جريدة الحرة بيروت
بيروت الأربعاء 14 تموز/يوليو 2026 – في أمسيةٍ جمعت بين الفكر والتكريم، نظم المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لقاء علميًا احتفاليا استهل بمحاضرة ألقاها مدير المعهد، البروفسور ينس-بيتر هانسن، بعنوان “العصبية والتضامن”، تناول فيها تطور المفهومين تاريخيًا في التقاليد العربية.
وأعقب المحاضرة حفل تكريم للمؤرخ اللبناني البروفسور عبد الرؤوف سنّو، تقديرًا لمسيرته العلمية وعلاقته الأكاديمية والشخصية المتميزة بالمعهد الألماني للأبحاث الشرقية، التي أثمرت أكثر من خمسة عقود من التعاون العلمي والبحثي والحوار الأكاديمي بين لبنان وألمانيا.
وفي كلمته عن المحتفى به، نوه البروفسور هانسن بالعلاقة الأكاديمية والشخصية الوثيقة التي جمعت البروفسور سنّو بالمعهد على مدى أكثر من نصف قرن، مشيدًا بإسهاماته في تعزيز العلاقات العلمية والثقافية بين ألمانيا ولبنان والعالم العربي، سواء من خلال حضوره العلمي الدائم في المعهد، أو عبر عضويته في مجلسه الاستشاري بين العامين 2008 و2015. كما استعاد محطات من مسيرته الأكاديمية التي توجت بمنحه وسام الشرف الألماني في العام 2009، تقديرا لإسهاماته في توثيق أواصر التعاون الأكاديمي والثقافي بين البلدين.
من جهته، ألقى البروفسور سنّو كلمة استعرض فيها أبرز محطات علاقته بالمعهد منذ أكثر من خمسين عاما، معربا عن اعتزازه بهذا التكريم، ومؤكدًا أن المعهد لم يكن بالنسبة إليه مجرد مؤسسة بحثية، بل بيتا للعلم، وجسرا للحوار، وفضاء للصداقة الأكاديمية، أسهم في مواكبة مسيرته العلمية وفي توطيد التعاون بين الباحثين اللبنانيين والألمان.
وفي ختام الاحتفال، قدم مدير المعهد للبروفسور سنّو درعٌ تذكارية تقديرًا لعطائه العلمي ولمسيرته الأكاديمية الطويلة. وحضر المناسبة الدكتور هارالد روزنباخ، المدير التنفيذي لمؤسسة ماكس فيبر الراعية للمعهد، والبروفسورة أنجليكا نويفرت، المدير الأسبق له، إلى جانب عدد من الشخصيات الدينية والأكاديمية والثقافية، ولفيف من أصدقاء المعهد وأصدقاء المحتفى به. واختتمت الأمسية بكوكتيل في حديقة المعهد الجميلة، رفع خلاله نخب المناسبة، في أجواء عكست عمق العلاقات الأكاديمية والإنسانية التي ربطت سنّو بالمعهد على مدى أكثر من نصف قرن.

هانسن: التضامن مفهوم حديث يتجاوز العصبية والتكافل
تناولت محاضرة البروفسور هانسن قراءة في التاريخ المفاهيمي للتضامن في التقاليد العربية، وانطلقت من أطروحة مفادها أن “التضامن” – لا “العصبية” التي تحدث عنها ابن خلدون، ولا مفهوم “التكافل” في الفكر الإسلامي – هو المصطلح العربي الأقرب إلى المنطق السياسي للتضامن بوصفه ممارسة تنشئ روابط تتجاوز الفوارق الطبقية والمسافات الجغرافية.
ولا تنطبق العصبية، وفق تصور هانسن، على مفهوم التضامن، لأنها تقوم على رابطة الجماعة الداخلية، لا على بناء علاقة مع الآخر. والأهم من ذلك أن الباحثين العرب في ألمانيا خلال عهد جمهورية فايمار، وإن استخدموا مفهوم العصبية في مخاطبة الجمهور الأكاديمي الأوروبي، فإن معاصريهم من رواد النهضة في بيروت والقاهرة وحلب اتجهوا إلى صوغ مفاهيم بديلة، أبرزها “التكافل” بوصفه مسؤولية متبادلة، وهو المفهوم الذي طوره رفيق العظم، ثم أضفى عليه مصطفى السباعي طابعا إسلاميا، وأعاد إسماعيل مظهر إحياءه في إطار رؤية تكافلية ذات طابع تطوري، إلى جانب مفهوم “التضامن”، الذي صيغ بوصفه مصطلحا حديثا في عصر النهضة، ولم يرد في المعاجم العربية الكلاسيكية قبل القرن العشرين.
