد جرت هذه المناقشات بعد سلسلة من المشاورات مع عدد من دول الشرق الأوسط التي تأثرت بشكل مباشر بتداعيات الحرب في إيران.
مزيد من الدعم لقبرص
إلى جانب القضايا المرتبطة بأمن الملاحة البحرية، ركز القادة الأوروبيون أيضا على مسألة دعم قبرص وتعزيز قدراتها الدفاعية في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة. فقد أشاد رؤساء الدول الثلاثة بالتعاون القائم بينهم لحماية العاصمة القبرصية نيقوسيا من أي هجمات محتملة.
وكانت اليونان أول دولة تبادر بإرسال دعم عسكري إلى قبرص، حيث نشرت أربع طائرات مقاتلة من طراز إف‑16 فايتينغ فالكون إضافة إلى فرقاطة بحرية في المنطقة خلال الأسبوع الماضي. وجاءت هذه الخطوة في إطار تعزيز الإجراءات الدفاعية والاستعداد لأي تطورات أمنية محتملة في شرق البحر المتوسط.
وسرعان ما تبعت هذه الخطوة مبادرات مماثلة من قبل عدد من العواصم الأوروبية الأخرى، حيث أعلنت دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا عن استعدادها لتقديم المزيد من الدعم العسكري واللوجستي لقبرص.
ويعكس هذا التحرك رغبة أوروبية في إظهار التضامن مع إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة في المنطقة. ومع ذلك، دعا الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف جهوده بشكل أكبر وعدم الاكتفاء بالإجراءات الحالية.
وقال في هذا السياق: “يجب على الاتحاد الأوروبي أن يشارك بشكل أكثر فعالية وتماسكا في المنطقة الأوسع كجزء من نهج متكامل”، مؤكدا أن التحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة تتطلب استجابة أوروبية جماعية ومنسقة.
بند الدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي
أعادت الهجمات الأخيرة على قبرص تسليط الضوء على بند الدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي المعروف بالمادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي. وينص هذا البند على أن الدول الأعضاء ملزمة بتقديم المساعدة والدعم لأي دولة عضو تتعرض لعدوان مسلح على أراضيها.
وفي هذا السياق، يناقش الدبلوماسيون والخبراء في بروكسل حاليا كيفية تفعيل هذا البند بشكل عملي في ظل التحديات الأمنية الجديدة. ويرى رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس أن الجهود المشتركة التي تبذلها الدول الأوروبية لحماية قبرص تظهر أن هذا البند قد تم تفعيله بالفعل “عمليا”، حتى وإن لم يتم الإعلان رسميا عن تفعيله حتى الآن.
لم تقم نيقوسيا حتى هذه اللحظة بتفعيل هذه الآلية رسميا، ربما بسبب رغبتها في الحفاظ على هامش من المرونة الدبلوماسية وتجنب تصعيد إضافي للتوترات الإقليمية. وفي ختام تصريحاته، شدد ميتسوتاكيس على أهمية التضامن الأوروبي في مواجهة الأزمات، قائلا: “إذا لم نتكاتف في مثل هذه الأزمة، فكيف سنواجه التهديدات في المستقبل؟”.
وأضاف مؤكدا: “حان الوقت الآن للتأكيد على أن كل شبر من الأراضي الأوروبية مصون لا ينتهك”. تعكس هذه التصريحات إدراكا متزايدا لدى القادة الأوروبيين بأن التحديات الأمنية في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط لم تعد بعيدة عن أوروبا، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بأمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز حضوره العسكري والدبلوماسي في المنطقة، بهدف حماية مصالحه الحيوية وضمان استقرار طرق التجارة الدولية في ظل عالم يشهد تصاعدا متزايدا في الأزمات والصراعات.


