جريدة الحرة بيروت
خاص ـ تم تشكيل فريق الخبراء في العام 2025 لتنسيق الاستجابات السريعة للتهديدات الكبرى. جاء ذلك في سياق تزايد التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها ألمانيا وأوروبا بشكل عام، حيث أصبح من الضروري وجود جهة متخصصة قادرة على التحرك بسرعة وكفاءة عند وقوع أزمات مفاجئة. وقد ضم هذا الفريق مجموعة من الخبراء في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن القومي، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات حكومية رئيسية، بهدف ضمان تكامل الرؤى واتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.
اجتماع “عاجل” لمجلس الأمن القومي
أكد المستشار الألماني فريدريش ميرز في 20أبريل 2026 إنه سيعقد اجتماعا “عاجلا” لمجلس الأمن القومي في البلاد لمعالجة احتمال حدوث نقص في وقود الطائرات مرتبط بالحرب الدائرة في إيران. ويعكس هذا التحرك قلقا متزايدا لدى الحكومة الألمانية من تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على إمدادات الطاقة العالمية، وخاصة في ظل الاعتماد الكبير على واردات النفط والوقود.
يهدف الاجتماع المرتقب إلى تقييم الوضع الحالي، ووضع سيناريوهات محتملة للتعامل مع أي نقص قد يحدث في الإمدادات. وتابع في افتتاح معرض هانوفر التجاري: “هدفنا واضح: يجب أن يكون بإمكان الشركات والمواطنين الاعتماد على إمدادات المنتجات الأساسية مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات”.
وأضاف أن الحكومة تدرك تماما حساسية هذا الملف، خاصة بالنسبة للقطاع الصناعي الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الألماني، وكذلك لقطاع النقل الجوي الذي يلعب دورا محوريا في ربط ألمانيا بالأسواق العالمية. وأكد أن الحفاظ على استقرار الإمدادات يمثل أولوية قصوى في المرحلة الحالية.
ارتفعت أسعار وقود الطائرات في أوروبا بأكثر من الضعف منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في 28 فبراير 2026. وقد تسبب هذا الارتفاع الحاد في زيادة الضغوط على شركات الطيران، التي وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في جداول رحلاتها وخططها التشغيلية.
كما انعكس ذلك على أسعار تذاكر السفر، مما أثر بشكل مباشر على المسافرين والطلب على الرحلات الجوية. ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تباطؤ في حركة السفر الجوي خلال الفترة المقبلة.
ألمانيا لديها إمدادات كافية من الوقود
وردت طهران بمنع معظم الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو نقطة اختناق لما يقرب من خمس تدفقات النفط العالمية. ويعد هذا المضيق من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز يوميا.
وقد أدى هذا الإجراء إلى زيادة المخاوف في الأسواق العالمية، ودفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بشكل ملحوظ. كما زاد من حالة عدم اليقين بشأن استقرار الإمدادات في المستقبل القريب. رغم اعترافه بأن الوضع الحالي “متوتر”، قال ميرز إن البلاد لديها إمدادات كافية من الوقود الأساسي في الوقت الراهن.
وأشار إلى أن ألمانيا تمتلك احتياطيات استراتيجية يمكن استخدامها في حالات الطوارئ، وهو ما يمنح الحكومة هامشا من الوقت للتعامل مع الأزمة. لكنه أضاف: “إذا ساءت الأوضاع، فنحن على استعداد للتحرك”، وأكد أنه سيتم استخدام “جميع الأدوات المتاحة” لضمان أمن الإمدادات. ويشمل ذلك إمكانية اللجوء إلى مصادر بديلة، أو التنسيق مع شركاء دوليين لتأمين احتياجات السوق.
نقص وقود الطائرات قد يتحول إلى مشكلة خطيرة
تأسس مجلس الأمن القومي الألماني، الذي يضم وزراء حكوميين بارزين وخبراء في مختلف القطاعات، العام 2025 لتنسيق الاستجابات السريعة للتهديدات الكبرى. وقد جاء إنشاء هذا المجلس في إطار جهود أوسع لتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات المتعددة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو بيئية.
ويعمل المجلس على تحليل المخاطر وتقديم التوصيات للحكومة، بالإضافة إلى تنسيق الجهود بين مختلف الجهات المعنية. يشير قرار تشكيل هذا المجلس إلى اعتقاد برلين بأن نقص وقود الطائرات قد يتحول إلى مشكلة خطيرة إذا لم يتم التعامل معه بشكل استباقي.
