الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

نعيم قاسم: شراكة الدولة في التفاوض مع إسرائيل… وسلاح حزب الله “شأن داخلي”

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

بعدما اتهم الدولة اللبنانية، والرئيسين عون وسلام بالخيانة، ووضع غالبية اللبنانيين المؤيدين للرئيسين في الموقع نفسه، أعلن الشيخ نعيم قاسم استعداده للقبول بالمشاركة مع الدولة اللبنانية في التفاوض غير المباشر مع إسرائيل. وهذا الإعلان، مهما حاول صاحبه تغليفه بالشعارات، يكشف حقيقة أساسية: أن الحزب كان يسعى منذ البداية إلى الوصول إلى شراكة في التفاوض، بعدما أوصل البلاد إلى حافة الانهيار العسكري والسياسي والاقتصادي.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت المشاركة مع الدولة في التفاوض جائزة اليوم، فلماذا كانت الدولة تُتَّهم بالخيانة كلما حاولت حماية لبنان عبر الدبلوماسية؟ ولماذا يصبح التفاوض وطنية حين يشارك فيه الحزب، وخيانة حين تقوم به الدولة اللبنانية وحدها؟ هذه الازدواجية في المعايير، لم تعد تقنع أحدا، لأن طلب المشاركة أسقط الخطاب القديم الذي بنى شرعيته على تخوين كل مخالف، وعلى احتكار المقاومة والقرار السيادي.

ونسأل سماحة الشيخ نعيم، تريدون المشاركة مع الدولة في التفاوض، لكن هل أشركتم الدولة يوما في قرارات الحرب والسلم؟ هل استشار حزبكم المؤسسات الدستورية قبل الإقدام على حرب تموز 2006 التي دمّرت لبنان وأعادت الجنوب عقودا إلى الوراء؟ وهل سأل اللبنانيين قبل فتح جبهة “إسناد غزة” في العام 2023، وما استتبعها من ويلات على الجنوب والضاحية وعلى الاقتصاد اللبناني المنهار أصلا؟ وهل ناقش أحدا عندما زُجّ لبنان في مواجهة مرتبطة باغتيال خامنئي، بينما كان معظم اللبنانيين، وحتى قسم كبير من البيئة الشيعية نفسها، يرفضون الانجرار إلى حرب جديدة؟ بالطبع لا، وقد اعتاد على ذلك لضعف الدولة اللبنانية، وكون معظم السياسيين اللبنانيين والأحزاب أصبحوا مرتبطين به بمصالح سياسية وانتخابية، أو لتغطية فسادهم لقاء السكوت على سلاحه.

لقد تعامل الحزب دائما مع لبنان باعتباره ساحة مفتوحة لمشاريع إقليمية، لا دولة مستقلة لها مؤسساتها ومصالحها الوطنية. وحين دخل الحرب السورية بأمر من الولي الفقيه دفاعا عن نظام بشار الأسد، قال للبنانيين، وسوّقت أبواقه الإعلامية، إن شيعة القصير مهددون ويجب انقاذهم، وكذلك مقرّ السيدة زينب بالقرب من دمشق. وتبيّن لاحقا أن المسألة كانت جزءا من مشروع إقليمي تقوده إيران لحماية نفوذها الممتد من طهران إلى المتوسط كي لا ينقطع التواصل اللوجستي لهلالها الشيعي مع لبنان من جراء سقوط نظام الأسد. ويومها أيضا، لم تُستشر الدولة، ولم يُسأل اللبنانيون إن كانوا يريدون التورط في ثورة سورية دفع بلدهم أثمانها الأمنية والمذهبية والاقتصادية لسنوات طويلة.

