جريدة الحرة بيروت
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
تصفح الدراسة PDF موارنة لبنان من لبنان الكبير إلى تبني الفدرالية
جريدة الحرة بيروت ـ لم تكن الفدرالية، منذ قيام لبنان الكبير على أساس جماعات طائفية، خيارًا ثابتًا في الحياة السياسية اللبنانية، بل ظهرت كلما اهتزت ثقة أحدها بقدرة الدولة على حمايتها، أو شعرت بأن الصيغة الدستورية القائمة لم تعد تعكس موازين القوى أو تؤمن لها الشراكة التي تنشدها. ومن هذه الزاوية، فإن الفدرالية ليست نقطة الانطلاق لفهم الأزمة اللبنانية، بل هي إحدى نتائجها. فهي تعكس تراجع الثقة بالدولة المركزية، وبقدرة جيشها على احتكار القوة الشرعية أكثر مما تعبّر عن اقتناع نظري بنظام دستوري بديل.
ومن اللافت أن الموارنة، الذين ارتبطوا تاريخيًا بقيام لبنان الكبير والدفاع عنه، لم يكونوا في طليعة الداعين إلى الفدرالية. فقد رأوا، طوال عقود، أن لبنان الموحد يشكل الإطار الأفضل لصون الكيان والحفاظ على تنوعه، ومنع ذوبانه في محيطه. لكن التحولات التي شهدها لبنان منذ حربه الداخلية في العام 1975 والدخول السوري إليه، وتبدل موازين القوى بعد اتفاق الطائف، وصعود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة ممثلة بحزب الله، دفعت قسمًا منهم إلى إعادة النظر في هذا الخيار، والبحث عن صيغ دستورية جديدة، كان أبرزها الفدرالية والعودة إلى لبنان الصغير.
غير أن فهم أسباب هذا التحول يختلف عن التسليم بصواب نتائجه. فقبل مناقشة مدى قدرة الفدرالية على معالجة الأزمة اللبنانية، لا بد من الإجابة عن سؤال أساسي: كيف انتقل قسم من الموارنة من الدفاع عن الدولة المركزية إلى إعادة طرح الفدرالية؟ وما هو تأثير انضمام القوات اللبنانية إلى هذا الخيار في التوجه نحو النظام الفدرالي؟
أولًا: من الدفاع عن لبنان الموحد إلى إعادة طرح الفدرالية
لم تولد الفدرالية في البيئة المسيحية اللبنانية، بل سبقتها طروحات ظهرت في أوساط السنّة خلال السنوات الأولى لقيام لبنان الكبير، حين رفض بعض قياداتهم السياسية الكيان الجديد خشية أن يتحولوا إلى أقلية داخل الكيان اللبناني الجديد. وقد رأى غالبية السنّة أن ارتباط لبنان بسورية أو إعادة النظر في حدوده أكثر انسجامًا مع هويته العربية. وفي خضم ذلك، جرى تداول الفدرالية بوصفها إحدى الصيغ الممكنة لمعالجة التباينات الداخلية، لكنها بقيت فكرة هامشية، ولم تتحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ.
وبعد الاتفاق على “الميثاق الوطني” والتعاون السياسي الذي حصل بين المسيحيين والمسلمين، بدأت العروبة تتحول منذ الخمسينيات إلى مشروع قومي عربي وحدوي بزعامة عبد الناصر يجذب المسلمين، تبعه نصرة الأخيرين ومعهم اليسار اللبناني للمقاومة الفلسطينية في لبنان بعد الحرب الإسرائيلية-العربية في العام 1967، من دون الاكتراث لتداعيات ذلك، وخاصة اتفاق القاهرة في العام 1969، على سيادة الدولة اللبنانية، وعلى التوازن بين الطوائف، وما حققه الاقتصاد اللبناني بقطاعاته الخدماتية من ازدهار لافت في المنطقة. فعادت الفدرالية إلى الواجهة خلال حرب لبنان، ولكن في سياق مختلف تمامًا. فقد اعتبر قسم من المسيحيين، خاصة الموارنة أن الوجود العسكري الفلسطيني، وانخراط لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي، وما رافقه من تراجع سلطة الدولة والجيش، أخلّ بالتوازنات الطوائفية التي قام عليها لبنان. وفي هذا المناخ، طرح حزب الوطنيين الأحرار مشروعًا فدراليًا، كما برزت كراسات “القضية اللبنانية” الصادرة عن جامعة الروح القدس – الكسليك والرهبانية اللبنانية المارونية، التي لم تدعُ صراحة إلى تقسيم لبنان، لكنها شككت في قدرة الدولة المركزية على إدارة مجتمع متعدد الطوائف، واقترحت إعادة تنظيم السلطة على أسس تمنح المناطق صلاحيات أوسع، الأمر الذي جعلها أحد أبرز المنابع الفكرية للنقاش الفدرالي في تلك المرحلة.
