الأكثر قراءة

نزع سلاح حزب الله.. هل تفتح آلية التحقق باباً لمرحلة جديدة في لبنان؟

جريدة الحرة بيروت

لم تتوقف مفاوضات روما عند ملف الحدود والانسحاب والأسرى، بل دخلت أيضاً في تفاصيل آلية التحقق من نزع سلاح حزب الله، وهي مسألة تحمل أبعاداً أمنية وسياسية وقانونية تتجاوز حدود التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل. ووفق مسؤول لبناني نقلت عنه رويترز، توصل الطرفان إلى قائمة مختصرة لدول يمكن أن تشارك بقوات تتولى مهمة التحقق، بينما أصبحت عملية الاختيار النهائي مرتبطة بالقرار الأميركي.

هذه الخطوة، إذا انتقلت من مستوى النقاش إلى التنفيذ، ستعني إدخال طرف دولي جديد في ترتيبات أمنية حساسة داخل لبنان. ولذلك فإن القضية لا تتعلق فقط باسم الدولة أو الدول التي ستشارك، وإنما بطبيعة المهمة، وحجم القوات، وصلاحياتها، وعلاقتها بالجيش اللبناني، والإطار القانوني الذي سيتيح وجودها على الأراضي اللبنانية.

من يراقب نزع السلاح؟

رفض لبنان في مرحلة سابقة مقترحاً بإسناد مهمة التحقق إلى شركات أمنية خاصة، وهو موقف يحمل دلالة واضحة على حساسية الملف بالنسبة إلى الدولة اللبنانية. فوجود قوة أجنبية على الأراضي اللبنانية يحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي واضح، خصوصاً إذا كانت مهمتها مرتبطة بملف داخلي شديد التعقيد مثل نزع سلاح حزب الله.

ومن الخيارات التي يجري بحثها وضع هذه القوات ضمن إطار قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، في وقت ينتهي فيه التفويض الحالي لليونيفيل في نهاية العام. غير أن اعتماد هذا الخيار يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن، وهو ما يجعل المسألة مرتبطة بمسار دبلوماسي دولي قد لا يكون سهلاً.

وهناك خيارات أخرى مطروحة، من بينها نشر القوات تحت مظلة وكالة أممية أخرى أو بموجب مذكرة تفاهم مع الحكومة اللبنانية. ولكل خيار من هذه الصيغ تبعاته السياسية والقانونية، لأن طريقة نشر القوة ستحدد طبيعة مهمتها وحدود صلاحياتها ومدى قدرتها على العمل بالتنسيق مع الجيش اللبناني.

المسألة الأساسية بالنسبة إلى لبنان ستكون الحفاظ على دور مؤسسات الدولة في إدارة الملف الأمني. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن وجود جهة قادرة على التحقق من نزع السلاح قد يوفر الضمانة التي تطالب بها قبل المضي في مراحل إضافية من الانسحاب. وبين هذين الموقفين تحاول واشنطن بناء صيغة يمكن أن تكون مقبولة لدى الأطراف المعنية.

واشنطن أمام اختبار التنفيذ

يبدو الدور الأميركي في المرحلة المقبلة أكثر حضوراً، خصوصاً بعد إعلان الرئيس اللبناني أن الإدارة الأميركية ستعمل على معالجة ملفي وقف إطلاق النار والمناطق التجريبية. كما أن وصول الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد إلى بيروت لمتابعة هذه الملفات يمنح الوساطة الأميركية بعداً تنفيذياً أكبر.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد وصفت أجواء مفاوضات روما بأنها إيجابية، وقالت إن لبنان وإسرائيل أصبحا “أقرب بكثير” إلى توسيع تجربة المناطق التجريبية. لكن هذه القراءة الأميركية تختلف جزئياً عن المعطيات التي نقلتها “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أميركيين ولبنانيين، والتي تحدثت عن غياب اختراق مهم في الجولة الأخيرة، خصوصاً بعد رفض إسرائيل الانسحاب من مناطق إضافية.

وهنا تظهر صعوبة الدور الأميركي. فواشنطن مطالبة من جهة بدفع إسرائيل نحو خطوات تتعلق بالانسحاب، ومن جهة أخرى بتأمين الترتيبات الأمنية التي تطالب بها تل أبيب. كما أنها أمام مهمة أكثر تعقيداً تتعلق بإيجاد صيغة للتحقق من نزع سلاح حزب الله من دون تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام ترتيبات أمنية أجنبية غير واضحة الحدود.

اتفاق الإطار الذي أبرمه لبنان وإسرائيل في 26 يونيو/حزيران الماضي، بعد خمس جولات من المفاوضات في واشنطن، وضع أساساً لمسار يقوم على نزع سلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، بدءاً من منطقتين تجريبيتين. لكن الانتقال من هذا الإطار إلى التطبيق يثبت أن التفاصيل هي الجزء الأصعب من الاتفاق.

فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمبدأ الانسحاب أو نزع السلاح، وإنما بمن يراقب، ومن يقرر، ومن يتحمل مسؤولية التحقق، وكيف تنتشر القوات، وما الصلاحيات التي تمنح لها، وكيف تنسق مع الجيش اللبناني. وكل إجابة عن هذه الأسئلة ستؤثر مباشرة في شكل المرحلة المقبلة.

لذلك تبدو المرحلة القادمة اختباراً حقيقياً للوساطة الأميركية. فإذا نجحت واشنطن في صياغة آلية تحقق مقبولة، بالتوازي مع تحريك ملف الانسحاب ووقف إطلاق النار، فقد يصبح اتفاق الإطار قابلاً للانتقال إلى مرحلة التنفيذ. أما إذا بقيت الخلافات حول المناطق التجريبية والوجود الدولي وآليات نزع السلاح من دون حلول، فقد تستمر المفاوضات من دون أن يتحول التقدم السياسي إلى تغيير ملموس على الأرض.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح واشنطن في بناء آلية تحقق تضمن الأمن من دون المساس بدور الدولة اللبنانية، وتفتح في الوقت ذاته الطريق أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي، أم أن تعقيدات نزع السلاح والوجود الدولي ستضيف عقدة جديدة إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل؟

https://hura7.com/?p=82764

الأكثر قراءة