جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تشهد أسعار النفط العالمية انخفاضًا تدريجيًا لتقترب من مستويات ما قبل الضربات الإسرائيلية–الأمريكية على إيران. وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي الجديد، تمارس واشنطن ضغوطًا على شركات النفط الكبرى من أجل تسريع خفض أسعار التجزئة بما يتناسب مع الانخفاض الحاد في الأسعار العالمية. وفي المقابل، تشهد العلاقة بين الحكومة الروسية وشركات النفط الكبرى توترًا متزايدًا في ظل الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية لقطاع الوقود. ولم تعد قيود تصدير البنزين كافية لتغطية احتياجات السوق المحلية الروسية، ما دفع السلطات إلى البحث عن حوافز مالية وضريبية جديدة وغير تقليدية.
ترامب وانخفاض الأسعار
أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استيائه من عدم انخفاض أسعار البنزين في السوق الأمريكية بالشكل المتوقع، وأصدر توجيهات إلى وزارة العدل لفتح تحقيقات بحق شركات النفط.
وقال ترامب: “شركات النفط الكبرى لا تخفض أسعار البنزين في محطات الوقود بما يتناسب مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي تشتريه”. وأضاف عبر منصة “تروث سوشيال”: «لقد طلبت من وزارة العدل بدء تحقيق فوري، ويجب أن تنخفض أسعار البنزين بوتيرة أسرع بكثير». كما أشار سابقًا إلى أن نحو 19 مليون برميل من النفط مرّت عبر مضيق هرمز في 22 يونيو/حزيران. وبلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة قبل الحرب مع إيران أقل من 3 دولارات للغالون، بينما اقترب لاحقًا من 3.90 دولار.
وفي 24 يونيو/حزيران، انخفضت أسعار العقود الآجلة لخام برنت إلى ما دون 75 دولارًا للبرميل، ويُعزى ذلك أساسًا إلى استئناف سريع للإمدادات عبر مضيق هرمز بالتزامن مع استمرار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية.
الموقف الروسي: تثبيت الأسعار في ظل الحرب الأوكرانية
كما تمارس الحكومة الروسية بدورها ضغوطًا على شركات النفط الكبرى. ففي بداية العام، طالبت السلطات الشركات بالحد من ارتفاع أسعار الوقود محليًا، بينما بات التركيز لاحقًا منصبًا على ضمان توفر البنزين والديزل في المناطق. غير أن الإجراءات الحالية لم تنجح في تحقيق استقرار كامل لسوق الوقود، بما في ذلك قيود التصدير وتنظيم البيع بالتجزئة ومنع تخزين الوقود بشكل فردي.
ولم تؤدِّ الضغوط الحكومية، سواء عبر المدفوعات التحفيزية أو الاتفاقات الإدارية، إلى تحسن ملموس في إمدادات الوقود. لذلك اتجهت موسكو إلى حوافز مالية جديدة، لا تستهدف شركات النفط فقط، بل أيضًا مستوردي الوقود الأجنبي ومنتجي البنزين المباشر، الذي كان يُنتج سابقًا في منشآت شبه قانونية في بعض المناطق الروسية.
وفي 24 يونيو/حزيران، صوّت مجلس الدوما في القراءتين الثانية والثالثة على تعديلات في قانون الضرائب، تتضمن تقديم دعم مالي لمنتجي البنزين المباشر ولمستوردي الوقود الأجنبي. وتشمل التعديلات فرض ضرائب استهلاك على هذا النوع من الوقود، إلى جانب تعديل آلية الدعم المالي للبنزين المستورد.
وتهدف هذه التعديلات إلى استقرار السوق المحلية الروسية، سواء من خلال الإنتاج المحلي أو الاستيراد، وفق ما أوضح نائب وزير المالية الروسي أليكسي ساسانوف.
وتشير البيانات إلى أن إنتاج النفط في الدول المصدرة قبل الأزمة الإيرانية كان عند مستويات مرتفعة، قبل أن يتراجع بشكل كبير خلال ذروة التوترات، ثم يعاود الارتفاع تدريجيًا مع استئناف الإمدادات وظهور مسارات تصدير بديلة.