ثم تتبعت المحاضرة كيف هيمنت فكرة الأخوّة على الخطاب السياسي العربي طوال القرن العشرين، حتى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، قبل أن تواجه تحديا خلال حرب اليمن، حين أطلق الملك فيصل حملة مضادة للثورة تحت شعار “التضامن الإسلامي”، موظفا لغته في خدمة مشروع محافظ. ومع أفول فكرة الأخوّة العربية الشاملة، انحصر مفهوم التضامن في سياقين رئيسين: أولهما بوصفه رابطة دبلوماسية بين الدول، وثانيهما بوصفه تعبيرا عن الأسى إزاء تخلي العرب عن الفلسطينيين.
سنّو: نصف قرن من علاقات الود والأكاديمية مع المعهد وألمانيا
استهل سنّو كلمته بمناسبة تكريمه بالقول: “أؤمن بأن أسمى تكريمٍ يناله الباحث لا يقتصر على شخصه ومساره، بل يمتد إلى المؤسسات العلمية التي أسهمت في تكوينه، وإلى الزملاء الذين شاركوه رحلة البحث والمعرفة. ولذلك، فإنني أتلقى هذا التكريم بوصفه تحية للمعهد الألماني للأبحاث الشرقية، الذي رافق أكثر من نصف قرنٍ مسيرتي الأكاديمية، وأهديه إلى مؤسسة ماكس فيبر التي وفرتْ له مقومات الاستمرار والتميز”.
وأضاف: “كان هذا المعهد بالنسبة إلي أكثر من مؤسسةٍ أكاديمية؛ كان بيتا للعلم، وجسرا عبرت من خلاله إلى الجامعات الألمانية، وفي مقدمها جامعة برلين الحرة، وكان موطنا لصداقةٍ أكاديميةٍ وإنسانيةٍ أعتز بها.” فالمعرفة هي اللغة المشتركة والجسر بين الشعوب، لا منطق القوة الذي يدمر الإنسان ويفقد السياسة رسالته”.
ولفت إلى أنه “شهد من خلال المعهد التحول الكبير الذي عرفتْه الدراسات العربية والإسلامية في ألمانيا، من المقاربات التقليدية إلى انفتاحها على التاريخ والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا والاقتصاد، وهو تحولٌ أسهم في تعزيز مكانتها العلمية الدولية”.
ووجه سنّو في هذه المناسبة التحية للبروفسورة أنجليكا نويفرت “التي أسهمتْ بعلمها ورؤيتها في تعميق الحوار العلمي والثقافي بين ألمانيا ولبنان والعالم العربي”، وأضاف: “عرفت فيها، إلى جانب مكانتها الأكاديمية الرفيعة، إنسانة رصينة وداعما كريما تركت أثرا لا ينسى في مسيرته. فقد جمعت من حولها فريقا يعمل بروح الشراكة والمسؤولية، تمنح كل فردٍ الثقة التي تطلق طاقاته، في إطارٍ من الجدية الأكاديمية والاحترام المتبادل”. وبالقدر نفسه، شكر سنّو الذين أكملوا مسيرتها وتركوا أثرا في نفسه، ومنهم صديقه العزيز البروفسور شتيفان ليدر.
وختم بتوجيه بالتحية إلى البروفسور ينس-بيتر هانسن “الذي حافظ خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهي من أصعب الفترات التي مر بها لبنان، على رسالة المعهد وحضوره العلمي والثقافي، مجسدا قيم المسؤولية والالتزام والاحترام في أحلك الظروف، وصولا إلى تشبيك الألفة بين المعهد وجمهوره، بل بين المعهد وأسرته الأكاديمية والإدارية”.


