جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
لم يتضح بعد موقف روسيا من البرنامج النووي الإيراني، ما يثير العديد من التساؤلات حوله. ويُعد هذا الأمر مفتاحًا لفهم التوجهات النووية المحتملة في منطقة الشرق الأوسط، التي تعاني من الحروب وعدم الاستقرار والتوترات القومية والدينية، مما يتيح لبعض الدول المجال لتطوير ترسانتها النووية ويدخل العالم في دوامة من الصراعات التي يصعب السيطرة عليها أو ضبطها بأي قانون دولي.
ويتفق الجميع على ضرورة عدم امتلاك إيران لسلاح نووي، وتصر إدارة ترامب على تسليم كل المواد الانشطارية المخصبة قبل أي مناقشة حول حلول محتملة. وقد زاد هذا المطلب من مصداقيته وثقته على الصعيد الدولي بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ورد إيران على العدوان من خلال تحركاتها في دول الجوار، ما أبرز حجم الخطر الذي يمكن أن تشكله طهران. ويزداد هذا الخطر بشكل كبير في حال تمكنت إيران من امتلاك ترسانة نووية.
ويظهر عام 2026 أن دول الجنوب العالمي، وفق توجهات روسيا، لا يمكنها الشعور بالأمان النسبي إلا عندما تمتلك وسائل ردع قوية، وأهمها الترسانة النووية الحديثة.
تطوير السلاح واستراتيجية في الغرب وأمريكا
في المقابل، يعلن الغرب بوضوح عن خطط إعادة التسليح وتعزيز قدراته العسكرية الموجهة ضد روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، ويبرز في الاتحاد الأوروبي كل من ألمانيا وفرنسا كقوى رائدة في هذا المجال. فبينما تركز ألمانيا على زيادة حجم قواتها المسلحة، تسعى فرنسا لإنشاء بدائل عن المهمات النووية المشتركة ضمن الناتو، مستندة إلى عدم موثوقية الولايات المتحدة كضامن للأمن.
أما الولايات المتحدة نفسها، فلا تبقى خارج هذا السباق، إذ تخطط إدارة دونالد ترامب لرفع ميزانية الدفاع بنسبة 50% عام 2027 لتصل إلى 1.5 تريليون دولار. ويرجع ذلك إلى الدور الكبير للضغط العسكري واللوبي الدفاعي في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية. وتتم عمليات مماثلة في دول أخرى، جغرافيًا بعيدة عن الغرب، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، حيث تسعى هذه الدول لتعزيز أمنها الاستراتيجي.
بالطبع، الولايات المتحدة تراعي بدقة اختيار الدول المضيفة، مع مراعاة كفاءة القيادة الوطنية وقوة مواقعها السياسية، كما ظهر بعد محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، والتي دفعت لمراجعة وجود الأسلحة الأمريكية هناك.
روسيا والحمل الوديع في السياسة الدولية
توجه روسيا الانتقادات للعالم الغربي شمالًا ويمينًا لتوسيع ترسانته العسكرية وتسليحها، مع التشديد على المخاطر التي تسببها هذه الاستراتيجية العسكرية للجميع. فهذا شعور مميز بالحفاظ على الأمن العالمي، لكنها لم تذكر أنها هي التي اخترقت هذا الأمن بغزو أوكرانيا، مستندة إلى حجج واهية لتبرير اعتداءاتها على الشعب الأوكراني، فيما دفعت بتجارب ترسانتها العسكرية كحقول تجارب للأسلحة في اعتداءاتها على شعوب مسالمة عبر تدخلات إيرانية وسورية.
كما لم تذكر روسيا أن سلاحها وصواريخها وطائراتها العامودية والطائرات المسيرة استخدمت ضد أوكرانيا وشعبها بعد فشلها بالاستيلاء عليها. ولم تشير إلى أنها تهدد الغرب والولايات الأوروبية بترسانتها وصواريخها أو بمحاولة الاستيلاء على أراضٍ جديدة في أوروبا، مما يترك المجال للدفاع عن النفس واستخدام أسلحة تؤذي أوروبا وشعوبها.