إلا أن اتفاق الطائف الذي أنهى حرب لبنان أدى إلى تراجع هذا الطرح، بعدما راهن قسم كبير من المسيحيين عليه بأن يشكل مدخلًا لإعادة بناء الدولة واستعادة السيادة. لكن التطبيق العملي للاتفاق جاء مختلفًا عن الآمال التي عُلقت عليه. فقد دخل لبنان في مرحلة الهيمنة السورية، وشعر كثير من المسيحيين بأن دورهم في الحياة السياسية تقلص، وأن مبدأي التوازن والمناصفة اللذين كرسهما اتفاق الطائف لم يطبقا على النحو الذي كان مأمولًا. وفي ظل التوافق السوري-الإيراني، ظهر حزب الله كمقاومة إسلامية مسلحة لتحرير الجنوب المحتل منذ العام 1982، بتبعية كاملة لإيران، وكحليف لحركة أمل كثنائي يختصر الطائفة الشيعية بعد التحارب بينهما في النصف الثاني من الثمانينيات.
وبعد تحرير الجنوب في العام 2000، احتفظ حزب الله بسلاحه، واستخدمه في الاستقواء على الداخل، سياسة ومجتمعا وثقافة. وشكل العام 2005 محطة مفصلية في تاريخ لبنان المعاصر. فخروج الجيش السوري من لبنان أعاد الأمل بقيام دولة سيدة، إلا أن هذا الأمل لم يدم طويلًا، إذ لم تستعد الدولة احتكارها للقرار السياسي والأمني والعسكري، بينما ملأ حزب الله الفراغ وتحوّل إلى لاعب مؤثر يمتلك قوة عسكرية ضخمة مستقلة إلى جانب الجيش اللبناني، استغلها لقلب التوازنات، خصوصا منذ أيار 2008 ضد قوى 14 أذار.
وبفضل تبادل المصالح بين حزب الله والأحزاب والقوى السياسية (حماية الفساد مقابل الحفاظ على سلاحه)، تمكن الحزب من رسم السياسات الداخلية والخارجية للبنان، مستندًا إلى سلاحه وتحالفاته الإقليمية. ثم تعزز هذا الواقع مع تدخله في الحرب السورية منذ العام 2012، وازداد حضوره في القرارات المصيرية التي اتخذت خارج المؤسسات الدستورية وفي مقدمها “تفاهم مار مخايل” شباط 2006، و”التسوية الرئاسية” التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة الأولى، وسعد الحريري إلى الرئاسة الثالثة في العام 2016، الأمر الذي أرضى التيار الوطني الحرّ والسنّة المؤيدين لتيار المستقبل، لكنه شق الصف المسيحي والوطني، وعمّق شعور قسم من المسيحيين بالتهميش، وبأن الدولة لم تعد المرجعية الوحيدة في إدارة الشأن الوطني.
ومنذ الانتفاضة اللبنانية في العام 2019، تعزز هذا الشعور مع استمرار الانهيار المالي والمؤسساتي، وعجز الدولة عن تنفيذ الإصلاحات أو فرض سيادتها الكاملة على أراضيها وشعبها، بينما رأت قوى مسيحية أن المتغيرات الإقليمية، وأي تفاهمات دولية قد تمنح إيران دورًا مستمرًا في المنطقة، ستنعكس تلقائيًا على موقع حزب الله داخل لبنان. وهكذا، لم يكن انتقال قسم من الموارنة إلى إعادة طرح الفدرالية نتيجة تبني نظرية سياسية جديدة، بقدر ما كان تعبيرًا عن تراجع الثقة بالدولة، بعد أن رأى مؤيدو هذا الطرح أنها لم تعد قادرة على أداء وظائفها الأساسية، وفي مقدمها سيادتها على أراضيها وعلى قرارها أو الإمساك بشعبها. ومن هنا، انتقل النقاش من الدفاع عن الدولة إلى البحث عن بدائل لصيغتها الراهنة.
