جريدة الحرة ـ بيروت
وكالات ـ ألمح المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى احتمال إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية في ألمانيا، إذا لم تنجح البلاد في استقطاب العدد الكافي من المتطوعين. وأوضح ميرتس خلال مشاركته في برنامج “ARD-Arena” التلفزيوني، رداً على أسئلة المواطنين: “إذا نجحت الخدمة التطوعية، فذلك أفضل، أما إذا تعثرت فسنضطر لإعادة فتح نقاش الخدمة العسكرية الإلزامية”. وأكد أن الحكومة تراهن حاليا على تجنيد الجنود في الجيش الألماني عبر نظام التطوع، مدعومة بحزمة حوافز وعروض مغرية.
ويأتي ذلك بعد أن صادق البوندستاغ الأسبوع الماضي، في القراءة النهائية، على قانون تحديث الخدمة العسكرية في ألمانيا، الذي يُبقي على الخدمة التطوعية أساساً، لكنه يفرض في الوقت نفسه تسجيل كل الشبان البالغين 18 عاما عبر فحص طبي إلزامي. كما يتيح القانون إمكانية إعادة الخدمة الإلزامية، التي أُوقفت عام 2011، إذا تراجع عدد المتطوعين أو تدهور الوضع الأمني، حيث يمكن للبرلمان تفعيل ما يُعرف بـ”الخدمة العسكرية عند الحاجة”، بما في ذلك زيادة عديد الجيش عبر آلية “الاختيار العشوائي” على غرار القرعة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى انقسام واضح داخل المجتمع الألماني، بين شريحة تؤيد هذه التعديلات بدافع الحرص على الأمن والدفاع، وأخرى تُبدي تخوفا وانتقادات حادة من احتمال العودة إلى التجنيد الإلزامي. وشهدت عدة مدن ألمانية تظاهرات شبابية استجابة لدعوة مبادرة “إضراب المدارس ضد التجنيد الإلزامي”، احتجاجا على القانون الجديد.
وبحسب أهداف حلف شمال الأطلسي “الناتو”، يُفترض بألمانيا أن ترفع عدد أفراد جيشها إلى 460 ألف عنصر، من بينهم 260 ألف عسكري في الخدمة الفعلية و200 ألفا في الاحتياط. إلا أن الجيش الألماني لا يزال بعيدا عن هذه الأهداف، إذ يضم حاليا نحو 182 ألف جندي في الخدمة و49 ألفا في قوات الاحتياط.
صوّت البرلمان الألماني (البوندستاغ) الجمعة على مشروع قانون لإقرار نظام محدث للخدمة العسكرية، في خطوة توصف بأنها من أكثر الخطوات إثارة للجدل منذ تعليق التجنيد الإلزامي عام 2011. وتم التصويت بالنداء بالاسم، في دلالة على حساسية الملف داخل الائتلاف الحاكم وفي صفوف المعارضة على حد سواء.
وينص المشروع على إجراء فرز عسكري شامل للشباب ابتداء من مواليد 2008، مع وضع أهداف محددة لزيادة عدد أفراد الجيش الألماني. كما يمنح المشروع البرلمان صلاحية إقرار ما يسمى بـ”الخدمة العسكرية الإلزامية عند الحاجة”، في حال عدم كفاية أعداد المتطوعين، وهو صيغة تقارب العودة إلى التجنيد الإجباري لكنها مربوطة حصرا بتطورات الوضع الأمني.
وتبرر الحكومة هذه التعديلات باعتبارها استجابة ضرورية لتغير البيئة الأمنية في أوروبا، والتصاعد المستمر في التهديدات القادمة من روسيا، في حين تشهد أحزاب الائتلاف الحاكم خلافات بارزة حول سبل التطبيق. فالحزب الاشتراكي الديمقراطي يتمسك بمبدأ الطوعية قدر الإمكان، بينما يدفع التحالف المسيحي المحافظ باتجاه تحديد أهداف رقمية واضحة لزيادة قوام الجيش وضمان جاهه العملياتي.
وتُظهر استطلاعات الرأي مجددا حالة الانقسام داخل الشارع الألماني، إذ يميل جزء من المواطنين إلى دعم هذه الخطط لأسباب أمنية، في مقابل قطاع واسع يعبّر عن قلقه من العودة إلى التجنيد الإلزامي. وفي مدن ألمانية عدة، خرجت مجموعات شبابية في تظاهرات منذ ساعات الصباح، تلبية لدعوة مبادرة “إضراب المدارس ضد التجنيد الإلزامي” رفضا لمشروع القانون.
