الأكثر قراءة

هل تقترب واشنطن من اختبار فرص السلام بين روسيا وأوكرانيا؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تدخل الجهود الأمريكية لإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية مرحلة جديدة، لكن دون مؤشرات على اقتراب تسوية سريعة. فالتصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تعكس مقاربة أكثر حذرًا من الخطاب الذي ساد في بدايات عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ لم يتحدث عن اتفاق وشيك، بل عن فترة اختبار تمتد لعدة أسابيع ستحدد ما إذا كانت موسكو وكييف مستعدتين أصلًا للعودة إلى طاولة المفاوضات.
ويشير هذا الموقف إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الأزمة من زاوية إمكانية فرض تسوية سريعة، وإنما من خلال تقييم واقعي لمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، في ظل استمرار المعارك وتمسك كل منهما بمواقفه الأساسية.
الخطوط الحمراء للطرفين
أكد روبيو أن العقبة الرئيسية أمام استئناف المفاوضات تكمن في وجود ما وصفه بـ”الخطوط الحمراء” لدى كل من روسيا وأوكرانيا، وهي القضايا التي يرفض كل طرف التراجع عنها.
فمن الجانب الروسي، تتمثل هذه الخطوط في المطالبة باعتراف أوكرانيا بالواقع الميداني الجديد، بما يشمل الأراضي التي تسيطر عليها القوات الروسية، إضافة إلى رفض انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، والمطالبة بضمانات أمنية طويلة الأمد تمنع تحول أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية غربية.
أما أوكرانيا، فما تزال تتمسك باستعادة سيادتها على أراضيها، وترفض تقديم تنازلات إقليمية دائمة، كما تؤكد حقها في اختيار تحالفاتها السياسية والعسكرية، بما في ذلك استمرار التعاون مع الغرب.
ومن هنا، تبدو مهمة واشنطن، وفقًا لتصريحات روبيو، ليست فرض حل على أحد الطرفين، وإنما محاولة تقريب هذه المواقف المتباعدة، وهي مهمة تبدو شديدة التعقيد في ظل غياب مؤشرات على استعداد أي من الجانبين لتقديم تنازلات جوهرية.
اختبار أمريكي جديد
لا تقتصر الخطة الأمريكية على التصريحات السياسية، بل تتضمن أيضًا تحركًا دبلوماسيًا خلال الأسابيع المقبلة.
فمن المنتظر أن يقوم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، بزيارة إلى أوكرانيا، في خطوة تعد الأولى من نوعها إلى العاصمة كييف، بعدما اقتصرت لقاءاتهما السابقة على اجتماعات خارج الأراضي الأوكرانية.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد فترة من التوتر بين فريق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وبعض مسؤولي إدارة ترامب، إذ كانت كييف قد أبدت استياءها سابقًا من تأجيل أو إلغاء زيارات كانت مقررة إلى العاصمة الأوكرانية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن واشنطن ترغب في الاستماع مباشرة إلى الرؤية الأوكرانية قبل اتخاذ أي خطوات إضافية تتعلق بالمفاوضات.
تغير في خطاب البيت الأبيض
ترافق هذا الحراك مع تغير ملحوظ في الخطاب الأمريكي تجاه موسكو.
ففي الأشهر الماضية، كان ترامب يتحدث في أكثر من مناسبة عن إمكانية التوصل إلى تفاهم سريع مع روسيا، بينما أصبح الخطاب الحالي أكثر تشددًا، مع تكرار الحديث عن إمكانية فرض عقوبات إضافية على موسكو إذا استمرت الحرب دون تقدم سياسي.
ويرى مراقبون أن هذا التغيير لا يعكس تحولًا جذريًا في الاستراتيجية الأمريكية بقدر ما يعبر عن محاولة لزيادة الضغوط على الطرفين من أجل دفعهما إلى التفاوض.
كما أن استمرار العمليات العسكرية دون تحقيق اختراق سياسي واضح دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم فرص النجاح، بعيدًا عن التوقعات المتفائلة التي رافقت بداية التحركات الدبلوماسية.
لماذا تتغير الأولويات الأمريكية؟
يرتبط التحرك الأمريكي أيضًا بحسابات داخلية. فترامب يدرك أن استمرار الحرب دون تحقيق أي تقدم دبلوماسي قد يتحول إلى نقطة ضعف سياسية مع اقتراب انتخابات الكونغرس، خصوصًا إذا استمرت الولايات المتحدة في تحمل أعباء الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا.
فإن تحقيق اختراق، حتى وإن اقتصر على وقف إطلاق النار أو استئناف المفاوضات، قد يمنح الإدارة الأمريكية إنجازًا سياسيًا يمكن توظيفه داخليًا.
كما أن تعثر ملفات أخرى في السياسة الخارجية، وفي مقدمتها أزمات الشرق الأوسط، يدفع البيت الأبيض إلى البحث عن نجاح دبلوماسي في الساحة الأوروبية يعزز صورة الإدارة الأمريكية.
هل تغيرت العلاقة مع زيلينسكي؟
تشير تقارير إعلامية غربية إلى أن العلاقة بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شهدت تحسنًا خلال الفترة الأخيرة، بعد أشهر من الفتور السياسي.
ويعزى هذا التحسن، بحسب تلك التقارير، إلى جهود مستشاري البيت الأبيض الذين سعوا إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع كييف، وإقناع الرئيس الأمريكي بأهمية استمرار التنسيق مع أوكرانيا، حتى في حال السعي إلى تسوية تفاوضية مع روسيا.
ورغم ذلك، لا يعني هذا التحسن أن واشنطن تبنت بالكامل الرؤية الأوكرانية، إذ ما تزال الإدارة الأمريكية تؤكد أن أي اتفاق مستقبلي سيتطلب تنازلات متبادلة، وأن استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى ليس خيارًا واقعيًا.
هل اقتربت المفاوضات؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على قرب استئناف مفاوضات مباشرة بين موسكو وكييف. فالطرفان ما زالا يتمسكان بمواقف متباعدة، كما أن القضايا الجوهرية، مثل مستقبل الأراضي المتنازع عليها، والضمانات الأمنية، والعقوبات الغربية، لم تشهد أي تقدم حقيقي.
ولذلك، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى اختبار سياسي ودبلوماسي لقياس استعداد الطرفين للتفاوض، أكثر من كونها بداية فعلية لمسار سلام شامل.
لذلك، تعكس تصريحات ماركو روبيو تحولًا في المقاربة الأمريكية من الحديث عن إنهاء سريع للحرب إلى تقييم واقعي لإمكانات التفاوض. فالولايات المتحدة تدرك أن الصراع وصل إلى مرحلة أصبحت فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية متداخلة بصورة تجعل أي تسوية رهينة بقدرة موسكو وكييف على إعادة تعريف خطوطهما الحمراء أو إيجاد مساحة مشتركة بينهما.
وخلال الأسابيع المقبلة، ستسعى واشنطن إلى اختبار مدى استعداد الطرفين للدخول في مفاوضات جدية، لكن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطًا بمدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات سياسية، وهو أمر لا تزال مؤشراته محدودة حتى الآن. وفي ضوء ذلك، قد تكون المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الحرب ستتجه نحو مسار تفاوضي جديد، أم أنها ستبقى رهينة ميزان القوى على الأرض.

https://hura7.com/?p=82660

 

الأكثر قراءة