ثانيًا: لماذا عاد قسم من الموارنة إلى طرح الفدرالية؟
لا يمكن فهم عودة الفدرالية إلى الخطاب السياسي لدى قسم من الموارنة من خلال النصوص الدستورية وحدها، بل من خلال التحولات التي أصابت موقع الدولة اللبنانية ووظيفتها منذ اتفاق الطائف. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بإعجاب مفاجئ بنظام فدرالي مطبق بنجاح في دول أخرى، بقدر ما ترتبط بتراجع الثقة بقدرة الدولة على القيام بالدور الذي أُنيط بها منذ قيام لبنان الكبير.
صحيح أن معظم المسيحيين قبلوا باتفاق الطائف على مضض، بعدما أنهكتهم الحرب، على أمل أن يؤدي إلى إعادة بناء الدولة وإنهاء الصراعات الداخلية واستعادة السيادة الوطنية. لكن السنوات التي أعقبت الاتفاق أظهرت، في نظر كثيرين منهم، أن لبنان انتقل من مرحلة الحرب إلى مرحلة الهيمنة السورية والتلاعب بالمؤسسات وبالقوانين والدستور، وأن التوازنات التي أقرها الطائف خضعت لموازين القوى التي فرضتها دمشق على الحياة السياسية. ثم جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 ليقلب المشهد اللبناني رأسًا على عقب. وبعد انسحاب الجيش السوري، برز حزب الله بوصفه القوة العسكرية والسياسية الأكثر تأثيرًا في البلاد، في حين تدهورت علاقة السنّة بالثنائي الشيعي، ولا سيما بحزب الله. وازداد هذا الشعور بعد حرب تموز 2006، واجتياح بيروت في العام 2008، ثم مع انخراط الحزب في الحرب السورية منذ العام 2012، حيث بدا لكثيرين أن لبنان أصبح أكثر ارتباطًا بصراعات إقليمية لا تملك الدولة قرار التحكم بها أو الانسحاب منها.
ومن هذا المنطلق، رأى دعاة الفدرالية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في توزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق، بل في عجز الدولة عن احتكار القرارات السيادية والأمنية والعسكرية. فعندما لا تسطيع الدولة أن تكون المرجعية الوحيدة في قضايا الحرب والسلم، ولا أن تفرض سلطتها على كامل أراضيها وشعبها، تصبح، في نظرهم، عاجزة عن ضمان المساواة الفعلية بين المواطنين والتوازن بين الطوائف.
كما أسهم الانهيار المالي والاقتصادي منذ العام 2019 في تعزيز هذه القناعة، بعدما كشف هشاشة مؤسسات الدولة، وأدى إلى تراجع غير مسبوق في الثقة بالطبقة السياسية وبقدرة النظام على إصلاح نفسه. ومع استمرار خرق الدستور والشلل السياسي وتعثر انتخاب رئيس للجمهورية لفترات طويلة، وتراجع الخدمات العامة، وتراجع أعداد المسيحيين إلى أقل من 30% من مجموع اللبنانيين، نتيجة لهجرة الشباب المسيحي “قرفا” من الوضع بوجوهه المختلفة، أو بسبب البطالة، بدا لكثيرين أن الأزمة لم تعد أزمة حكومات أو أشخاص، بل أزمة بنيوية تطال الدولة نفسها.
