الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

موسكو تتهم لندن وباريس بإرسال قنابل نووية إلى كييف؟

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في وقت تتصاعد فيه التوترات بين القوى الكبرى، يبدو أن العالم على أعتاب مرحلة جديدة من المخاطر النووية التي قد تترتب على تحركات كل من بريطانيا وفرنسا في سياق الأزمة الأوكرانية. حيث تشير التقارير إلى أن هاتين الدولتين الأوروبية قد تكونان في طور تزويد أوكرانيا بأسلحة نووية، وهو ما أثار موجة من القلق على الصعيدين الدولي والروسي على حد سواء. الدبلوماسية الروسية، بالإضافة إلى الإعلام الروسي، حذّرا بشدة من مغبّة هذه الخطوة، مؤكّدين أن هذه التحركات قد تعيد العالم إلى حافة الحرب النووية، التي كان الكثيرون يعتقدون أن تهديداتها قد زالت مع نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، تأتي تحذيرات الرئيس الروسي السابق، دميتري مدفيدف، الذي كتب على موقعه في “إكس” محذّراً من أن أي تصرف غير مسؤول من قبل أوروبا في هذا المجال قد يُفضي إلى استخدام روسيا للأسلحة النووية ضد أوكرانيا، سواء بشكل مباشر أو تكتيكي.

تحركات مقلقة بين لندن وباريس

بحسب جهاز المخابرات الروسية، فإن بريطانيا وفرنسا تعملان حاليًا على تحركات قد تؤدي إلى تزويد أوكرانيا بالأسلحة النووية. ويشمل ذلك نقل مكونات نووية وأجهزة لإيصال هذه الأسلحة، بما في ذلك الرأس الحربي الفرنسي TN75 الصغير الحجم، المستخدم في صواريخ M51.1 الباليستية التي تطلق من الغواصات. هذه التحركات من قبل لندن وباريس أثارت القلق في موسكو، حيث تؤكد التقارير الروسية أن هذه الخطوة لا تمثل تهديدًا فقط للأمن الروسي، بل قد تفتح الباب أيضًا لتقويض نظام عدم انتشار الأسلحة النووية الذي تم بناءه على مدى عقود من الزمن.

الدبلوماسية الروسية ترى أن أي دعم غربي لأوكرانيا في هذا المجال قد يجعل كييف في وضع يمكنها من فرض شروط أفضل لإنهاء الأعمال العدائية مع روسيا. ويعتبر هذا التصور من قبل النخب في بريطانيا وفرنسا خطوة استراتيجية قد تحسم مجريات الصراع، لكن على المدى الطويل، هذه الخطوة ستزعزع استقرار النظام العالمي القائم على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

التداعيات على الأمن الروسي والعالمي

في الوقت الذي تشهد فيه التحركات الغربية تلك المواقف من قبل روسيا، يتزايد التحذير من أن هذه الخطوات قد تُغير المعادلة الأمنية العالمية بشكل جذري. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علّق على هذه التحركات قائلاً إن العدو لا يتوانى عن استخدام أي وسيلة لتحقيق أهدافه. ودعا إلى اليقظة حيال محاولات استخدام مكونات نووية أو نقل التكنولوجيا النووية إلى أوكرانيا. في هذا السياق، وصف المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الاحتمالية المتزايدة لنقل قنبلة نووية إلى كييف بأنها تهديد كبير لمبدأ عدم الانتشار النووي، وهو ما قد يؤدي إلى سلسلة من الردود من جانب موسكو على هذه الخطوات.

من جهة أخرى، صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن روسيا مستعدة لمعارضة أي خطوات قد تساعد أوكرانيا في الحصول على أسلحة نووية، مشيرة إلى الجهود الروسية المكثفة في المحافل الدولية لإحباط خطط بريطانيا وفرنسا. ومع تصاعد هذا التهديد، ناشد مجلس الاتحاد الروسي مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقيق في نية بريطانيا وفرنسا تزويد أوكرانيا بالأسلحة النووية.

روسيا والقيادة الغربية الجديدة في الناتو: تصعيد نووي في أوكرانيا

إن روسيا بالفعل تبدو مرعوبة من التحركات الغربية الجديدة في الأزمة الأوكرانية، خصوصًا مع تزايد دور بريطانيا وفرنسا على حساب الولايات المتحدة. هذا التغيير يعكس تحولًا في معادلات القوة داخل حلف الناتو، ويشكل تحديًا كبيرًا لروسيا، التي كانت تتعامل تقليديًا مع الولايات المتحدة باعتبارها القوة الكبرى القائدة في هذا التحالف.