والمفارقة أن الحزب يتباهى بعد حربي اسناد غزة، واسناد إيران انتقاما لاغتيال خامنئي بإطلاق المسيّرات والصواريخ، وبقدرته على “إيذاء إسرائيل”، لكنه يتجاهل حجم الكارثة التي لحقت بالجنوب وأهله، بتهديم البيوت ونزوح الأسر وسقوط الشباب الشيعي في حرب لم يقررها اللبنانيون، فضلا عن الكم من المؤسسات الاقتصادية التي انهارت في بلد يختنق أصلا بالديون والانهيار والهجرة. إن أي مقاومة لا تُقاس فقط بحجم الدمار المتبادل، بل بقدرتها على حماية الناس. وأي انتصار يمكن الحديث عنه بينما الجنوب مدمَّر ومهجر، والدولة أضعف، والاقتصاد أكثر انهيارا، والسيادة أكثر ارتهانا للخارج.

ونعود إلى السؤال ذاته: هل كان الوصول إلى المشاركة في التفاوض غير المباشر يستحق كل هذه الدماء والخسائر؟ ألم يكن ممكنا تجنيب لبنان الحرب أصلا، بدل دفعه إلى التفاوض من موقع الضعيف، فيما الجنوب يعيش احتلالا جديدا، والدولة عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة على أرضها؟

الحقيقة التي يحاول الحزب الهروب منها، هي أن التفاوض ليس خيارا لبنانيا حرا في ظل هذا الخراب، بل نتيجة مباشرة للسياسات التي اتبعها طوال العقود الماضية، وأعادت الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب منذ العام 2024. فمن قاد لبنان إلى العزلة العربية والدولية؟ ومن حوّل الدولة إلى هيكل عاجز أمام سلاح خارج سلطتها؟ ومن جعل الاقتصاد رهينة الحروب والعقوبات والمحاور الإقليمية؟ ومن صادر قرار الحرب والسلم من المؤسسات الشرعية؟

إن التفاوض عملية مشروعة ومسؤولية الدولة اللبنانية وحدها، لأنها وحدها تمثل جميع اللبنانيين، لا فئة واحدة مرتبطة بمشروع عقائدي عابر للحدود. لا يريد اللبنانيون أن يتفاوض الحزب باسمهم أو معهم، ولا أن تتفاوض إيران عن لبنان ضمن مساوماتها الكبرى مع الولايات المتحدة، بل يريدون أن يتحرر من إيران وسلاحكم ويعود الجسد اللبناني معافى. هم يريدون فقط دولة طبيعية يعيشون فيها بتعددية وسلام، لا دويلة مسلحة فوقها.

لقد تعب اللبنانيون من تحويل وطنهم إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. وتعبوا أكثر من خطاب التخوين الذي يُستخدم لإسكات أي اعتراض على مشروع السلاح غير الشرعي. فمن يرفض الحرب يُتهم بالخيانة، ومن يطالب بسيادة الدولة يُتهم بالعمالة أو بـ “جماعة السفارات”، ومن يريد الحياد والاستقرار يُصوَّر كأنه متآمر على “المقاومة”. إذا كان ذلك خيانة، فماذا يُقال عن ارتباطكم بإيران، “أكلا وشربا ورواتب وصواريخ”؟

وفي العمق، تبدو إسرائيل والحزب، رغم عدائهما الظاهر، وكأنهما يستفيدان من بعضهما البعض. فإسرائيل استخدمت سلاح الحزب وتطرفه ذريعة لتبرير اعتداءاتها المتكررة على لبنان وإعادة احتلال أجزاء من الجنوب، فيما يستثمر الحزب هذا الاحتلال الجديد لإعادة إنتاج سردية “مقاومة دائمة” لا تنتهي، وتبرير استمرار سلاحه وهيمنته في الداخل. وهكذا يبقى لبنان رهينة دائرة مغلقة من الحروب والدمار والخوف.

