الأكثر قراءة

نزاع متفاقم حول تشكيل الهيئة المصرفية العليا

جريدة الحرة ـ بيروت

بعد الاعتراضات التي أثارها حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، الأسبوع الماضي على مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي أمام نواب لجنة المال والموازنة، تستمر المشاورات ولكن في مناخ أكثر ضبطاً ظاهرياً. خلال نهاية الأسبوع الماضي، عُقد اجتماع استمر عدة ساعات ضمّ رئيس الوزراء نواف سلام، ووزيري المالية والاقتصاد ياسين جابر وعامر بساط، بالإضافة إلى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. كان الهدف من الاجتماع هو توحيد وجهات نظر المشاركين، كما عُقد يوم الثلاثاء الماضي اجتماع للجنة البرلمانية الفرعية الخاصة بمشروع القانون التي يرأسها رئيس لجنة المال والموازنة، إبراهيم كنعان.

أفادت مصادر مطلعة على الملف بأنه “تبيّن أن 90% من النقاط لا تشكل عقبة أمام التوافق، لكن المشكلة تكمن في الـ10% المتبقية، التي تبقى على درجة من الأهمية والتعقيد”.

استقلالية الهيئة العليا؟

خلال المناقشات، أعاد سعيد تأكيد معارضته الصارمة للمادة الخامسة من مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف. وتقترح هذه المادة تكويناً جديداً للهيئة المصرفية العليا المقترح تشكيلها في مشروع القانون من الحاكم كرئيس، وأحد نواب الحاكم، ورئيس لجنة الرقابة على المصارف ورئيس مؤسسة ضمان الودائع، بالإضافة إلى ثلاثة خبراء تعينهم الحكومة.

من وجهة نظر مصرف لبنان، يعتبر هذا التشكيل تعدياً على استقلالية المصرف وصلاحياته، حيث من المفترض أن يكون هو “المنظم والمراقب الوحيد للقطاع المصرفي”، وفقاً لقانون النقد والتسليف. ويُنظر إلى وجود أعضاء معيّنين سياسياً (الثلاثة خبراء) على أنه تدخل غير مقبول، بينما يُعتبر وجود رئيس لجنة الرقابة على المصارف – وهي مؤسسة تابعة لمصرف لبنان – انتهاكاً لصلاحيات الحاكم وتراكماً غير مقبول لوظائف الرقابة والعقوبات.

في المقابل، أشار بعض المشاركين في المناقشات إلى أن الانتقادات الموجهة لرئيس لجنة الرقابة يمكن أن تنطبق أيضاً على الحاكم نفسه، حيث يعتبر مصرف لبنان في حد ذاته منظماً ومراقباً أيضاً. بالنسبة لهذه المصادر، يكمن الحل في منح الهيئة المصرفية العليا استقلالية حقيقية، بحيث تكون منفصلة تماماً عن مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف.

تحول طائفي

لم تعد المشكلة تقنية بحتة؛ فقد أخذ النقاش منحى طائفياً، تفاقم بتصريحات شقيق حاكم مصرف لبنان، السياسي المخضرم فارس سعيد الذي دعا النواب الموارنة إلى التكتل للدفاع عن صلاحيات الحاكم، كون هذا المنصب تقليدياً يعود للطائفة.

إلى ذلك يعرب الحاكم أيضاً عن معارضته للمادة الثالثة من مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، التي تنص على أن تطبيق القانون يجب أن يحقق أربعة أهداف رئيسية: تعزيز استقرار النظام المالي، ضمان استمرارية الوظائف الأساسية للمصارف، حماية الودائع ضمن عمليات التصفية وإعادة الهيكلة، وتقليل الاعتماد على الأموال العامة لإعادة تأهيل القطاع.

وفقاً لمصدر قريب من مصرف لبنان، فإن الأهداف الثلاثة الأولى مغطاة بالفعل بموجب قانون النقد والتسليف، لكن الهدف الرابع يثير توتراً كبيراً. بالنسبة للمعارضين لهذا البند، فإن تقليل استخدام الأموال العامة يعني ضمنياً أن الدولة لا تنوي أو لا تستطيع تحمل كامل مسؤولياتها المالية، وهو ما ترفضه المصارف بشكل قاطع.

مفاجآت جديدة؟

منذ توليه منصبه، كرر وزير المالية ياسين جابر أن مصرف لبنان مسؤول عن وضع الإطار التشريعي لسد الفجوة المالية، أي مشروع القانون الذي يهدف إلى حل أزمة الودائع المحجوزة بشكل غير قانوني في المصارف.

ومع ذلك، يرفض كريم سعيد هذه المسؤولية. ففي بيان صدر الأربعاء، أكد أن أي قانون يتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي أو “التوازن المالي” أو “توزيع المسؤوليات المالية” هو من اختصاص مجلس الوزراء ويخضع لموافقة البرلمان، بينما يقتصر دور مصرف لبنان على تقديم الاستشارات فقط (وفقاً للمادتين 71 و72 من قانون النقد والتسليف)، بهدف تحسين فعالية هذه القوانين وضمان انسجام التشريعات الجديدة مع الإطار التشريعي المصرفي القائم.

مفاجأة أخرى ظهرت خلال اجتماع مع ممثلين عن جمعيات المودعين الأسبوع الماضي، حيث أكد الحاكم تمسكه بتطبيق المادة 113 من قانون النقد والتسليف، التي تلزم الدولة بتغطية خسائر مصرف لبنان. كما شدد على ضرورة استغلال احتياطي الذهب وأصول الدولة لسداد الديون، مؤكداً أن الديون المستحقة لمصرف لبنان على المصارف هي ديون تجارية لا يمكن إلغاؤها.

تشير هذه المواقف إلى إمكانية حدوث مفاجآت جديدة في الأسابيع والأشهر القادمة، مما يعكس حجم الخلافات المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات حول إدارة الأزمة المصرفية ومستقبل الودائع المفقودة.

https://hura7.com/?p=53795

الأكثر قراءة