جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ تثير تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن جنوب لبنان المزيد من المخاوف في أوساط اللبنانيين، خشية تكرار سيناريو 1978 خلال الاجتياح الإسرائيلي للبلاد.
وقال كاتس إنهم سيقيمون منطقة عازلة في جنوب لبنان، وسيبقون السيطرة على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني، مهددا بأن 600 ألف من سكان جنوب لبنان لن يتمكنوا من العودة حتى ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل. وتوعد كاتس -في ختام جلسة أمنية اليوم الثلاثاء- بتدمير جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان، مؤكدا أنه في ختام “العملية العسكرية” فإن “جيش الاحتلال” سيتموضع داخل جنوب لبنان بمنطقة أمنية حتى نهر الليطاني.
وعلى ضوء تصريحات كاتس وتصريحات غيره من المسؤولين الإسرائيليين بهذا الشأن، يخشى اللبنانيون أن يكرر الاحتلال الإسرائيلي سيناريو 1978 خلال اجتياحه الأول للبنان، حيث قام، بحسب مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم، بإطلاق ما عُرف حينها بعملية الليطاني، ووصلت قواته إلى عمق نهر الليطاني وتجاوزت مدينة صور.
وسيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي حينها على مساحة تصل إلى نحو 900 كيلومتر مربع في جنوب لبنان، وصدرت في أعقاب ذلك القراران الدوليان 425 و426 وتم إنشاء قوات اليونيفيل، لتتراجع قوات الاحتلال مُنشِئة ما عرف لاحقا بالشريط الحدودي، الذي استمر منذ عام 1978 وجرى توسيعه في اجتياح 1981. ويذكر أن عملية الليطاني هي أولى حروب إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية، وقد شنتها في مارس/آذار 1978، ردا على “عملية كمال عدوان”، بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان وإقامة منطقة عازلة. ويخشى لبنان على المستويين الرسمي والشعبي أن تتحول 10% من مساحة البلاد إلى منطقة محتلة، وذلك بالنظر إلى تصريحات كاتس وتوجيهات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفي ذات السياق، كشفت القناة الـ14 الإسرائيلية في وقت سابق عن خطط إسرائيلية لتوسيع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية ليشمل 8 كيلومترات إضافية على الأقل من الحدود الدولية، مشيرة إلى توافق بين المستويين السياسي والعسكري بهذا الشأن. وتمثل هذه المساحة التي تريد إسرائيل السيطرة عليها 10% مساحة لبنان.
معادلة عسكرية
وفي نفس السياق، يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد القيق أن تصريحات كاتس بشأن لبنان توحي بوجود ما سمّاها معادلة عسكرية للمنطقة غير مرتبطة بتطورات الحرب مع إيران، مضيفا -في حديثه للجزيرة مباشر- أن هذه المعادلة تدخل في إطار ما تسميه إسرائيل عملية تغيير منطقة الشرق الأوسط. وشنَّ الجيش الإسرائيلي، غارات على عدة بلدات بجنوب لبنان، كما أنذر سكان جنوب نهر الزهراني بالإخلاء الفوري، تمهيدا لقصف المنطقة. وأصدر أمس الاثنين، تحذيرات بالإخلاء لسكان 6 قرى في البقاع بلبنان، في أول إنذار من هذا النوع يوجه إلى تلك المناطق. وتزامنت هذه التطورات مع إعلان جيش الاحتلال عن مقتل 4 من جنوده وإصابة 3 آخرين بمعارك في جنوب لبنان.
إلى أي مدى تقترب طموحات كاتس من استنساخ “الحزام الأمني” الدائم؟
تؤشر تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى تحول جذري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية تجاه الجبهة الشمالية، حيث تتجاوز الأهداف المعلنة فكرة “الردع المؤقت” لتصل إلى فرض واقع جغرافي وسياسي دائم. إن استحضار سيناريو “عملية الليطاني” عام 1978 ليس مجرد مقاربة تاريخية، بل هو انعكاس لمخطط يهدف إلى قضم نحو 10% من مساحة لبنان تحت مسمى “المنطقة العازلة”. ويُتوقع أن يشهد المشهد القادم محاولة إسرائيلية لترسيخ “سيطرة عملياتية” طويلة الأمد، تعتمد استراتيجية الأرض المحروقة في القرى الحدودية لضمان استحالة العودة السريعة للسكان، مما يضع لبنان أمام مواجهة معقدة تتداخل فيها الأطماع الترابية مع مساعي تغيير “الخارطة الأمنية” للمنطقة. هذا التصعيد يوحي بأن تل أبيب تسعى لانتزاع تنازلات سياسية عبر الميدان، متجاوزةً الأطر الدولية السابقة مثل القرار 1701، مما يفتح الباب أمام استنزاف عسكري طويل الأمد وتغيير ديموغرافي وجغرافي قد يعيد رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط برمته.


