الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

هل تعود بريطانيا لأحضان الاتحاد الأوروبي؟

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ تحول تدريجي في المزاج العام البريطاني بعد نحو عشر سنوات على الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست”، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تزايد التأييد لفكرة إعادة الانضمام، وإن ظل هذا التأييد مشروطا ومعقدا سياسيا.

تظهر بيانات حديثة، بينها استطلاعات “يو غوف”، أن نسبة المؤيدين للعودة تتراوح غالبا بين 54% و64%، ما يعكس ميلا واضحا نحو إعادة النظر في خيار “بريكست”. إلا أن هذا الدعم يتراجع بشكل ملحوظ عندما تربط العودة بالتخلي عن الامتيازات السابقة التي كانت تتمتع بها بريطانيا داخل الاتحاد، مثل عدم الانضمام إلى منطقة اليورو أو اتفاقية شنغن، حيث تنخفض نسبة التأييد إلى نحو 36%، ما يدل على أن الرأي العام يميل إلى عودة “انتقائية” أكثر منها اندماجا كاملا.

هذا التحول يرتبط أيضا بتصاعد ما بات يعرف بـ”ندم البريكست”، إذ يرى نحو 55% من البريطانيين أن قرار الخروج كان خاطئا، بينما يعتقد أكثر من 60% أن التجربة لم تحقق النجاح المرجو. وتبرز الفجوة الجيلية بوضوح، حيث تعارض الغالبية الساحقة من الشباب (18–24 عاما) البريكست، ما يشير إلى اتجاه طويل الأمد قد يدفع نحو علاقة أوثق مع أوروبا مستقبلا.

اقتصاديا، يعد هذا العامل الأكثر تأثيرا في تغيير المواقف. فقد أظهرت دراسات متعددة، من بينها تقارير مدعومة من جهات بحثية وحكومية، وكذلك تحليلات صادرة عن حملة “الأفضل من أجل بريطانيا”، أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كلف الاقتصاد البريطاني خسائر ملموسة، مع تقديرات تشير إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 5% و8%، مقارنة بمسار افتراضي للبقاء داخل الاتحاد.

كما أدى الخروج من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي إلى زيادة التعقيدات التجارية وارتفاع تكاليف التبادل، ما أثر بشكل خاص على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وأدى إلى اضطرابات في سلاسل التوريد وتراجع القدرة التنافسية. ورغم هذا التحول الشعبي، لا تزال الطبقة السياسية تتحرك بحذر. فحكومة كير ستارمر تؤكد أنها لا تسعى حاليا لإعادة الانضمام، بل تركز على “إعادة ضبط” العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من خلال تحسين الاتفاقات التجارية وتعزيز التعاون في مجالات محددة. ويعود هذا الحذر إلى استمرار الانقسام الداخلي، والخشية من إعادة فتح ملف شديد الاستقطاب سياسيا.

من جهة أخرى، تبقى العودة ممكنة من الناحية القانونية، لكنها ستكون عملية طويلة ومعقدة، إذ سيتعين على بريطانيا التقدم كدولة مرشحة جديدة والالتزام الكامل بقواعد الاتحاد. وتظهر استطلاعات في دول أوروبية أن هناك قبولا بعودة بريطانيا، لكن دون منحها الاستثناءات السابقة، ما يعني أن أي انضمام مستقبلي سيكون بشروط أكثر صرامة. في المحصلة، تقف بريطانيا في مرحلة انتقالية، بين رأي عام يميل تدريجيا نحو أوروبا، وقيادة سياسية تفضل التقارب التدريجي دون الذهاب إلى خيار العودة الكاملة في المدى القريب.

مفارقة السيادة وتحديات الواقع الجيوسياسي

يصطدم طموح “استعادة السيطرة” الذي غذى حملة الخروج بواقع جيوسياسي واقتصادي مغاير، حيث تكتشف لندن أن ممارسة السيادة بعيداً عن التكتلات الكبرى تمنح استقلالية في القرار لكنها تضعف القدرة على التأثير في المعايير الدولية. وتواجه القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها نظام الرعاية الصحية، ضغوطاً متزايدة ناتجة عن غياب العمالة الأوروبية المؤهلة التي كانت تتدفق بحرية قبل عام 2016. هذا الواقع دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى إعادة تقييم جدوى العزلة عن الاتحاد الأوروبي، ليس من باب العاطفة، بل كضرورة تفرضها المصالح الوطنية العليا وتحديات الأمن الإقليمي. وبناءً عليه، يبرز التساؤل حول مدى قدرة بريطانيا على الحفاظ على نفوذها العالمي دون شراكة عضوية وثيقة مع جيرانها في القارة الأوروبية.

الأكثر قراءة