الأكثر قراءة

هل تبني آسيا الوسطى سلسلة الإمداد المعدنية الجديدة للغرب؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

باتت المعادن الحيوية تمثل أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي والطاقة والدفاع للدول الكبرى، ومع سعي الولايات المتحدة والدول الغربية إلى تقليل اعتمادها على الصين، تتجه الأنظار نحو آسيا الوسطى باعتبارها أحد أهم مصادر الإمدادات المستقبلية، وفي مقدمتها معدن “التنجستن ” المستخدم في الصناعات الدفاعية والطيران والإلكترونيات.

هذا التوجه كان محور جلسة “المعادن الحيوية: الاستفادة من الزخم” ضمن منتدى ما وراء بحر قزوين، بتاريخ 10 حزيران  2026 الذي نظمه مركز سياسات بحر قزوين في واشنطن، حيث ناقش مسؤولون وخبراء فرص تطوير قطاع التعدين في آسيا الوسطى، والدور الذي يمكن أن تؤديه الشركات الغربية في بناء سلاسل إمداد بديلة.

سوق مضطرب وهيمنة صينية

أكد المشاركون أن سوق التنجستن العالمية تشهد اضطرابات غير مسبوقة نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع الطلب، في وقت تواصل فيه الصين هيمنتها على الإنتاج والمعالجة، إذ تمتلك أكبر احتياطي عالمي يقدر بنحو 2.5 مليون طن، كما فرضت منذ فبراير 2025 قيوداً على صادرات المعدن، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعاره بنحو 600% مقارنة بعام 2025. وفي المقابل، لا يزال المعروض العالمي أقل من الطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة، فيما تمثل إعادة التدوير نحو ثلث الإنتاج العالمي فقط، وهو ما يدفع الولايات المتحدة وشركاءها إلى البحث عن مصادر جديدة للإمدادات.

كازاخستان مرشحة لتغيير خريطة الإنتاج

تبرز كازاخستان باعتبارها أحد أهم البدائل المطروحة، إذ من المتوقع أن ترفع مشروعات سيفيرني كاتبار وفيرخني كايراكتي إنتاجها إلى نحو 12 ألف طن سنوياً، بما يؤهلها لتصبح ثاني أكبر منتج للتنجستن في العالم. وتؤكد شركة كوف كابيتال، التي تقود تطوير المشروع بالشراكة مع شركة تاو-كين سامروك الكازاخية، أن احتياطيات المشروعين تبلغ نحو 1.4 مليون طن، وأنهما قادران على توفير نحو 15% من الإمدادات العالمية الحالية، متجاوزين بذلك إنتاج فيتنام.

إصلاحات قانونية لجذب المستثمرين

وترى الشركة أن الإصلاحات التي أجرتها كازاخستان في قانون التعدين منذ عام 2022، واعتمادها معايير مستوحاة من تشريعات التعدين في أستراليا الغربية، إلى جانب إتاحة اللجوء إلى التحكيم الدولي، أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب وتقليل المخاطر المرتبطة بالمشروعات التعدينية.

كما أكدت التزامها بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، مع التركيز على إدارة الموارد المائية، والحد من الآثار البيئية، وإشراك الشريك الحكومي الكازاخي في الإشراف على المشروع.

دعم أمريكي لتأمين سلاسل الإمداد

يحظى المشروع بدعم واضح من الولايات المتحدة، إذ أصدرت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) وبنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM) خطابات نوايا لتمويل المشروع، بما يصل إلى 1.6 مليار دولار، في إطار استراتيجية واشنطن لتنويع مصادر المعادن الحيوية وتقليل الاعتماد على الصين. كما شهد مؤتمر أستانا للتعدين والمعادن 2026 مشاركة مسؤولين أمريكيين وممثلي شركات غربية، في مؤشر على تنامي الاهتمام الأمريكي بقطاع التعدين في آسيا الوسطى.

تحديات البنية التحتية

ورغم هذا الزخم، يرى المشاركون أن نجاح المشروع يتطلب تطوير البنية التحتية، ولا سيما شبكات السكك الحديدية والممرات اللوجستية، إلى جانب تعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص، وإنشاء قدرات محلية لمعالجة المعادن قبل تصديرها.

مستقبل الشراكة

يشير الاهتمام الأمريكي المتزايد بقطاع المعادن في آسيا الوسطى إلى تحول استراتيجي في بناء سلاسل إمداد جديدة للمعادن الحيوية بعيداً عن الهيمنة الصينية. غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على استمرار الإصلاحات في دول المنطقة، وتوفير التمويل اللازم، وتطوير البنية التحتية، بما يسمح بتحويل الإمكانات الجيولوجية الكبيرة إلى شراكات اقتصادية وصناعية طويلة الأمد بين آسيا الوسطى والغرب.

الخاتمة

في ظل التنافس العالمي المتصاعد على المعادن الحيوية، يبرز “التنجستن” كأحد الموارد الاستراتيجية التي تتجاوز أهميتها الاستخدامات الصناعية لتصل إلى مجالات الأمن القومي والدفاع والتحول في قطاع الطاقة.

ويعكس تنامي اهتمام الولايات المتحدة بكازاخستان وآسيا الوسطى توجهاً غربياً لإعادة تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الصين، التي لا تزال تهيمن على إنتاج ومعالجة هذا المعدن. وفي المقابل، تمتلك دول آسيا الوسطى فرصة لتعزيز مكانتها كمورد رئيس للمعادن الحيوية، شريطة مواصلة الإصلاحات، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية وسلاسل القيمة الصناعية. ومن ثم، فإن نجاح هذه الشراكة لن يعتمد فقط على حجم الاحتياطيات المعدنية، بل أيضاً على قدرة الأطراف المعنية على بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتمويل والمعالجة، بما يعزز أمن الإمدادات ويخدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة.

https://hura7.com/?p=81540

الأكثر قراءة