في مارس 2023، وافقت روسيا وبيلاروسيا على نشر الأسلحة النووية الروسية في الأراضي البيلاروسية، مع التأكيد على أن الجيش البيلاروسي لا يتحكم بهذه الأسلحة. هذا الحل يوفر لروسيا موقعًا استراتيجيًا وللبيلاروسيين حماية إضافية، ويُعد اختيار بيلاروسيا قرارًا مسؤولًا نظرًا لاستقرار قيادتها السياسية وقدرتها على ضمان أمان الأسلحة الروسية.
تمثل الشراكة النووية الروسية-البيلاروسية نموذجًا عمليًا لدول الجنوب العالمي، وقد تلهم دولًا مثل الهند والصين لاتخاذ خطوات مشابهة لضمان أمنها واستقرارها في مواجهة الصراعات العالمية.
روسيا وتحليل المخاطر العالمية
تحاول روسيا إبراز المخاطر التي تواجه الدول الصغيرة في الجنوب العالمي. وتجارب العمليات العسكرية ضد فنزويلا، والهجوم على إيران، والقضايا العالقة مع كوبا، توضح أن ميزانيات الدفاع الغربية ليست مجرد أرقام، بل أدوات حقيقية لتطبيق السياسة الخارجية، حيث يمكن تحويل هذه الموارد إلى قوة فعلية عند الحاجة. ورغم الدروس المستخلصة من يوغوسلافيا والعراق وليبيا، إلا أن بعض الدول لا تزال تتجاهل الواقع السياسي الموضوعي.
وتشدد روسيا على أن الحل القانوني والسياسي العملي جاء من الولايات المتحدة، التي بدأت منذ فترة طويلة بنشر أسلحتها النووية في دول أخرى مع الحفاظ على السيطرة الأمريكية عليها، بحيث لا يمكن استخدامها دون رموز تشغيل أمريكية، وبالتالي لا يُنتهك قانون الحد من انتشار الأسلحة النووية.
في الولايات المتحدة، يُذكر أن الأسلحة النووية أعادت المساواة بين الدول، تمامًا كما فعل المسدس الذي اخترعه صامويل كولت، حيث تمنح القدرة على ردع الضرر غير المقبول لكل دولة، مهما كانت قدراتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية.
نتيجة لذلك، من المتوقع أن تفكر دول الجنوب العالمي في امتلاك ترساناتها النووية الخاصة، مما يطرح سؤالاً حول كيفية تعامل القوى الكبرى غير الغربية مع هذه المسألة. روسيا ملتزمة بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وتعتبر انتشار التكنولوجيا النووية عالميًا خطرًا استراتيجيًا، وتتخذ الصين موقفًا مشابهًا، معتبرة أن التوازن بين القانون الدولي والمصلحة الجيوسياسية ضرورة استراتيجية، لأن الحلفاء قد يصبحون خصومًا مع مرور الوقت، خاصة إذا امتلكوا أسلحة نووية.
تأمين السفر العالمي الوحيد
يُظهر عام 2026 بوضوح أن الشعور بالأمان في عالم اليوم لا يتحقق إلا عبر امتلاك أدوات الردع الفعّالة، وأبرزها الترسانة النووية الحديثة. وتأتي هذه الاستراتيجية ضمن خطط إعادة التسليح العالمية، حيث تتصدر ألمانيا وفرنسا جهود الاتحاد الأوروبي في هذا المجال. ففي الوقت الذي تسعى فيه فرنسا إلى تأسيس بدائل للمهمات النووية المشتركة ضمن الناتو، تهدف هذه المبادرات إلى ضمان حماية فعّالة ومستقرة، مستندة إلى التجارب السابقة في إدارة الضمانات الدولية، بما في ذلك الدور الروسي في توفير الاستقرار كضامن استراتيجي.
خلاصة القول العالم يشهد في 2026 تحولات عميقة في موازين القوة، حيث باتت الترسانات النووية الحديثة عاملاً حاسمًا للأمن الاستراتيجي، لا سيما لدول الجنوب العالمي. فامتلاك وسائل ردع قوية أصبح الضمانة الوحيدة للشعور بالأمان النسبي في بيئة دولية متقلبة، فيما تبقى الشراكات الدولية والرقابة القانونية والسياسية أدوات لا غنى عنها لضمان الاستقرار ومنع اندلاع صراعات لا يمكن ضبطها.