إعادة تفعيل مسارات خارج مضيق هرمز
فعلى سبيل المثال، أعادت بعض دول الخليج توجيه صادراتها النفطية بعيدًا عن مضيق هرمز عبر تطوير مسارات بديلة وخطوط أنابيب استراتيجية، مثل خط الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، وخطوط التصدير السعودية المتجهة نحو موانئ البحر الأحمر. وقد أسهمت هذه التحولات في تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وتعزيز قدرة هذه الدول على تأمين صادراتها في حالات التوتر الإقليمي.
وتشير التقديرات والتقارير الأمريكية إلى أن هذا التحول في مسارات التصدير قد ساعد في تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، وأعاد قدرًا من التوازن النسبي إلى حركة العرض والطلب، الأمر الذي انعكس في تقليل حدة التقلبات السعرية في سوق النفط، خصوصًا خلال فترات التوتر الجيوسياسي في منطقة الخليج.
الخريطة المصورة لانتاج النفط

وتُظهر الصورة خريطة مقارنة لإنتاج النفط بين دول أوبك ودول أوبك+ (بملايين البراميل يوميًا)، وتوضح بوضوح توازنات القوة داخل سوق النفط العالمي.
في جانب أوبك تبرز السعودية كأكبر منتج بحوالي 9.3 مليون برميل يوميًا، تليها العراق (4.3) وإيران (3.4) والإمارات (3.4)، ثم الكويت ونيجيريا وليبيا والجزائر وفنزويلا ودول أخرى بإنتاج أقل نسبيًا، ليصل إجمالي إنتاج أوبك إلى نحو 24.6 مليون برميل يوميًا.
أما في جانب أوبك+ (الدول المتحالفة مع أوبك لكنها ليست أعضاء فيها)، فتأتي روسيا في المقدمة بإنتاج يقارب 9.1 مليون برميل يوميًا، تليها كازاخستان (1.8) وعُمان (0.8) وأذربيجان وماليزيا والبحرين وبرويناي والسودان وغيرها، ليصل إجمالي هذا التجمع إلى نحو 14.3 مليون برميل يوميًا.وتعكس هذه الأرقام حقيقة أساسية في سوق الطاقة:
إنَّ التحكم في أسعار النفط لا يرتبط بدولة واحدة، بل بتوازن دقيق بين كتلتين رئيسيتين:
-أوبك بقيادة السعودية كمحور تقليدي للإمدادات
-وأوبك+ بقيادة روسيا كقوة موازية حديثة نسبيًا
وإذا ربطنا هذه الصورة بسياق المقال، فهي تدعم فكرة أن روسيا وواشنطن لا تتحكمان وحدهما بالسوق، بل تتحركان ضمن منظومة أوسع، حيث تبقى دول الخليج (وخاصة السعودية والإمارات) عنصرًا حاسمًا في ضبط الإيقاع العام للأسعار عبر الإنتاج والقدرة الفائضة ومسارات التصدير.
الخاتمة
في المحصلة، يطرح المقال سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل إدارة سوق النفط العالمي: هل تستطيع كلٌّ من روسيا والولايات المتحدة فرض آليات مستدامة لضبط الأسعار والتحكم في إيقاع السوق، أم أن مركز الثقل سيظل في يد دول الخليج بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في معادلة العرض العالمي؟
تُظهر المعطيات أن واشنطن وموسكو تمتلكان أدوات ضغط مهمة، سواء عبر السياسات النقدية والرقابية، أو عبر التحكم بالإنتاج والتصدير في لحظات الأزمات، غير أن هذه الأدوات تبقى في الغالب أدوات تكيّف مع السوق أكثر من كونها أدوات تحكم كامل به. فالسوق النفطية العالمية، بما تتسم به من ترابط وتعقيد وتشابك مصالح الشركات والدول، لا تخضع بسهولة لإرادة فاعل واحد مهما كانت قوته.
في المقابل، تبرز دول الخليج باعتبارها حجر الزاوية في توازنات الطاقة العالمية، ليس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضًا بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقدرتها على تنويع مسارات التصدير والتأثير في استقرار الإمدادات. وهذا ما يجعلها عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاهات السوق، خاصة في فترات الاضطراب الجيوسياسي.
وبين محاولات الضبط من القوى الكبرى، ومرونة المنتجين الرئيسيين في الخليج، تبدو سوق النفط أقرب إلى نظام توازنات متحركة لا يخضع لهيمنة طرف واحد، بل لإدارة تفاوضية مستمرة بين مصالح متقاطعة، تجعل من الاستقرار حالة مؤقتة أكثر منه قاعدة دائمة.