الشاطر الحقيقي، يا شيخ نعيم، ليس من يدخل شعبه في الحروب ثم يتباهى بالصمود وسط الخراب والقتل، بل من يجنب شعبه الحروب أساسا. القيادة ليست في عدد الصواريخ ولا في عدد المسيرات التي تنقض على إسرائيل، بل في حماية البشر والاقتصاد والاستقرار والسيادة. فالأوطان لا تُبنى بالموت الدائم للولي الفقيه، بل بالحياة الكريمة والاستقرار والمؤسسات. وقد كان مفهوم “المقاومة” مفهوما لدى جزء كبير من اللبنانيين حتى تحرير الجنوب في العام 2000، لكن ما تلا ذلك كشف أن السلاح لم يعد لتحرير الأرض وقد تحررت، بل لترسيخ نفوذ “ولاية الفقيه” داخل لبنان، وربط الطائفة الشيعية بمشروع إقليمي يتجاوز حدود الوطن اللبناني ومصالحه… وصولا إلى إسقاط الدولة.

وقد أظهرت العقود الماضية أن الجنوب تحوّل تدريجيا إلى وقود لصراعات إيران الإقليمية، فيما جرى إقناع البيئة الحاضنة بأن التضحية بالنفس في سبيل “الولي الفقيه” هي ذروة الشهادة التي تدرّس للأـطفال الشيعة في مدارس الحزب تحت العلم الإيراني. إنها أيديولوجيا لم تتغير، حتى لو تغيّرت الشعارات والأساليب.

وهنا يصبح السؤال الأكثر إحراجا: كيف يكون السلاح “شأنا لبنانيا داخليا”، كما نقلت الأنباء بالأمس عن نعيم قاسم، فيما التمويل والتسليح والتدريب والصواريخ والرواتب والقرار الاستراتيجي مرتبط بإيران؟ وكيف يكون السلاح شأنا داخليا، وقد أدى هذا السلاح منذ عقود إلى الاخلال بالتوازن بين الطوائف، وانتهك الدستور وقضى على سيادة لبنان، وصولا إلى الحدود مع إسرائيل وسورية، وقد جعل الرئاسات الأولى والثالثة والحكومات اللبنانية تحت سيطرته، ومجالس النواب ألعوبة في يده ويد حليفه نبيه بري؟ وهذا السلاح كان مسؤولا عن تدمير التعايش بين اللبنانيين، واقتصاد بلدهم عبر التهريب وحماية الفاسدين والمفسدين في الدولة ومؤسساتها، فضلا عن فرض دفع التعويضات عليها لقتلاه الذين يسقطون فداء للولي الفقيه، أو ما تسبب فيه التدمير على يد إسرائيل. عدا ذلك، استهدف هذا السلاح “الداخلي” الثورة السورية والعراق واليمن، وبلدان خليجية لضرب الاستقرار فيها المطلوب إيرانيا، وصولا إلى حرب اسناد غزة، ثم أخيرا وليس آخرا، ربط مصير لبنان مباشرة باغتيال خامنئي، وبالتالي حلول المصائب والكوارث عليه، وضياع جنوبه.

أليست مفارقة كبرى، شيخ نعيم، أن يصبح التفاوض مع إسرائيل مقبولا عندما تشاركون فيه، فيما يُصوَّر كخيانة عندما تقوم به الدولة اللبنانية وحدها؟ يعرف اللبنانيون، منذ سنوات طويلة، أن الحزب مارس التفاوض غير المباشر بوسائل مختلفة، عبر الوسطاء والاتفاقات الأمنية وتفاهمات الحدود، وصولا إلى النفط والغاز، حيث فرض الخط 23 على الدولة اللبنانية. أما اليوم، فتعلنون شرعية التفاوض علنا مختبئين وراء الدولة اللبنانية، بعدما تغيّرت موازين القوى، وبعدما دفع لبنان أثمانا هائلة. ولو كان لبنان مستقرا، وجنوبه آمنا، ودولته قوية، لما وصل تفكير الحكومة اللبنانية قسرا إلى التفاوض أصلا. لكن سياسات حزبكم وتهوره دفعت البلاد إلى هذا الخيار القاسي. والأسوأ أنكم تدعون اليوم وجوب مشاركتكم في “إصلاح” ما أسهمتم بأنفسكم في تخريبه.