وزادت التطورات الإقليمية الأخيرة من هذا الشعور. فثمة من يرى أن أي تفاهمات دولية أو إقليمية تحصل إيران عليها تنعكس تلقائيًا على لبنان، بحكم العلاقة العضوية بين حزب الله وطهران. وقد تولد شعور لدى قسم من المسيحيين بفقدان دورهم التقليدي في إدارة الدولة، وهو شعور يلتقي، بدرجات متفاوتة، مع إحباط واسع لدى معظم اللبنانيين، باستثناء بيئة حزب الله. كما أن ابتعاد معظم الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها، عن لبنان بفضل حزب الله، عزز الاعتقاد لدى بعض المسيحيين بأن انتظار تبدل موازين القوى الإقليمية لم يعد خيارًا واقعيًا، وأن البحث عن صيغ داخلية جديدة قد يكون السبيل الوحيد لحماية ما يعتبرونه خصوصيتهم السياسية والثقافية داخل الكيان اللبناني.
ومع ذلك، فإن هذه العوامل لا تعني أن جميع المسيحيين أصبحوا مؤيدين للفدرالية، ولا أن القوى التي تطرحها تمتلك مشروعًا دستوريًا متكاملًا. فما زالت الطروحات تتراوح بين لامركزية موسعة ونظام فدرالي كامل، ويجمعها قاسم مشترك هو البديل من الدولة اللبنانية. ومن هنا، يمكن القول إن عودة الفدرالية إلى الخطاب السياسي الماروني ليست تعبيرًا عن انتصار فكرة دستورية جديدة، بقدر ما هي تعبير عن تراجع الإيمان بقدرة الدولة اللبنانية، بصيغتها الراهنة، على تحقيق السيادة والاستقرار وأماني اللبنانيين والشراكة المتوازنة. وبعد تفجير مرفأ بيروت، ووقوف الثنائي الشيعي ضد دعوة البطريرك الراعي إلى اعتماد الحياد الإيجابي في سياسة لبنان الخارجية، تعزز هذا الانطباع مع تعثر تنفيذ الوعود الواردة في خطاب القسم للرئيس جوزاف عون، والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام مطلع العام 2025 بحصر السلاح بيد الدولة.
وتزامن ذلك مع تورط حزب الله في حرب اسناد غزة في العامين 2023 و2024، وحرب اسناد إيران في أذار 2026، فضلا عن الغموض الذي أحاط بالتفاهمات الأميركية–الإيرانية الأخيرة. ومن تداعيات تلك الأحداث مجتمعة، إعلان قيادات في القوات اللبنانية التي تعد أقوى تكتل حزبي وسياسي وجماهيري ماروني تأييدها لطرح الفدرالية بعد أن ظل هذا الخيار، لسنوات، محصورًا في أوساط سياسية وفكرية محدودة. وهذا سوف يعزز تبنّي الفدرالية من قبل شريحة واسعة من الموارنة، ولن يبقى خارج هذا الطرح سوى تيار المردة. غير أن هذا التحول يقود إلى السؤال الجوهري: هل تشكل الفدرالية علاجًا للأزمة اللبنانية، أم أنها قد تعيد إنتاجها في إطار دستوري مختلف؟
ثالثًا: هل تشكل الفدرالية مخرجًا للأزمة اللبنانية؟
لا خلاف على أن الدعوة إلى الفدرالية تستند، في جانب منها، إلى اختلالات حقيقية يعاني منها لبنان منذ عقود، بينما يقف جيشه عاجزا عن حماية السيادة، إلى درجة عدم انصياع السفير الإيراني في لبنان لقرار الحكومة بمغادرة لبنان. غير أن الاعتراف بهذه الاختلالات لا يقود بالضرورة إلى التسليم بأن الفدرالية تشكل العلاج المناسب لها. فنجاح أي نظام فدرالي لا يتوقف على النصوص الدستورية وحدها، بل يفترض وجود دولة مركزية قادرة على فرض سيادتها، وقوى سياسية مؤمنة بقواعد اللعبة المشتركة، وثقافة وطنية تجعل الانتماء إلى الدولة يسمو على الانتماءات الأولية، وهذه الشروط لا تبدو متوافرة في لبنان بالقدر الكافي.
