الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

إعادة رسم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا عبر البوابة البولندية

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

إعادة رسم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا عبر البوابة البولندية

أقرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يدرس نقل بعض القوات الأمريكية المسحوبة من ألمانيا إلى بولندا، ذلك ضمن نقاش أوسع حول نشر جديد لقوات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في وسط وشرق أوروبا. أوضح نائب وزير الدفاع البولندي باويل زاليفسكي أن المحادثات جارية مع البنتاغون بشأن إمكانية نقل بعض القوات من ألمانيا إلى بولندا.

وتابع “لا أريد تأكيد ذلك أو نفيه الآن. ليس هذا هو الوقت المناسب للتعليق؛ علينا انتظار قرار البنتاغون. من جهة أخرى، نعتزم تعزيز القدرات الأمريكية في بولندا وعلى الجبهة الشرقية عمومًا”.

إمكانية الانتشار من ألمانيا إلى بولندا

يُثير احتمال انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا جدلًا دبلوماسيًا، إلا أن معاهدة حلف شمال الأطلسي “الناتو” لا تُحدد العدد الدقيق للقوات الأمريكية المُتمركزة في أوروبا. ووفقًا لأحدث استراتيجية للدفاع الوطني الأمريكي، الصادرة في 23 يناير 2026، يبقى الدفاع عن الأراضي الأمريكية وردع الصين على رأس الأولويات، بينما تُعتبر أوروبا ذات أهمية ثانوية.

وعندما سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية إعادة نشر بعض القوات في بولندا، قال إن ذلك “ممكن”. وأكد على العلاقة الجيدة جدًا مع السلطات البولندية. كما أشار إلى الرئيس كارول ناووركي، الذي كان قد أعلن تأييده له سابقًا. أضاف ترامب: “بولندا سترحب بذلك. تربطنا علاقات ممتازة مع بولندا، وتربطني علاقة ممتازة بالرئيس ناووركي. تذكروا أنني دعمته، وقد فاز رغم أنه كان متأخرًا كثيرًا في البداية، إلا أنه فاز في النهاية. إنه رجل عظيم، وأنا معجب به كثيرًا. لذا، من الممكن، وربما سأفعل ذلك”.

انسحاب جزئي للقوات الأمريكية من ألمانيا 

تعتزم الحكومة الأمريكية سحب نحو 5000 جندي من ألمانيا خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة. إلا أن ترامب أشار إلى أن هذا التخفيض قد يكون أكبر. ويبلغ عدد القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا ما بين 35000 و37000 جندي. وأعلن ناووركي أن بولندا مستعدة لاستقبال القوات الأمريكية المنسحبة من ألمانيا، وأن البلاد تمتلك البنية التحتية العسكرية اللازمة.

وتعتبر وارسو أي زيادة محتملة في الوجود العسكري الأمريكي لبنة أساسية لتعزيز أمن المنطقة والجناح الشرقي لحلف “الناتو”. أوضح ناووركي: “لدينا بنية تحتية جاهزة للاستخدام لهذا الغرض. ومن مصلحة بولندا وليتوانيا ودول البلطيق أن يتمركز هنا أكبر عدد ممكن من الجنود الأمريكيين”.

توترات بين إدارة ترامب وبرلين

تكمن وراء هذه الخطوة المزمعة توترات بين إدارة ترامب وبرلين. فخلال ولايته الأولى، انتقد ترامب ألمانيا لعدم كفاية إنفاقها الدفاعي، وأعلن عن خفض الوجود العسكري الأمريكي. إلا أن خطة مماثلة من عام 2020 للانسحاب الجزئي لم تُنفذ آنذاك. يؤكد الخبراء أن عدد الجنود ليس هو العامل الحاسم فحسب، بل موقعهم كذلك.

صرّح توماش شاتكوفسكي، السفير البولندي السابق لدى حلف شمال الأطلسي: “للقوات الأمريكية في ألمانيا أهمية عسكرية، ولكن لها أهمية سياسية وتاريخية أكبر. من وجهة نظرنا، يجب أن يستمر الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، وهذا أمر واضح. وإذا حدث تقليصٌ لهذه القوات، فعلينا أن ندعو بقوة إلى نقلها إلى بولندا. هذا يصب في مصلحتنا. وعلى بولندا أن توجه رسالة واضحة في هذا الشأن”.

تعمل أوروبا على تعزيز تعاونها من خلال إنشاء شراكات دفاعية جديدة. خلال مايو 2026 أعلن دونالد توسك أنه سيتم توقيع اتفاقية بين بولندا والمملكة المتحدة، حيث يُعد الدفاع أحد ركائزها الأساسية.

أوجه الخلاف بين ميرز وترامب

منذ عامي 2025 و2026، تتسارع الأحداث، ففي استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي في العام 2025، حذرت الإدارة الأمريكية أوروبا من “فناء حضاري” بسبب الهجرة. وأعلنت الولايات المتحدة أن نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ لها. وفي مطلع العام 2026، شنت القوات الخاصة الأمريكية هجومًا على فنزويلا واختطفت الرئيس نيكولاس مادورو.

