جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
تقترب مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» من محطة مفصلية مع اقتراب انتهاء تفويضها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، في وقت تتحرك فيه بيروت وباريس لإعادة النظر في قرار إنهاء المهمة. المسألة لم تعد مرتبطة بتمديد تقني لتفويض قوة أممية فحسب، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الأمن في جنوب لبنان، وحدود قدرة الدولة اللبنانية على تولي المسؤوليات التي اضطلعت بها القوة الدولية طوال عقود.
تمديد تحت الضغط
لبنان يتحرك داخل مجلس الأمن انطلاقاً من رؤية ترى أن الظروف الأمنية التي أحاطت بقرار إنهاء مهمة اليونيفيل تغيرت بصورة كبيرة. وقد طلبت بيروت تمديداً محدوداً للمهمة، معتبرة أن إنهاءها في الموعد المقرر قد يكون سابقاً لأوانه، خصوصاً مع استمرار هشاشة الوضع الأمني وعدم اكتمال الترتيبات التي يفترض أن تنتقل بموجبها المسؤولية تدريجياً إلى المؤسسات اللبنانية.
الموقف اللبناني لا يعني بالضرورة الرغبة في إبقاء اليونيفيل إلى أجل غير محدد، بقدر ما يعبر عن رغبة في تجنب انتقال سريع بين مرحلتين لا تزال المسافة بينهما غير واضحة. فالانسحاب يصبح أكثر حساسية عندما لا يكون البديل محدداً بصورة دقيقة، وعندما تبقى الحدود الجنوبية عرضة للتوتر، بينما لم تستقر بصورة نهائية قواعد المرحلة الأمنية المقبلة.
ومن هنا تأتي أهمية التحرك الفرنسي. فباريس تدعم طلب لبنان تمديد مهمة اليونيفيل، وتتعامل مع القضية باعتبارها جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش. فرنسا لا تطرح وجود القوة الدولية بديلاً عن الدولة، بل ترى أن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى ترتيبات تضمن عدم حدوث فراغ أمني يمكن أن يقوض الاستقرار الهش في الجنوب.
هذا الموقف الفرنسي يرتبط أيضاً بالدور الذي تحاول باريس الحفاظ عليه في الملف اللبناني. فهي من أكثر العواصم الأوروبية انخراطاً في الشأن اللبناني، وتريد أن يترافق أي انسحاب لليونيفيل مع تعزيز واضح لقدرة الجيش اللبناني على الانتشار والاضطلاع بمسؤولياته. لذلك تبدو فرنسا أقرب إلى طرح تمديد محدود ومدروس يسمح بانتقال أكثر أماناً، بدلاً من انسحاب سريع قد يترك أسئلة كثيرة بلا إجابات.
من يملأ الفراغ؟
هنا تحديداً تكمن القضية الأهم. فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل تبقى اليونيفيل أم ترحل؟ بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي لرحيلها؟
اليونيفيل ليست قوة لبنانية، ولم تكن مهمتها منذ تأسيسها أن تحل محل الدولة. غير أن وجودها تحول مع مرور السنوات إلى عنصر من عناصر الترتيبات الأمنية في الجنوب، سواء من خلال المراقبة والرصد أو دعم انتشار الجيش اللبناني أو المساهمة في خفض احتمالات الاحتكاك بين الأطراف. ولهذا فإن انتهاء مهمتها لا يعني بالضرورة اختفاء الحاجة إلى الوظائف التي كانت تؤديها. قد يتغير شكل هذه الوظائف، وقد تنتقل أجزاء منها إلى مؤسسات لبنانية، وقد تظهر صيغة دولية مختلفة، لكن الحاجة إلى المراقبة واحتواء التوتر ودعم الجيش ستظل قائمة طالما بقيت الظروف الأمنية على حالها.
وهنا تبدو المخاوف اللبنانية مفهومة، خصوصاً أن أي فراغ أمني في منطقة حساسة قد لا يبقى فراغاً طويلاً، بل يمكن أن تتحول مساحته سريعاً إلى مجال لتجدد التوتر أو إعادة ترتيب النفوذ وموازين القوة. لذلك فإن الانتقال الأمني يحتاج إلى أكثر من جدول زمني للانسحاب؛ يحتاج إلى ترتيبات سياسية وميدانية متزامنة، وإلى تفاهم واضح حول الجهة التي ستتولى كل وظيفة بعد مغادرة القوة الدولية.
