جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرتها الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، أعلنت جمهورية مولدوفا عن تخصيص ميزانية تقدر بحوالي 470 مليون دولار أمريكي لتحديث وتطوير قواتها المسلحة. ويُتوقع أن يتم مناقشة هذا المشروع في البرلمان خلال الأيام المقبلة، إذ يحظى الحزب الحاكم، الموالي للرئيسة مايا ساندو، بالأغلبية التي تكفل تمريره. يأتي هذا في وقتٍ تشهد فيه مولدوفا تصعيدًا في المخاوف من تصعيد النزاع في منطقة ترانسنيستريا، حيث تتواجد القوات الروسية.
تعزيز الدفاعات: خطة عسكرية جديدة لمولدوفا
المشروع الذي أعدته الحكومة المولدوفية يهدف إلى تحديث القدرات العسكرية للمؤسسة الدفاعية في البلاد بين عامي 2026 و2030. يتضمن المشروع تحسين جاهزية القوات المسلحة، تعزيز التدريب والتكنولوجيا الرقمية، ورفع كفاءة العمليات العسكرية. كما يهدف إلى تخصيص جزء من التمويل من المساعدات الخارجية لدعم القطاع الدفاعي.
هذه الخطوة تأتي في وقتٍ يتزايد فيه الإنفاق الدفاعي على مستوى أوروبا، حيث شهد عام 2024 زيادة بنسبة 17% في الإنفاق العسكري، ليصل إلى 693 مليار دولار أمريكي. تسعى مولدوفا، التي تطمح للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى تحقيق أهدافها العسكرية رغم المعوقات الاقتصادية، إذ تعهدت بزيادة الإنفاق على قواتها المسلحة ليصل إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2034.
ترانسنيستريا: توتر مستمر ودعوات لإعادة الدمج
ترانسنيستريا، وهي المنطقة غير المعترف بها دوليًا التي تقع على الحدود بين مولدوفا وأوكرانيا، تشهد توترًا متزايدًا مع التصريحات المتبادلة حول سحب القوات الروسية التي تتمركز هناك. تمركز القوات الروسية في المنطقة يُعتبر تهديدًا للأمن الإقليمي، حيث تسعى كيشينيوف لإعادة دمج ترانسنيستريا، لكن هذه الخطوة تواجه مقاومة من تيراسبول، عاصمة ترانسنيستريا.
ومؤخرًا، أعلنت مولدوفا أنها تعمل على خطة لإعادة دمج ترانسنيستريا دون التنسيق مع السلطات المحلية هناك، وتضمنت الخطة بندًا بشأن نزع السلاح من المنطقة. على الرغم من أن كيشينيوف كانت تأمل في دعم أوكرانيا لهذه الخطة، إلا أن تصريحات كيريل بودانوف، رئيس الإدارة الرئاسية الأوكرانية، أشار إلى أن كييف لا تدعم سحب القوات الروسية من ترانسنيستريا في هذه المرحلة. بودانوف أكد أن هذا الموضوع غير مطروح في المفاوضات الحالية حول إنهاء الحرب في أوكرانيا، مؤكدًا أن كييف لا ترغب في تعقيد الأمور دبلوماسيًا في الوقت الراهن.
رأي البرلمان المولدوفي: أزمة دبلوماسية محتملة
في تطور مفاجئ، أعلن رئيس البرلمان المولدوفي، إيغور غروسو، عن معارضته لمناقشة انسحاب القوات الروسية من ترانسنيستريا ضمن المفاوضات الدولية، مشيرًا إلى أن هذا الموضوع ينبغي أن يتم بحثه فقط بعد الوصول إلى اتفاق سلام شامل. غروسو أضاف أن عدم مشاركة كيشيناو في هذه المناقشات سيكون خطرًا على سيادة مولدوفا وأمنها القومي.
