الأكثر قراءة

موسكو توسّع وجودها في ليبيا

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتجه العلاقات الروسية ـ الليبية إلى مرحلة جديدة من التعاون، في ظل مساعي موسكو إلى توسيع حضورها في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا. وفي هذا الإطار، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي، خلال زيارة رسمية إلى روسيا بتاريخ 21 آب/أغسطس 2026، حيث بحث الجانبان عدداً من القضايا المرتبطة بالأمن المتوسطي والتعاون بين البلدين.

وأفاد المكتب الإعلامي للجيش الوطني الليبي بأن صدام حفتر التقى الرئيس فلاديمير بوتين في قصر الكرملين في موسكو، ضمن زيارته الرسمية إلى روسيا، في وقت تكتسب فيه الزيارة أهمية خاصة، باعتبارها الأولى له منذ أن عززت موسكو وجودها في البحر المتوسط من خلال تحركاتها العسكرية والاستراتيجية في المنطقة. كما تأتي الزيارة في ظل إعادة روسيا النظر في طبيعة وجودها وانتشارها في عدد من المناطق، ومن بينها ليبيا.

رسالة حفتر إلى موسكو

نقل صدام حفتر تحيات المشير خليفة حفتر، والده والقائد الفعلي للقيادة العامة في شرق ليبيا، إلى الرئيس بوتين والشعب الروسي، مؤكداً عمق العلاقات بين البلدين، ومجدداً التزام القيادة العامة بتعزيز التعاون مع روسيا الاتحادية في مختلف المجالات، بما يخدم مصالح الطرفين، وفقاً للبيان الصادر عن الجيش الوطني الليبي، والذي جرى تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم تقتصر زيارة صدام حفتر على لقائه بالرئيس الروسي، إذ التقى أيضاً وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، حيث تناولت اللقاءات سبل تعزيز التعاون بين الجانبين في المجالات الدفاعية والأمنية. وأشار الجيش الوطني الليبي إلى أن التعاون الروسي ـ الليبي يستهدف المساهمة في الحفاظ على الاستقرار في شمال أفريقيا، إلى جانب بحث آخر التطورات الدولية، وتعزيز الشراكة الدفاعية بين روسيا وشرق ليبيا.

الوجود الروسي الأمني والعسكري في ليبيا

وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه موسكو تحتفظ بوجود عسكري وأمني في ليبيا من خلال فيلق أفريقيا، وهو هيكل تابع لوزارة الدفاع الروسية، يقدم الدعم لعدد من الدول الأفريقية في مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة. ومن ثم، فإن استمرار الحضور الروسي في ليبيا لا ينفصل عن الرؤية الروسية الأوسع تجاه القارة الأفريقية والبحر المتوسط، ولا سيما في ظل أهمية الموقع الجغرافي لليبيا بالنسبة إلى طرق الإمداد والانتشار الروسي.

تكثيف الزيارات الليبية إلى موسكو

وكان صدام حفتر قد زار موسكو في مايو/أيار من العام نفسه، إلا أن زيارته الحالية اكتسبت أهمية إضافية في ضوء التغيرات التي طرأت على طبيعة الوجود الروسي في سوريا المطلة على البحر المتوسط. ففي التاسع من أغسطس/آب، أعلنت وزارة الخارجية السورية أن موسكو ودمشق توصلتا إلى اتفاق لإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي على الساحل السوري، وبموجب بنود الاتفاق، سيتم تحويل بعض المنشآت العسكرية التي استخدمتها روسيا في سوريا إلى مراكز تدريب مشتركة بين القوات الروسية والسورية.

وتكتسب العلاقة بين سوريا وليبيا أهمية خاصة بالنسبة إلى التحركات الروسية، إذ تشكل الدولتان، منذ فترة طويلة، جزءاً من خط لوجستي روسي واحد في البحر المتوسط. ولذلك، فإن أي تغيير في طبيعة الوجود الروسي في سوريا يمكن أن ينعكس على مستوى النفوذ الروسي في ليبيا، ولا سيما فيما يتعلق بطرق نقل المعدات والأفراد والإمدادات العسكرية.

حفتر يفتح باب التعاون العسكري مع موسكو

بعد يومين من توقيع مذكرة التفاهم الروسية ـ السورية، أفاد موقع “منتدى الدفاع الأفريقي” الأمريكي، التابع رسمياً للقيادة الأمريكية في أفريقيا، بأن موسكو تعمل على تعزيز وجودها في ليبيا من خلال ست قواعد جوية وطنية، مع نقل معدات عسكرية وأفراد وقوات أخرى. ووفقاً لهذه التقارير، بدأت روسيا في تحديث البنية التحتية لهذه القواعد الجوية، كما تعمل على تطوير خطط لتحديث ميناء طبرق والبنية التحتية الجوية المرتبطة به.

وترى منظمة «منتدى الدفاع الأفريقي» أن هذه المرافق يمكن أن تؤدي دوراً في تحسين طرق العبور إلى عدد من دول منطقة الساحل، حيث يوجد أيضاً فيلق أفريقيا الروسي. وبذلك، لا يبدو الوجود الروسي في ليبيا منفصلاً عن استراتيجية أوسع تستهدف تعزيز قدرة موسكو على الحركة والانتشار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

المقاربة الروسية بين مصالحها في سوريا وليبيا

ويشير الخبراء إلى أن المنشآت الروسية في سوريا وليبيا مترابطة بصورة وثيقة، مشيرين إلى أن قاعدة حميميم تمثل نقطة عبور ومنطقة تجميع لنقل البضائع إلى القواعد الليبية، قبل توزيعها لاحقاً على فيلق أفريقيا. كما أشاروا إلى إمكانية نقل المعدات بحراً، عبر غينيا على سبيل المثال، إلا أن هذا الخيار يتطلب إطاراً زمنياً مختلفاً مقارنة بعمليات الشحن والنشر عبر المسارات الأخرى.

فإن الوضع في ليبيا يشهد تغيراً تدريجياً، رغم أن المشهد يبدو ظاهرياً مستقراً من حيث استمرار سيطرة عائلة حفتر على شرق البلاد. وفي الوقت ذاته، تعمل الأطراف الليبية على تطوير علاقات متنوعة مع عدد من القوى الأجنبية، من بينها تركيا والولايات المتحدة، كما تجري تدريبات عسكرية وتأخذ في الاعتبار مقترحات المجتمع الدولي المتعلقة بالإصلاحات السياسية وتوحيد المؤسسات.

وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن المشهد الليبي أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الدولية، تتداخل فيها المصالح الروسية والتركية والأمريكية مع الحسابات الليبية الداخلية. ولذلك، فإن زيارة صدام حفتر إلى موسكو لا يمكن النظر إليها بمعزل عن هذه التحولات، خصوصاً أنها جاءت بعد زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى بنغازي.

بالنهاية، تعكس التحركات الروسية في ليبيا محاولة للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا، في الوقت الذي تعمل فيه موسكو على إعادة ترتيب حضورها في المنطقة. كما تكشف الزيارة عن أهمية العلاقات الدفاعية والأمنية بين روسيا وشرق ليبيا، وعن استمرار التنافس الدولي على النفوذ في ليبيا، التي بات موقعها الجغرافي والسياسي يجعلها جزءاً مهماً من الحسابات الاستراتيجية للقوى الدولية والإقليمية.

https://hura7.com/?p=83535

الأكثر قراءة