وفي وقت سابق، كشفت صحيفة “بيلد” أن الائتلاف الحاكم يعتزم تقديم مشروع قانون جديد يُدخل مفهوم “التجنيد عند الحاجة”، المعتمد على نظام القرعة. وبموجب المشروع، يُلزم جميع الشباب الذين يبلغون 18 عاما، من الجنسين، بالحضور إلى المكاتب العسكرية لإجراء فحوصات طبية، مع إتاحة مشاركة النساء بشكل طوعي في هذه العملية.
وستكون أولى الفئات المتأثرة بهذا الإصلاح هي الذكور المولودون عام 2008، الذين سيتعين عليهم تعبئة استبيان إلزامي بعنوان: “هل ترغب في الخدمة؟ نعم أم لا”. أما الفتيات فسيتلقين الاستبيان نفسه، بهدف تحديد عدد الراغبات في الخدمة ومساعدة الجيش الألماني (البوندسفير) على تقدير حجم الطاقات المحتملة، في حال قرر البرلمان مستقبلا إعادة فرض الخدمة الإلزامية بشكل كامل. وإذا لم تسفر هذه العملية عن أعداد كافية من المتطوعين، يصبح بإمكان البوندستاغ تفعيل التجنيد الإلزامي، بما في ذلك اللجوء إلى القرعة.
وتجدر الإشارة إلى أن مدة الخدمة المحددة حاليا تبلغ ستة أشهر، ثلاثة منها مخصصة للتدريب الأساسي. وبالتوازي، يُلزم البرلمان وزير الدفاع، بوريس بيستوريوس، بتقديم خطة مفصلة لزيادة أعداد القوات المسلحة، تستهدف الوصول إلى 260 ألف عسكري نظامي و200 ألف في قوات الاحتياط، مع تقديم تقرير نصف سنوي عن التقدم المحرز في هذا المسار.
ولتشجيع الالتحاق الطوعي، تخطط السلطات لمنح رواتب شهرية تصل إلى نحو 2600 يورو للمجندين، بينما يحصل المتطوعون الذين يبرمون عقودا تتجاوز 12 شهرا على صفة “جندي في خدمة محددة المدة”، مع رواتب مماثلة لما يتقاضاه العسكريون المحترفون.
وسجلت مراكز الاستشارات المتخصصة في رفض الخدمة العسكرية في ألمانيا زيادة ملحوظة في عدد الاستفسارات الواردة من الأهالي القلقين. وأوضح المدير السياسي لـ”جمعية السلام الألمانية – اتحاد معارضي الخدمة العسكرية” (DFGVK)، ميشائيل شولتسه فون جلاسر، أن مراكز الاستشارة “تواجه حاليا سيلا من الطلبات”، مشيرا إلى أن عدد زيارات موقع الجمعية ارتفع في سبتمبر الماضي إلى أكثر من 125 ألف زيارة، مقابل نحو 55 ألفا في أغسطس.
ورصدت مجموعة العمل الإنجيلية لرفض الخدمة العسكرية والسلام (EAK) اتجاها مشابها، إذ أكد المتحدث باسمها، ديتر يونكر، ارتفاعا لافتا في طلبات الاستشارة من آباء يعبرون عن قلقهم على أبنائهم وبناتهم القُصّر، تحسبا لإعادة التجنيد الإجباري أو إقرار شكل جديد من الخدمة العسكرية.
وبحسب الصيغة الحالية، ستقوم الخدمة في مراحلها الأولى على أساس التطوع. وتمحور الخلاف السياسي حول الإجراءات التي ينبغي اتخاذها إذا لم تتوفر أعداد كافية من المتطوعين، وحول ما إذا كان يجب إعادة إخضاع جميع الشباب لفرز عسكري شامل، كما طالب وزير الدفاع بوريس بيستوريوس.
وفي المقابل، اقترح سياسيون مختصون في شؤون الدفاع من التحالف المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي حلا وسطا، يقوم على إخضاع الشباب أولا لعملية اختيار عشوائية للفرز العسكري، ثم اللجوء عند الضرورة إلى اختيار عشوائي آخر لأداء الخدمة الإلزامية إذا استمرت أعداد المتطوعين في الانخفاض. ويُنتظر أن يعمل الائتلاف الحاكم خلال المرحلة المقبلة على بلورة تسوية توافقية لهذه النقاط الخلافية.