الخلاف يتجاوز اليونيفيل
إسرائيل تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فهي تعتبر أن اليونيفيل أخفقت خلال سنوات طويلة في منع تعزيز القدرات العسكرية لحزب الله في الجنوب، وترى أن استمرار المهمة بصيغتها الحالية لا يقدم حلاً للمشكلة الأساسية. ومن هذا المنطلق، تتمسك تل أبيب بإنهاء التفويض والانتقال إلى ترتيبات يكون فيها الجيش اللبناني صاحب الدور الرئيسي في ضبط المنطقة.
لكن هذا الطرح يفتح سؤالاً آخر: هل يمكن انتقال المسؤولية إلى الجيش اللبناني بصورة عملية وسريعة في ظل استمرار التوتر على الحدود؟
المشكلة أن الحديث عن دور الجيش اللبناني لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والأمنية التي يعمل داخلها. فالجيش هو المؤسسة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأمن، لكن قدرته على فرض ترتيبات مستقرة ترتبط بحجم الدعم الدولي الذي يحصل عليه، وبطبيعة التفاهمات الداخلية، وبمدى قبول الأطراف المختلفة بالدور الذي يفترض أن يؤديه. أما الولايات المتحدة فتبدو أمام حسابات دقيقة. فمن جهة، كانت واشنطن من الداعمين لإنهاء المهمة بصيغتها الحالية، ومن جهة أخرى بدأت تظهر مؤشرات على إدراك أميركي للحاجة إلى استمرار بعض الوظائف التي تؤديها اليونيفيل. وهذا قد يدفع النقاش نحو صيغة وسطية لا تعيد القوة إلى وضعها السابق، ولا تسمح في الوقت نفسه بانقطاع كامل للدور الدولي.
لبنان وفرنسا أمام اختبار سياسي
المفارقة أن الأطراف المختلفة تتحدث عن هدف واحد تقريباً، وهو تعزيز دور الدولة اللبنانية، لكنها تختلف حول الطريقة والسرعة والضمانات المطلوبة للوصول إليه. لبنان يريد أن تكون الدولة صاحبة القرار الأمني، وفرنسا تدعم هذا الاتجاه، وإسرائيل تريد رؤية الجيش اللبناني يتحمل مسؤولية أكبر، والولايات المتحدة تبحث عن ترتيبات تمنع عودة الفوضى. لكن الاتفاق على الهدف لا يعني الاتفاق على الطريق.
بالنسبة إلى بيروت وباريس، يبدو تمديد المهمة لفترة محدودة وسيلة لتأمين انتقال أكثر تنظيماً. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالمسألة مرتبطة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها جنوباً ومنع عودة النشاط العسكري لحزب الله. وبين الموقفين تتحرك واشنطن، التي تبحث عن صيغة تحفظ الهدف المعلن بإنهاء المهمة، مع عدم التخلي عن بعض الوظائف التي تراها ضرورية للاستقرار.
وتاريخ اليونيفيل يوضح حجم المسؤولية المطروحة. فقد تأسست القوة عام 1978 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، بموجب قراري مجلس الأمن 425 و426، بهدف تأكيد الانسحاب الإسرائيلي والمساعدة في استعادة السلام والأمن ودعم الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها في المنطقة. ثم توسعت مهمتها بصورة كبيرة بعد حرب 2006، مع صدور القرار 1701 الذي منحها دوراً أوسع في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوباً.
ومنذ ذلك الحين أصبحت اليونيفيل جزءاً ثابتاً من المشهد الأمني في الجنوب، رغم الانتقادات التي وجهت إليها من أطراف مختلفة. ولذلك فإن إخراجها من المعادلة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تغيير إداري في بعثة أممية، بل خطوة تحمل نتائج سياسية وأمنية تتجاوز حدود المهمة نفسها.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت اليونيفيل ستبقى أو سترحل، بل ما إذا كان لبنان وشركاؤه الدوليون قادرين على الاتفاق أولاً على شكل الأمن الذي سيأتي بعدها. فرنسا تراهن على انتقال تدريجي يحمي الاستقرار ويدعم الجيش اللبناني، ولبنان يريد تفادي فراغ أمني، بينما تتمسك إسرائيل بإنهاء التفويض ونقل المسؤولية إلى الدولة اللبنانية.
القوة الدولية تستطيع أن تنسحب بقرار من مجلس الأمن، لكن الفراغ الذي قد تتركه لا يمكن ملؤه بقرار مماثل. وإذا لم يكن البديل جاهزاً سياسياً وميدانياً، فقد يتحول إنهاء مهمة اليونيفيل من خطوة يفترض أن تعزز سيادة الدولة اللبنانية إلى عامل جديد يزيد هشاشة الجنوب، في منطقة لا تحتمل انتقالاً أمنياً غير محسوب.