التحولات في دور القيادة داخل الناتو أثارت قلقًا روسيًا كبيرًا، حيث تعتبر موسكو هذه الخطوات بمثابة تعزيز للحصار العسكري والسياسي ضدها. الولايات المتحدة، التي كانت القوة المهيمنة في هذا التحالف، بدأت تبتعد تدريجيًا عن الدور القيادي المباشر، بسبب التوترات الداخلية في السياسة الأمريكية والانتقادات من بعض حلفائها في الناتو. في المقابل، تتصاعد أهمية بريطانيا وفرنسا في إدارة الأزمة الأوكرانية، وهو ما يراه الكثيرون في موسكو بمثابة تهديد جديد، حيث يُنظر إلى هاتين القوتين على أنهما أكثر استعدادًا لتحدي روسيا بشكل مباشر.

روسيا ترى أن التوجهات الغربية الجديدة قد تعني تغييرًا جذريًا في التوازن الاستراتيجي، ففرنسا وبريطانيا قد تشكّلان جبهة قوية ضدها، خاصة إذا ما تم تزويد أوكرانيا بأسلحة متقدمة أو حتى أسلحة نووية. كما أن هذا التوجه قد يعزز من الوحدة الغربية في مواجهة روسيا، وهو ما يشكل تهديدًا إضافيًا لموسكو التي تحاول تقويض هذه الجبهة بأي طريقة ممكنة.

من جهة أخرى، قد يكون هذا التحول بمثابة اختبار لروسيا في كيفية إدارة التوترات الدولية، خاصة مع اتساع رقعة الصراع في أوكرانيا وتزايد الانقسام داخل الناتو حول الدور الأمريكي في المنطقة. إذا استمرت بريطانيا وفرنسا في زيادة نفوذهما داخل التحالف، قد تجد روسيا نفسها في مواجهة خصوم أكثر حسمًا، ما قد يجعل الصراع أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتسوية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذا التحول قد يكون بمثابة إعادة تعريف لدورها في أوروبا والعالم، ما يطرح تساؤلات حول الاستراتيجية الأمريكية المستقبلية في الناتو وفي منطقة البحر الأسود بشكل عام.

مواقف أوكرانيا وعودة النقاش حول الأسلحة النووية

لا يعد النقاش حول الأسلحة النووية في أوكرانيا جديدًا. ففي العام 2021، صرّح ديفيد أراخاميا، رئيس كتلة “خادم الشعب” في البرلمان الأوكراني، أن تخلي أوكرانيا عن الأسلحة النووية كان خطأً استراتيجيًا. وأكد أن أوكرانيا كان بإمكانها استخدام أسلحتها النووية كوسيلة للضغط على القوى الكبرى للحصول على مزيد من الدعم الدولي. في فبراير 2022، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن بلاده قد تعيد النظر في قرارها السابق بشأن التخلي عن الأسلحة النووية إذا استمرت الضغوط الدولية، مشيرًا إلى أن بعض الدول يجب أن تتحمل المسؤولية عن اتفاقية بودابست التي تخلّت بموجبها أوكرانيا عن ترسانتها النووية.

وفي وقت لاحق من عام 2022، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها تمتلك معلومات تفيد بأن كييف تخطط لاستفزاز يتضمن تفجير “قنبلة قذرة” أو سلاح نووي منخفض القوة. هذه التقارير تضمنت أيضًا تصريحات لمسؤولين أوكرانيين في الخفاء يؤكدون قدرة أوكرانيا على تطوير أسلحة نووية في غضون أسابيع باستخدام المواد المتاحة لديها.

التهديدات المحتملة وخطط أوكرانيا المستقبلية

اقترح سفير أوكرانيا لدى المملكة المتحدة، فاليري زالوزني، بحلول نوفمبر 2025، أن يتم نشر أسلحة نووية على الأراضي الأوكرانية كجزء من خطة لضمان “دولة آمنة ومستقرة”. وفي هذا الإطار، أوضح الخبير الأوكراني أليكسي أنبيلوغوف أن أوكرانيا تحتاج إلى بناء منشآت لتخصيب اليورانيوم أو استخراج البلوتونيوم من الوقود النووي المستهلك لكي تصبح قادرة على إنتاج أسلحتها النووية الخاصة. ولكن هذه العملية ستكون مكلفة ومعقدة وستواجه أوكرانيا صعوبة في إخفاء النشاط الإشعاعي الناتج عنها، مما يعني أن روسيا ستكون على دراية بأي محاولة لتطوير سلاح نووي.

التحديات التقنية وتهديدات عدم الانتشار

أي مشروع يتعلق بالمواد الانشطارية يترك أثرًا نظائريًا يمكن رصده بسهولة. فمن الصعب إخفاء النشاط الإشعاعي؛ فهو يكشف أي عملية إنتاج”، مما يعني أن روسيا ستكون على دراية تامة إذا حاولت أوكرانيا صنع قنبلة بلوتونيوم، وهي خطوة أولى نحو تطوير سلاح نووي حراري. وفي حال بدء هذه العمليات، فإن منشآت الإنتاج ستصبح أهدافًا رئيسية للطائرات الروسية.