ويبدي المستشار الألماني حذرًا، واصفةً الوضع القانوني بـ”المعقد”، رغم أن هذا العمل يُعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي. بعد ذلك بوقت قصير، جاء تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، الإقليم الدنماركي، بالقوة إذا لزم الأمر. ويبدو أن الموقف الأوروبي الموحد الذي اعتبر هذا الأمر غير مقبول بتاتًا، لا سيما مع شريك في حلف الناتو، قد حقق النتيجة المرجوة: فقد تخلى ترامب عن القضية ولم يعد إليها منذ ذلك الحين.

سارت زيارة أخرى قام بها المستشار الألماني إلى ترامب في مارس من العام 2026، بعد وقت قصير من اندلاع حرب إيران، على نحو جيد. وقبل مغادرته، صرح ميرز بأنه لا ينوي “إلقاء محاضرات” على ترامب بشأن مسائل القانون الدولي، وهو ما لاقى استحسانًا. ووصف ترامب المستشار بأنه “صديق” و”قائد ممتاز”. مع ذلك، صدرت انتقادات من أوروبا مفادها أن ميرز كان يسعى لكسب ود ترامب على حساب آخرين، إذ كان قد وافق ترامب علنًا على أن إسبانيا تنفق القليل جدًا على الدفاع.

ما مستقبل الخلاف بين واشنطن وبرلين؟

بدا أن استراتيجية المستشار تجاه ترامب لفترة طويلة تقتصر على توجيه انتقادات حذرة بين الحين والآخر، مع محاولة إبقاء ترامب في صف ألمانيا وأوروبا. إن اعتماد ألمانيا العسكري على واشنطن كبير للغاية، بما في ذلك فيما يتعلق بدعم أوكرانيا.

أكد ميرز أنه لن يتخلى عن عمله في مجال العلاقات عبر الأطلسي في أعقاب الخلاف الأخير. وأضاف: “لن أتخلى عن التعاون مع دونالد ترامب”. وستتاح له عدة فرص أخرى لإجراء محادثات شخصية خلال العام 2026، على سبيل المثال في قمة مجموعة السبع في فرنسا في يونيو 2026، أو في قمة الناتو في تركيا في يوليو 2026. والسؤال الوحيد المطروح هو ما إذا كان ترامب سيستمر في رغبته بالتعاون مع فريدريش ميرز.

يبدو هينينغ هوف من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية متفائلًا إلى حد ما. فمن جهة، يقول: “لقد قوّض ميرز نفسه جهوده، التي استمرت عامًا كاملًا، لإقامة علاقة جيدة مع ترامب”. لكن بإمكان المستشار السعي إلى إجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الأمريكي،

وتلطيف الأجواء، و”تقديم عروض حول كيفية مساعدة ألمانيا في استقرار الوضع في الخليج بعد انتهاء الحرب واستعادة حرية الملاحة”. يُعد نشر كاسحة الألغام الألمانية “فولدا”، التي أبحرت إلى البحر الأبيض المتوسط، أحد هذه العروض. ومنجهة أخرى حتى لو لم يكن ترامب يريد التهدئة، فإن العديد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين ما زالوا يعتقدون أن وجودًا عسكريًا أمريكيًا قويًا في ألمانيا وأوروبا يُمثل ميزة للولايات المتحدة. فبدونه، لن تبقى الولايات المتحدة قوة عالمية على المدى البعيد”.

تشير المعطيات إلى أن احتمالات نقل جزء من القوات الأمريكية من ألمانيا إلى بولندا أصبحت أكثر واقعية من أي وقت مضى، خاصة في ظل التحولات الاستراتيجية داخل السياسة الدفاعية الأمريكية. فواشنطن لم تعد تنظر إلى أوروبا باعتبارها مركز الثقل الأمني الأول، بل بات التركيز الأكبر منصبًا على مواجهة الصين وإعادة توزيع الموارد العسكرية عالميًا.

إن أي خفض للقوات في ألمانيا لن يكون مجرد خطوة مالية أو سياسية، بل جزءًا من إعادة تموضع شاملة داخل حلف “الناتو”. فمن المرجح أن تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في شرق أوروبا بدلًا من غربها، مع منح بولندا دورًا محوريًا باعتبارها أقرب إلى مناطق التوتر مع روسيا وبيلاروسيا.

أظهرت وارسو استعدادًا سياسيًا وعسكريًا لاستضافة مزيد من القوات الأمريكية، إضافة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية الدفاعية والتسليح. لذلك قد يؤدي هذا التحول إلى توتر متزايد بين واشنطن وبرلين، خاصة إذا اعتبرت ألمانيا أن الخطوة تحمل تقليلًا من أهميتها داخل المنظومة الأطلسية. ومع ذلك، فمن غير المتوقع حدوث انسحاب أمريكي كامل من ألمانيا، بسبب القيمة اللوجستية والتاريخية للقواعد العسكرية هناك.

أما على مستوى أوروبا، فمن المنتظر أن تتسارع مشاريع الدفاع المشترك والتحالفات الثنائية، خصوصًا بين بولندا والمملكة المتحدة ودول البلطيق، تحسبًا لأي تراجع مستقبلي في الالتزام الأمريكي المباشر بأمن القارة. وعلى المدى الأبعد، قد تتحول بولندا إلى المركز العسكري الأمريكي الأبرز في شرق أوروبا، بينما تتغير خريطة النفوذ داخل “الناتو” تدريجيًا من المحور الألماني التقليدي نحو محور شرقي جديد تقوده وارسو بدعم أمريكي مباشر.

https://hura7.com/?p=78810

 

الأكثر قراءة