جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاتحاد الأوروبي نحو بناء منظومة دفاعية مشتركة وتكامل عسكري موسّع
باشرت مجموعة من 30 عضوًا من مختلف الأحزاب في البرلمان الأوروبي مهامها في السابع من مايو 2026. وتتمثل مهمتها في الضغط من أجل إنشاء اتحاد دفاع أوروبي، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوروبا بشأن مستقبل الأمن القاري في ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتراجع اليقين المرتبط باستمرار المظلة الأمنية الأمريكية.
وصف أعضاء البرلمان الأوروبي جهودهم بأنها وسيلة لتعزيز أجندة الدفاع التي يروج لها مفوض الدفاع أندريوس كوبيليوس، الذي يقولون إنه “يسير في الاتجاه الصحيح”، في حين أن الدول الأعضاء “لا تزال العقبة الرئيسية” أمام اتخاذ قرارات أسرع بشأن ملفات الدفاع. كما وُلدت هذه المبادرة كرد مباشر على التعليقات الاستخفافية التي أدلى بها رئيس حلف الناتو خلال العام 2026.
انقسام داخل الأطلسي
يقول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته: “إذا كنتم تعتقدون أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، فاستمروا في أحلامكم”. وردّ النائب الهولندي عن حزب الخضر في البرلمان الأوروبي، رينير فان لانشوت قائلًا: “إنها ليست حلمًا، بل ضرورة”.
تضم المجموعة أعضاءًا في البرلمان الأوروبي من أحزاب الشعب الأوروبي، والتجديد، والاشتراكيين والديمقراطيين، والخضر، وتتمتع بقاعدة قوية من الفرنسيين والهولنديين والألمان، إلى جانب عدد من المشرعين من أوروبا الشرقية. ولا يظهر أي أعضاء من البرلمان الأوروبي من إيطاليا أو إسبانيا أو اليونان بين الموقعين، على الرغم من أن فان لانشوت صرح بأن الائتلاف يعمل على ضم أصوات من منطقة البحر الأبيض المتوسط.
إنشاء اتحاد دفاع أوروبي أعمق
وفي ورقة قاموا بصياغتها، وموجهه إلى عواصم الاتحاد الأوروبي الـ27، يدعون إلى إحراز تقدم سريع نحو إنشاء اتحاد دفاع أوروبي وتكامل عسكري أعمق على مستوى الاتحاد الأوروبي. ويدعو النص إلى “صنع القرار المشترك، وهياكل القيادة المتكاملة، والقدرات الاستراتيجية، وقوة رد الفعل السريع”، إضافة إلى الموافقة السريعة على حزمة الدفاع الشاملة. وأكدوا بأن الخطوات التالية يجب أن تكون تكاملًا دفاعيًا أوروبيًا أعمق وآليات شراء مشتركة، بما يسمح بتقليص الازدواجية بين الصناعات العسكرية الأوروبية وتحسين كفاءة الإنفاق الدفاعي مستقبلًا.
دعوات لتعميق التعاون بشأن قضايا الدفاع
تقول ماري أغنيس ستراك زيمرمان، رئيسة لجنة الأمن والدفاع “SEDE”: “المفوضية جاهزة، والبرلمان جاهز، والآن الأمر متروك للدول الأعضاء. بوتين لن ينتظر الموافقات الوطنية”. وتخطط المجموعة غير الرسمية لزيارة أولى لقاعدة رامشتاين الجوية في 18 مايو 2026 كجزء من جهودها لتعميق التنسيق بشأن قضايا الدفاع الأوروبية.
كما ترى المجموعة أن المشروع وسيلة لدمج شركاء مثل أوكرانيا بشكل أوثق في بنية الأمن الأوروبي، حتى قبل أن يصبح الانضمام الرسمي إلى الاتحاد الأوروبي ممكنًا. توضح راسا يوكنيفيتشين، عضوة البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الأوروبي الليتواني: “نحن اليوم بحاجة إلى أوكرانيا لحمايتنا بقدر حاجتهم إلينا”.
وأضافت: “من الصعب التنبؤ بموعد انضمام أوكرانيا كدولة عضو كاملة العضوية في الاتحاد الأوروبي بسبب طول إجراءات الانضمام، وقد يكون الاتحاد الدفاعي هو السبيل الأمثل لانضمامها على الفور”.
أوروبا يمكنها سد فجوات قدراتها العسكرية
يقول خبراء ألمان في ورقة موقف إن أوروبا يمكنها سد فجوات قدراتها العسكرية بشكل أسرع بكثير وبتكلفة أقل مما كان متوقعًا، مع تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في الوقت نفسه. ويأتي ذلك بعد القرار الأمريكي بعدم إرسال وحدة صواريخ بعيدة المدى إلى ألمانيا، وهو ما أعاد فتح النقاش بشأن نقاط الضعف الدفاعية الأوروبية، خصوصًا في مجال الردع بعيد المدى.