فمثل هذا النقص لا يؤثر فقط على قطاع الطيران، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات أخرى مثل السياحة والتجارة والصناعة. كما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما ينعكس سلبا على الاقتصاد بشكل عام.
ضمان التنسيق الفعال في حال تفاقم الأزمة
كشفت وزيرة الاقتصاد كاثرين رايش خلال أبريل 2026 عن خطط طوارئ، ومن المقرر أن تجتمع مع موردي الوقود وممثلي شركات الطيران ومشغلي المطارات في 21 أبريل 2026. وتهدف هذه الاجتماعات إلى بحث سبل تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وضمان التنسيق الفعال في حال تفاقم الأزمة.
كما تسعى الحكومة إلى الاستماع إلى مخاوف الشركات، والعمل على إيجاد حلول عملية للتحديات التي تواجهها. ويتوقع أن تشمل خطط الطوارئ مجموعة من الإجراءات، مثل إعطاء الأولوية لتوزيع الوقود على القطاعات الحيوية، وتشجيع استخدام بدائل الطاقة حيثما أمكن، بالإضافة إلى تحسين كفاءة الاستهلاك. كما قد يتم النظر في تقديم دعم مالي لبعض الشركات المتضررة، خاصة في قطاع الطيران، لتخفيف الأعباء الناجمة عن ارتفاع التكاليف.
برلين تفضل اتباع نهج أكثر حذرا
يتناقض تحرك ألمانيا للاستعداد لأزمة محتملة مع جهود بروكسل للتقليل من شأن المخاوف. فقد صرح مفوض النقل في الاتحاد الأوروبي، أبوستولوس تزيتزيكوستاس، خلال ابريل 2026، بأنه “لا يوجد ما يشير” إلى نقص في وقود الطائرات، حتى مع قيام شركات طيران، من بينها الخطوط الجوية الملكية الهولندية (KLM) ولوفتهانزا، بتقليص رحلاتها استجابة للارتفاع الحاد في أسعار الوقود.
ويعكس هذا التباين في المواقف اختلافا في تقييم المخاطر بين الدول الأعضاء والمؤسسات الأوروبية. ويرى بعض المراقبين أن بروكسل تسعى إلى تجنب إثارة الذعر في الأسواق، في حين تفضل برلين اتباع نهج أكثر حذرا يقوم على الاستعداد لأسوأ السيناريوهات. ويعتقد هؤلاء أن هذا الاختلاف قد يكون مفيدا في نهاية المطاف، حيث يتيح تبادل وجهات النظر وتطوير استجابات أكثر توازنا.
يحذر خبراء الصناعة من أنه حتى في حال عودة حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، فمن المتوقع أن تظل الأسعار مرتفعة في المستقبل المنظور. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها استمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، بالإضافة إلى محدودية الطاقة الإنتاجية لدى بعض الموردين.
كما أن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق وقتا طويلا، وهو ما يبقي الضغوط على الأسعار. وقد صرح ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، ، بأن عودة إمدادات الوقود إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق “عدة أشهر”. وأضاف أن شركات الطيران بحاجة إلى التكيف مع هذا الواقع الجديد، من خلال تحسين كفاءة التشغيل، وإعادة تقييم استراتيجيات التسعير. كما دعا الحكومات إلى تقديم الدعم اللازم لضمان استمرارية هذا القطاع الحيوي.
تبدو ألمانيا عازمة على اتخاذ خطوات استباقية لحماية اقتصادها من تداعيات الأزمة. ويعكس ذلك إدراكا متزايدا لأهمية أمن الطاقة في عالم يشهد تحولات سريعة وتحديات متزايدة. ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يبقى مستقبل إمدادات الوقود غير مؤكد، مما يفرض على الدول الاستعداد لمواجهة سيناريوهات مختلفة.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي، وتطوير استراتيجيات مشتركة لضمان استقرار الأسواق. كما يصبح من الضروري الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري على المدى الطويل. وقد تشكل هذه الأزمة فرصة لإعادة التفكير في سياسات الطاقة، وتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.
يظل التحدي الأكبر أمام الحكومات هو تحقيق التوازن بين تأمين الاحتياجات الفورية، والتخطيط للمستقبل. فإدارة الأزمات تتطلب قرارات سريعة وحاسمة، لكنها تحتاج أيضا إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى. ومن خلال هذه المقاربة، يمكن لألمانيا وغيرها من الدول تجاوز هذه المرحلة الصعبة، وبناء نظام طاقة أكثر مرونة وقدرة على الصمود.