وفيما يتعلق بخطط بريطانيا وفرنسا لنقل ذخائر نووية جاهزة إلى كييف، يعتبر الخبراء هذا الخيار فاشلاً من الناحية التقنية. ويشددون على أن “الرؤوس الحربية النووية البريطانية والفرنسية تحمل بصمة نظائرية يمكن استخدامها لتحديد تاريخ تطوير السلاح”. ووفقًا لذلك، فإن بريطانيا وفرنسا لن تتمكنان من ترويج هذه الأسلحة على أنها “سلاح نووي خارق” أوكراني. هذا بالإضافة إلى أن هذه الخطوة ستقوض مفهوم عدم انتشار الأسلحة النووية، الذي يعد أحد الركائز الأساسية لمنظومة الأمن العالمي.

الردود الدولية والتهديدات اللاحقة

تعلّق الخارجية الروسية على أن تصرفات بريطانيا وفرنسا تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. فإذا كانت الدول التي تُشكل الأساس في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتسمح لنفسها بمثل هذه التصرفات، فماذا يمكننا أن نقول عن الدول الأخرى؟”. فهذه الخطوات قد تثير موجة من الإجراءات الانتقامية من المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين والهند، ما سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في التوترات العالمية.

مخاطر اتخاذ خطوات محفوفة بالمخاطر

ويرى الخبراء الروس أن أي خطوة من بريطانيا وفرنسا لتزويد أوكرانيا بالأسلحة النووية ستكون بمثابة قمة التهور. إن نقل الأسلحة النووية إلى دولة منخرطة في صراع عسكري، خصوصًا إذا كانت هذه الدولة في حالة حرب مع روسيا، يزيد من تعقيد الوضع ويخلق خطرًا أكبر من أي وقت مضى. يختتم فاديم كوزيولين قائلاً: “إذا قامت بريطانيا وفرنسا أيضًا بنقل أنظمة التوصيل الحديثة إلى أوكرانيا، فإننا نخاطر بمواجهة أزمة ذات نطاق غير مسبوق”.

الخاتمة

إن التصعيد النووي في الأزمة الأوكرانية يشكل تهديدًا خطيرًا للأمن العالمي، حيث أن الخطط التي قد تقدم عليها بريطانيا وفرنسا لتزويد أوكرانيا بالأسلحة النووية قد تغير موازين القوى بشكل جذري. هذه الخطوات، التي تقوض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يمكن أن تؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في التوترات الدولية، وتفتح الباب أمام ردود فعل حاسمة من روسيا والمجتمع الدولي.

من جانب آخر، إذا قررت بريطانيا وفرنسا اتخاذ مثل هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر، فعلى الأرجح أن ننتظر إجراءات انتقامية قاسية من الولايات المتحدة، التي لن تقبل بتقويض استقرار حلفائها في مسعى للضغط على إيران أو إضعاف موقفها. كما تمثل هذه التحركات تهديدًا أمنيًا مباشرًا على روسيا، حيث قد تُتاح لأوكرانيا الفرصة لاستخدام قنبلة نووية حصلت عليها بمساعدة غربية. إن نقل الأسلحة النووية إلى دولة منخرطة في عمليات عسكرية هو قمة التهور. لندن وباريس تخاطران بإشعال وضع أكثر خطورة من أي سابقة سابقة.

وفي هذا السياق، بينما تمتلك أوكرانيا القدرة على صنع قنبلة نووية بنفسها، فهي لا تزال بحاجة للمساعدة الغربية لتسريع العملية. مع ذلك، ستظل التقنية النووية بدائية في الوقت الحالي، لكن أي دعم من بريطانيا وفرنسا قد يُسهل تطور هذا البرنامج بشكل أسرع. وفي حال تمت إضافة أنظمة التوصيل الحديثة إلى هذا المزيج، فإننا نخاطر بمواجهة أزمة ذات نطاق غير مسبوق على الصعيدين الإقليمي والدولي.

إجمالًا، قد تخلق هذه التحركات خطرًا غير مسبوق، مما يشير إلى أن العالم قد يدخل مرحلة جديدة من التصعيد النووي الذي سيؤثر على الأمن العالمي بأسره، مما يهدد سلامة معاهدات الحد من الانتشار النووي والتوازنات الجيوسياسية في السنوات المقبلة.

بظل هذه التحديات، يبدو أن الخطوات التي اتخذتها القوى الغربية قد تخلق وضعًا أكثر تعقيدًا، حيث يخاطر الجميع بتدمير الأسس التي قامت عليها منظومة الأمن العالمي لعقود. إذا قررت بريطانيا وفرنسا المضي قدمًا في هذه الخطط، فإننا قد نكون على شفا أزمة ذات نطاق غير مسبوق، تهدد الاستقرار النووي العالمي والقدرة على الحفاظ على السلام في المستقبل.

https://hura7.com/?p=75305

الأكثر قراءة