وتبرز الإشكالية الأولى في مسألة السيادة؛ فإذا كانت الدولة اللبنانية، بصيغتها المركزية الحالية، لم تتمكن حتى اليوم من احتكار قرار الحرب والسلم أو حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، فكيف يمكن لدولة فدرالية أن تحقق ذلك؟ إن تحويل لبنان إلى أقاليم طائفية لا يجيب، بحد ذاته، عن السؤال المتعلق بمصير السلاح، ولا يحدد الجهة التي تحتكر استخدام القوة، ولا يوضح من يقرر السياسة الدفاعية أو العلاقات الخارجية، حيث تبقى الاثنتان، وهما بؤرة الخلاف في لبنان الموحد، في يد الحكومة الفدرالية. وهذا قد يجعل الخلاف القائم اليوم ينتقل من مستوى الدولة الموحدة إلى مستوى العلاقة بين الأقاليم والسلطة الاتحادية، فتزداد الأزمة تعقيدًا بدل أن تنحسر.
وتبقى هنا الإشكالية الأكثر حساسية، إذا احتفظ حزب الله بسلاحه وبوظيفته الإقليمية كتابع لولاية الفقيه داخل الإقليم الفدرالي الشيعي الذي سيخضع له، فعندها يبقى جوهر الأزمة من دون حلّ. أما إذا انتقل هذا السلاح إلى سلطة الدولة الاتحادية وجيشها الواحد، فإن السؤال يطرح نفسه تلقائيًا: ما الذي يمنع تحقيق ذلك في ظل الدولة اللبنانية الحالية؟ ومن هنا، تبدو مسألة السلاح سابقة، منطقيًا ودستوريًا، على النقاش حول شكل الدولة، سواء أكانت مركزية أم فدرالية.
وتزداد هذه الإشكالية مع الطبيعة الجغرافية والديموغرافية للبنان. فالفدرالية نجحت في دول قامت أقاليمها على وحدات تاريخية أو جغرافية واضحة، بينما يتميز لبنان بتداخل سكاني واسع يجعل من الصعب رسم حدود تفصل بين الطوائف من دون أن تخلق أقليات جديدة داخل كل إقليم. فالمسيحيون والسنّة والشيعة والدروز ليسوا موزعين في مناطق مغلقة، بل يتشاركون مدنًا وبلدات عديدة، في حين تبقى بيروت نموذجًا للتداخل اللبناني بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإن أي تقسيم فدرالي سيطرح أسئلة معقدة حول حدود الأقاليم، وحقوق الأقليات داخلها، وحرية الإقامة والعمل والتملك، وهي قضايا قد تتحول، مع مرور الزمن، إلى مصادر نزاع دائم. ومثال نظام القائمقاميتين الذي مهد لاندلاع الحرب الأهلية في العام 1860، لا يزال حاضرا في الذاكرة التاريخية والشعبية.
ولا تقل المسألة الاقتصادية أهمية عن الجوانب السياسية والدستورية. فالتفاوت في الموارد والإمكانات بين المناطق اللبنانية وتموضع الطوائف جغرافيا يثير تساؤلات حول آلية توزيع العائدات العامة، ولا سيما إذا دخلت الثروة النفطية والغازية في جنوب لبنان مستقبلًا في الحسابات الداخلية. كما أن تحديد صلاحيات السلطة الاتحادية والأقاليم في إدارة الضرائب والإنفاق والاستثمار قد يفتح الباب أمام خلافات جديدة، بدل أن يشكل مدخلًا لمعالجة الأزمة المالية التي يعانيها لبنان.