لقد كشفت هذه المرحلة حقيقة مرّة: أن الدولة اللبنانية دُفعت إلى التفاوض تحت ضغط الحرب والخراب، فيما انكشف الحزب بدوره أمام اللبنانيين أن سلاحه ليس “شأنا داخليا”. وبدا واضحا أن لبنان، في نهاية المطاف مجرد ساحة تُقدَّم، عند الحاجة، فداءً لمصالح الولي الفقيه وصراعاته الإقليمية.

الاستنتاج

لم تعد أزمة لبنان تدور فقط حول سلاح حزب الله أو التفاوض مع إسرائيل، أو أن هذا السلاح هو “شأن داخلي”، بل حول طبيعة الكيان اللبناني نفسه: هل يكون دولة سيدة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، أم يبقى ساحة مفتوحة لمشاريع إقليمية تتجاوز إرادة اللبنانيين ومصالحهم؟ لقد كشف كلام نعيم قاسم، من حيث أراد أو لم يرد، حجم التناقض الذي حكم خطاب حزبه طوال العقود الماضية. فالتفاوض الذي صُوِّر سابقا كخيانة وطنية عندما تفكر فيه الدولة اللبنانية، أصبح اليوم مقبولا، بل مطلوبا عندما يسعى الحزب إلى المشاركة فيه. وهذا وحده يكفي لإسقاط سردية التخوين التي استُخدمت طويلا لإخضاع اللبنانيين وإسكات كل من طالب بالدولة والسيادة والحياد.

والأخطر أن لبنان دفع، قبل الوصول إلى هذه اللحظة، أثمانا هائلة لا تُحصى، بفعل الأيديولوجيا التعبوية، وتحويله إلى خزان دائم للحروب المفتوحة. وبعد كل ذلك، يعود الحزب إلى الدولة التي همّشها لعقود، طالبا الشراكة في التفاوض، وكأن اللبنانيين مطالبون دائما بدفع الكلفة البشرية والاقتصادية، فيما يبقى القرار الحقيقي مرتبطا بحسابات إيران وصراعاتها الإقليمية.

وربما تكون المأساة الأكبر أن الحزب، وهو يرفع شعار الدفاع عن لبنان، ساهم عمليا في كشفه وإضعافه ودفعه إلى التفاوض من موقع العجز والانهيار. وهنا يطرح سؤال مشروع: لماذا أراد الحزب فجأة مشاركة الدولة اللبنانية “الخائنة” في التفاوض؟ برأينا، هو لمنعها من الانفراد بقرار الحرب والسلم، لأن ذلك يكرّس مرجعيتها السيادية وحدها، بينما قام نفوذه تاريخيا على فرض رأيه عليها في الملفات الاستراتيجية. لذلك، يريد البقاء طرفا مقرِّرا في أي تفاهمات تتعلق بالجنوب أو السلاح أو الحدود.

وفي الوقت نفسه، يحاول الحزب تبرير التضحيات والخسائر أمام بيئته الحاضنة، عبر تقديم التفاوض كأنه نتيجة “انتصار” أو “صمود” لا نتيجة استنزاف وضغط عسكري وسياسي وخسارة ألاف القتلى من المدنيين ومن ميليشياته. كما أن المشاركة قد تمنحه موقعا داخل أي ترتيبات إقليمية مرتبطة بـإيران وصراعها مع إسرائيل، بحيث لا يُستبعد من المعادلة المقبلة.

أخيرا، لقد بات اللبنانيون يدركون أكثر من أي وقت مضى أن خلاصهم لا يكون بشعارات الحرب المفتوحة، ولا بربط مصيرهم بولي الفقيه أو محور إقليمي، بل ببناء دولة حقيقية تحمي جميع أبنائها، وتعيد القرار الوطني إلى المؤسسات الشرعية وحدها. فالأوطان لا تُبنى بالصواريخ والخطابات العقائدية، بل بالسيادة والاستقرار والاقتصاد والإنسان.

https://hura7.com/?p=78971

الأكثر قراءة