جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يبدو أن شبه الجزيرة الكورية تقف مجددًا أمام مفارقة معقدة؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات العسكرية بين كوريا الشمالية واليابان والولايات المتحدة، تظهر في المقابل مؤشرات على رغبة بيونغ يانغ في توسيع نشاطها الاقتصادي، ولا سيما في قطاع السياحة. وبين هذين المسارين، يبرز مشروع إعادة ربط السكك الحديدية بين الكوريتين بوصفه أحد أكثر المشاريع التي تعكس إمكانية الانتقال من المواجهة إلى التعاون، وإن كانت الظروف السياسية والأمنية لا تزال تحول دون ذلك.
تصعيد عسكري متبادل
جاءت تصريحات كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بعد المناورات العسكرية المشتركة بين اليابان والولايات المتحدة، والتي شهدت إطلاق صاروخ كروز من طراز “توماهوك” اشترته طوكيو من واشنطن. واعتبرت بيونغ يانغ أن هذه الخطوة تمثل مؤشرًا على عودة النزعة العسكرية اليابانية، وأن طوكيو تسعى إلى امتلاك قدرات هجومية تتيح لها تنفيذ ضربات استباقية، بدعم مباشر من الولايات المتحدة.
وأكد كيم أن كوريا الشمالية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التطورات، متوعدة باتخاذ إجراءات مناسبة، دون الكشف عن طبيعتها، الأمر الذي أبقى باب التكهنات مفتوحًا بشأن طبيعة الرد الكوري الشمالي.
الاقتصاد بدل المواجهة
ورغم الخطاب السياسي المتشدد، تحاول بيونغ يانغ في الوقت نفسه إبراز وجه مختلف يتمثل في تنشيط الاقتصاد، خصوصًا عبر تطوير قطاع السياحة. ويعد منتجع وونسان–كالما أحد أكبر المشاريع المدنية التي أطلقها كيم جونغ أون، إذ يهدف إلى تحويل الساحل الشرقي لكوريا الشمالية إلى وجهة سياحية قادرة على جذب العملة الأجنبية، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على صادرات المواد الخام أو الصناعات العسكرية.
يضم المشروع عشرات الفنادق والمطاعم والمرافق التجارية والرياضية، إضافة إلى متنزهات مائية وشاطئ يمتد لنحو أربعة كيلومترات، مع قدرة استيعابية تصل إلى نحو عشرين ألف زائر في الوقت نفسه. كما استفاد المنتجع من وجود مطار مدني وخط سكك حديدية يربطه بالعاصمة بيونغ يانغ، ما يجعله أحد أهم مشاريع البنية التحتية في البلاد.
وبعد افتتاحه رسميًا عام 2025، بدأت كوريا الشمالية باستقبال سياح من روسيا والصين، في محاولة لتنشيط الاقتصاد وتخفيف آثار العقوبات الدولية.
مشروع يربط الكوريتين
لقد أعلنت وزارة الوحدة في كوريا الجنوبية نيتها استئناف مشروع خط السكك الحديدية الذي يربط سيئول بمدينة وونسان. وكان العمل في المشروع قد بدأ عام 2015 قبل أن يتوقف بعد عام واحد نتيجة تدهور العلاقات بين البلدين.
ويرى الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ أن تنفيذ المشروع في الظروف الحالية ليس أمرًا سهلًا، لكنه يؤكد أن تعزيز التواصل الاقتصادي يمثل أحد السبل الضرورية لبناء تعايش سلمي طويل الأمد بين الكوريتين.
أما من الناحية الاقتصادية، لا يقتصر المشروع على تنشيط السياحة، بل يمكن أن يشكل مستقبلاً جزءًا من شبكة نقل تربط شبه الجزيرة الكورية بالأسواق الآسيوية، إذا ما تحسنت الظروف السياسية.
السياسة تعطل الاقتصاد
ورغم الجدوى الاقتصادية للمشروع، فإن الواقع السياسي لا يزال يشكل العقبة الرئيسية أمام تنفيذه. فالعلاقات بين الكوريتين تشهد جمودًا واضحًا، كما أن بيونغ يانغ خفضت مستوى اتصالاتها مع سيئول، وبات خطابها الرسمي يتعامل مع كوريا الجنوبية بوصفها دولة منفصلة، لا شريكًا في مسار إعادة التوحيد.
ويضاف إلى ذلك استمرار التجارب الصاروخية الكورية الشمالية، والمناورات العسكرية الأمريكية–اليابانية، وهو ما يعمق انعدام الثقة ويجعل أي مشروع للتعاون الاقتصادي رهينة للتطورات الأمنية.
بين الأمن والتنمية
تكشف هذه التطورات أن كوريا الشمالية تحاول الجمع بين تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير قطاعات اقتصادية جديدة، في حين ترى كوريا الجنوبية أن التعاون الاقتصادي قد يكون مدخلًا لتخفيف التوتر. إلا أن استمرار سباق التسلح في شمال شرق آسيا يجعل فرص تنفيذ المشاريع المشتركة، وفي مقدمتها خط السكك الحديدية إلى وونسان، مرهونة بحدوث انفراج سياسي وأمني بين الأطراف المعنية.
وبذلك، يبقى التقارب بين الكوريتين هدفًا قائمًا من الناحية الاقتصادية، لكنه يصطدم في الوقت الراهن بواقع أمني معقد، حيث ما تزال الصواريخ والمناورات العسكرية تتقدم على مشاريع التنمية والتكامل الإقليمي.


