الحرة بيروت ـ بقلم: هادي عيسى، باحث في جامعة الإمارات في مجال علوم الأرض والجيولوجيا
أحب العودة إلى هذا الاقتباس من كتاب “نقطة زرقاء باهتة” مع كل حدث متصل بالحروب. ليس فقط لأنه تأمّلي، ولكن أيضاً كنوع من التذكير بأن عجلة التاريخ متحركة وليست ثابتة. وعبر 5200 سنة من الحضارة الإنسانية على الأرض، حكم بها من حكم وسقط من سقط، من أعتى الإمبراطوريات إلى أصغر الممالك، لم تدم مرة واحدة قوة بشرية مهما ظنّت أن حكمها مخلّد.
من موقع المراقبة البعيد هذا، قد لا تبدو الأرض ذات أي أهمية خاصة، ولكن بالنسبة لنا يختلف الأمر. تأملوا في تلك النقطة مرة أخرى، إنها هنا، إنها وطننا، إنها نحن، عليها كل من تحبه، وكل من تعرفه، وكل من سمعت عنه، وكل إنسان عاش حياته هنا. جميع أفراحنا ومعاناتنا وآلاف من الأديان والأيديولوجيات والمذاهب الاقتصادية الواثقة.
كل صياد و حصاد، كل بطل وجبان، كل خالق للحضارة ومدمر لها، كل ملك وقرويّ، كل أم وأب، كل طفل مفعم بالأمل، كل مخترع ومكتشف، كل معلم للأخلاق وكل سياسي فاسد، كل “نجم لامع” وكل “قائد أعلى”، كل قديس وآثم في تاريخ جنسنا البشري عاش هنا. على ذرة من الغبار معلقة في شعاع الشمس.
الأرض هي مسرح صغير جداً في ساحة كونية شاسعة. فكروا في أنهار الدم التي أراقها كل أولئك الجنرالات والأباطرة لكي يحظوا بمجد وانتصار ويتمكنوا من أن يصبحوا القادة لفترة وجيزة لجزء من نقطة. فكروا في القسوة التي لا حد لها، التي يقترفها سكان إحدى زوايا هذه النقطة على سكان آخرين بحجة تمييزهم عنهم في زاوية أخرى.
ما أكثر سوء التفاهم بينهم، كم هم متحمسون لقتل بعضهم البعض، ما أشد الكراهية بينهم. مواقفنا وتخيلنا للأهمية الذاتية وأوهامنا بأننا نمتلك مكانة امتيازية في الكون، تتحداها نقطة الضوء الباهتة تلك. كوكبنا هو بقعة وحيدة في غلاف كوني عظيم و مظلم. في غموضنا هذا وفي كل هذا الاتساع لا توجد أي إشارة على أن المساعدة ستأتي من مكان آخر لتنقذنا من أنفسنا.
الأرض هي العالم الوحيد المعروف حتى الآن لإيواء الحياة. لا يوجد أي مكان آخر على الأقل في المستقبل القريب يمكن أن يهاجر إليه نوعنا. زيارة؟ نعم. إقامة؟ ليس بعد. شئنا أم أبينا فالأرض هي المكان الوحيد الذي نستطيع العيش عليه حتى هذه اللحظة.
لقد قيل أن دراسة علم الفلك تعلّم التواضع وتبني الشخصية. ربما لا يوجد هناك إثبات أفضل لحماقة الإنسان المعجب بنفسه من هذه الصورة البعيدة لعالمنا الصغير. بالنسبة لي، إنها تؤكد مسؤوليتنا في التعامل بلطف أكثر مع بعضنا البعض وأن نحافظ و نعتز بهذه النقطة الزرقاء الباهتة فهي الوطن الوحيد الذي عرفناه.