أوضح توماس إندرز، رئيس المجلس الألماني للعلاقات الخارجية وأحد المشاركين في إعداد الورقة: “إن العقبة ليست المال ولا التكنولوجيا، ما نحتاجه هو الإرادة السياسية للتحرك على المستوى الأوروبي، واتخاذ القرارات ثم تنفيذها بأسرع وقت ممكن وبشكل عملي”.
ترى مجموعة الخبراء، التي تضم شخصيات من قطاعات الصناعة والأوساط الأكاديمية والسياسية، أن الدول الأعضاء لن تحتاج إلا إلى استثمار حوالي 500 مليار يورو على مدى السنوات العشر المقبلة لسد فجوات القدرات العسكرية، وهو مبلغ يمثل جزءًا محدودًا من إجمالي الإنفاق الدفاعي المتوقع أوروبيًا خلال العقد المقبل.
تنسيق البرامج الاستراتيجية الرئيسية ومناقشة الردع النووي
يقول الخبراء إن أوروبا تستطيع أيضًا تحقيق درجة عالية من السيادة العسكرية خلال خمس إلى عشر سنوات، إذا ما تم تحويل هذا الهدف إلى أولوية سياسية فعلية عبر جهود أوروبية مشتركة ومنسقة. ويظل اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة قويًا بشكل خاص في مجالات الاتصالات العسكرية، والأقمار الصناعية، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الاستطلاع والإنذار المبكر.
وتحث الورقة دول الاتحاد الأوروبي على اتباع مفهوم التعاون عبر “الدول الرائدة” بدلًا من الاعتماد الكامل على “الهياكل الأوروبية الكبرى”. ووفقًا للمقترح، يمكن لألمانيا وفرنسا وبولندا والمملكة المتحدة تنسيق البرامج الاستراتيجية الرئيسية ومناقشة الردع النووي، بينما تقود دول شمال أوروبا ودول البلطيق وهولندا مجالات الاستقلال البحري والحرب الإلكترونية. كما تستعد ألمانيا لتولي أدوار أكبر في الدفاع الجوي والدفاع ضد الطائرات المسيّرة بالتعاون مع بعض الشركاء الأوروبيين.
يوضح موريتز شولاريك، رئيس معهد كيل وأحد المشاركين في إعداد الورقة: “كل يورو يتم استثماره في البرمجيات والذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء يمكن أن يولد مضاعفًا اقتصاديًا يصل إلى 1.5. أوروبا قادرة على تحمل هذه الاستثمارات، وما لا يمكنها تحمله هو التخلي عنها”.
في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتراجع الثقة الأوروبية في استدامة الضمانات الأمنية الأمريكية، يبدو أن أوروبا تتجه تدريجيًا نحو مرحلة جديدة عنوانها “الاستقلال الدفاعي المشروط”.
المبادرة التي يقودها أعضاء في البرلمان الأوروبي لإنشاء اتحاد دفاع أوروبي لا تمثل مجرد تحرك سياسي عابر، بل تعكس إدراكًا متزايدًا بأن البيئة الأمنية الحالية لم تعد تسمح بالاعتماد الكامل على المظلة الأطلسية التقليدية.
من المرجح أن تتسارع خطوات التكامل العسكري الأوروبي، خصوصًا في مجالات الصناعات الدفاعية المشتركة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي العسكري. كما ستدفع التهديدات الروسية المستمرة، إلى جانب احتمالات الانكفاء الأمريكي النسبي، دول الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز بعض الخلافات السيادية التي عطلت سابقًا مشاريع الدفاع الموحد.
إن الطريق نحو اتحاد دفاع أوروبي فعلي سيظل معقدًا. فالدول الأوروبية لا تنظر إلى التهديدات الأمنية بالطريقة نفسها؛ إذ تركز دول الشرق الأوروبي على الردع العسكري المباشر ضد روسيا، بينما تعطي دول جنوب أوروبا أولوية أكبر للهجرة والأمن البحري والاستقرار الإقليمي. لذلك قد يظهر نموذج “التحالفات المرنة” داخل الاتحاد، حيث تقود مجموعات محددة من الدول مشاريع دفاعية متخصصة دون انتظار إجماع أوروبي كامل.
من المحتمل أن يتحول ملف أوكرانيا إلى نقطة ارتكاز مركزية في إعادة تشكيل المنظومة الأمنية الأوروبية. وقد تحصل كييف مستقبلًا على صيغة اندماج دفاعي تدريجي مع أوروبا حتى قبل العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.
اقتصاديًا، ستستفيد الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأوروبية من موجة الإنفاق الدفاعي الجديدة، ما قد يحفز الابتكار ويوفر فرص نمو طويلة الأمد. لكن نجاح هذا المسار سيعتمد في النهاية على عامل واحد حاسم: قدرة القادة الأوروبيين على تحويل الخطابات السياسية إلى قرارات تنفيذية سريعة وموحدة.
إذا استمرت الأزمات الدولية بالتصاعد، فقد يشهد العقد المقبل ولادة إنشاء “جيش أوروبي غير معلن”، يعمل بالتوازي مع الناتو وليس بديلًا عنه.