وفي تقديرنا، إن الإشكالية الأعمق، تكمن في أن الدساتير لا تنجح بمعزل عن البيئة السياسية والاجتماعية التي تُطبَّق فيها. فلبنان لا يعاني الطائفية السياسية فحسب، بل أيضا الطائفية المجتمعية، وكلاهما يرفد الآخر بقيم الخصوصية ورفض “الآخر”. ولذلك، لا تكمن المشكلة في شكل الدولة بقدر ما تكمن في الثقافتين السياسية والمجتمعية التي تحكمهما. وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن معظم الأزمات الكبرى لا تعود إلى النصوص الدستورية وحدها، بل عن غياب التوافق حول مفهوم الدولة، وتقديم الولاءات الطائفية أو الحزبية أو الخارجية على الولاء الوطني. وإذا كانت هذه الثقافة قد عطلت عمل الدولة المركزية، فلا شيء يضمن ألا تنتقل إلى الدولة الفدرالية، فتتحول الأقاليم بدورها إلى ساحات للتنافس الطائفي، والصراع على النفوذ، واستدعاء التحالفات الخارجية، بدل أن تكون وحدات متعاونة داخل دولة فدرالية واحدة. ومن هنا، تبدو الفدرالية، في الظروف اللبنانية الراهنة، أقرب إلى معالجة نتائج الأزمة منها إلى معالجة أسبابها. فهي قد تمنح بعض الجماعات شعورًا أكبر بالأمان السياسي، لكنها لا تقدم، في حد ذاتها، جوابًا عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالسيادة، والسلاح، والهوية الوطنية، والعلاقة بين لبنان ومحيطه، وهي القضايا التي كانت، وما تزال، في صلب الانقسام اللبناني.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية النقاش الدائر حول تطوير النظام اللبناني أو توسيع اللامركزية الإدارية والمالية، أو البحث عن صيغ أكثر فعالية لإدارة التنوع. لكن الانتقال إلى الفدرالية، بعدما طفح كيل غالبية اللبنانيين، وخاصة المسيحيين، من دولة مسلوبة الإرادة والقرار، ممسوكة بسلاح غير شرعي، وغياب توافق وطني شامل على الأمور الأساسية، وتحولهم إلى أقلية ديموغرافية غير مؤثرة، في ظل استمرار الانقسام حول أسس الدولة نفسها، قد يفتح إشكاليات جديدة قبل أن تقدم حلولًا للمشكلات القائمة. هذا عدا غياب ثقافة “العيش المشترك” الأكذوبة بين اللبنانيين في لبنان الواحد الموحد. فكيف ستتعايش الطوائف اللبنانية إذن في أقاليم متناثرة، تديرها حكومة فدرالية مشكلة من زعماء الطوائف “الطائفيين” و”المذهبيين”، وجيش هو خليط طوائفي لن يستطيع السيطرة على الأرض أو حماية الدولة؟
استنتاج
إن عودة الفدرالية إلى الخطاب السياسي لدى قسم من الموارنة لا تعكس، في جوهرها، نشوء نظرية سياسية جديدة، بقدر ما تعكس أزمة ثقة عميقة بالدولة المركزية، بعد عقود من الحروب والوصايات والانقسامات الداخلية. ولذلك، فإن فهم هذا التحول يقتضي التعامل معه بوصفه نتيجة لمسار سياسي طويل، لا مجرد تبدل في الخيارات الدستورية.
ومهما بلغت حدة الأزمة الوجودية الراهنة، فلا تبدو مرتبطة بشكل الدولة وحده، بل بقدرة اللبنانيين على الاتفاق حول مفهوم الدولة نفسها، واحتكارها للسيادة، وخضوع الجميع لمؤسساتها وجيشها. ومن دون معالجة هذه المسائل، قد تجد الفدرالية نفسها أمام التحديات ذاتها التي واجهت الدولة المركزية في لبنان الموحد، وإن في إطار دستوري مختلف. فالمشكلة، في نهاية المطاف، هي قدرة اللبنانيين على بناء دولة يعترف الجميع بمرجعيتها، ويخضعون لسلطتها، ويضعون الانتماء إليها فوق أي انتماء آخر. ومن دون ذلك، قد تتغير بنية الدولة، بينما تبقى الأزمة هي نفسها. هذه الأزمة التي تتفاقم اليوم بالنزوح وتغيّر الديموغرافيا التي لا يمكن ضبطها في ظل احتلال إسرائيل لمناطق في الجنوب. من هنا، فإن الوصول إلى الفدرالية ليس خيارا تتخذه طائفة واحدة بجرّة قلم. كما أن تفكك لبنان إلى أقاليم اتحادية، وفشل هذه الصيغة مستقبلا، قد يعني سقوط الدولة الفدرالية وتقسيم لبنان إلى دويلات طائفية متحاربة دفاعا عن المصالح والحدود والثروات والخيارات السياسية. إن قرار الذهاب إلى الفدرالية لا تتخذه طائفة واحدة، بل يجب أن تتشارك فيه كل الطوائف.
رابط تحديث ..https://hura7.com/?p=80811