المخاوف الاقتصادية والسكانية في ترانسنيستريا
ترانسنيستريا، التي تضم حوالي 250,000 مواطن روسي، تعاني من صعوبات اقتصادية متزايدة، خاصة بعد توقف إمدادات الغاز من روسيا. المنطقة كانت تعتمد على الغاز الرخيص من روسيا، مما ساعد في تطورها، لكن هذه الإمدادات توقفت الآن، مما يعمق معاناة السكان. كما أظهرت استطلاعات الرأي أن 60% من سكان ترانسنيستريا يخشون الضغوط الاقتصادية أكثر من التهديدات العسكرية، وهو ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية في المنطقة.
حيث بات عدد القوات الروسية في مولدوفا، تحديدًا في منطقة ترانسنيستريا، يقدر بحوالي 1,500 جندي. هؤلاء الجنود يشكلون ما يُعرف باسم “القوة العسكرية الروسية في ترانسنيستريا”، وهي قوة مهام روسية (OGRV) تمركزت في المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي بعد الحرب بين مولدوفا وترانسنيستريا. القوة العسكرية الروسية هذه تتضمن أيضًا وحدة حفظ سلام روسية، وتشكل جزءًا من اتفاقية السلام التي أُبرمت عام 1992 بين روسيا ومولدوفا، والتي أسفرت عن تشكيل قوة حفظ سلام مشتركة بين مولدوفا وروسيا وترانسنيستريا.
وتجدر الإشارة إلى أن روسيا تحافظ على وجودها العسكري في المنطقة رغم معارضة كيشيناو لهذا الوجود، حيث تعتبره جزءًا من التوترات الإقليمية في المنطقة.
التحديات المستقبلية: هل تستطيع مولدوفا الحفاظ على توازنها؟
بينما يزداد الإنفاق العسكري في مولدوفا، تتصاعد التوترات في ترانسنيستريا وسط تصريحات متضاربة ومواقف معقدة من جميع الأطراف. وفي حين أن الحكومة المولدوفية تسعى لتعزيز قدراتها العسكرية والتفاوضية، فإن العلاقة مع ترانسنيستريا تبقى ملفًا ساخنًا ومفتوحًا، خاصة في ظل مخاوف من تداعيات اقتصادية وعسكرية قد تؤثر على استقرار المنطقة ككل. لا شك أن قضية ترانسنيستريا ستظل محورية في السياسة المولدوفية، فهل تنجح كيشينيوف في إعادة دمج المنطقة دون إشعال نزاع جديد؟ وهل ستحظى بدعم دولي كافٍ لتحقيق طموحاتها الأمنية والإقليمية؟ هذه أسئلة ستظل تلاحق مولدوفا في السنوات القادمة، بينما تحاول موازنة مخاوفها الأمنية والاقتصادية.
في انهاية، إن تعزيز الدفاعات العسكرية لمولدوفا في ظل التحديات الأمنية المتزايدة يضعها أمام مفترق طرق حساس. رغم محاولات الحكومة المولدوفيّة لتحديث قدراتها الدفاعية وتحقيق طموحاتها العسكرية، تبقى قضية ترانسنيستريا هي الأكثر تعقيدًا في السياسة المولدوفية. التوترات المستمرة في المنطقة، وما تخلّفها من تداعيات اقتصادية وعسكرية، تجعل من الصعب التنبؤ بما سيؤول إليه هذا الملف.
ترتكز خيارات مولدوفا على قدرة القيادة في كيشينيوف على إيجاد توازن بين تعزيز قوتها العسكرية والبحث عن حلول دبلوماسية، في وقتٍ تتصاعد فيه الضغوط الداخلية والخارجية. فهل ستتمكن مولدوفا من الحفاظ على استقلالها وسيادتها دون التورط في صراعات إقليمية أوسع؟ وهل ستحظى بدعم دولي يكفل لها حماية مصالحها الأمنية؟ هذه الأسئلة تبقى معلقة، بينما تواصل مولدوفا سعيها لتحقيق استقرار إقليمي يعزز أمنها ورفاهية شعبها في المستقبل القريب.


