الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

هل تنجح ألمانيا في إيجاد بدائل لصواريخ “توماهوك”؟

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

هل تنجح ألمانيا في إيجاد بدائل لصواريخ “توماهوك”؟

أعاد قرار الولايات المتحدة إلغاء تسليم صواريخ “توماهوك” إلى ألمانيا الجدل حول هشاشة القدرات الدفاعية الأوروبية واعتماد القارة على المظلة العسكرية الأمريكية. كما كشف القرار عن فجوة متزايدة في قدرات الردع الأوروبية أمام التهديدات الروسية، وسط تصاعد الضغوط على برلين لتطوير بدائل دفاعية سريعة وفعالة.

فجوة كبيرة في القدرات الدفاعية الأوروبية

أدى قرار الولايات المتحدة إلغاء تسليم صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى إلى ألمانيا إلى أزمة سياسية وأمنية داخل أوروبا، بعدما كانت برلين تعول على هذه المنظومة لتعزيز الردع العسكري ضد روسيا، خاصة في مواجهة الصواريخ الروسية المنتشرة في جيب كالينينغراد.

جاء القرار الأمريكي في ظل توتر متزايد بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحكومة الألمانية، وسط تقارير تحدثت عن أن الإلغاء جاء كنوع من العقاب بسبب موقف برلين من حرب إيران، رغم أن الخبراء يرون أن ترامب كان سيجد مبررات أخرى لإنهاء الصفقة على أي حال.

كشف هذا القرار عن فجوة كبيرة في القدرات الدفاعية الأوروبية، إذ لا تمتلك أوروبا منظومة ردع فعالة بالصواريخ متوسطة المدى قادرة على موازنة القوة الصاروخية الروسية. وكانت الحكومة الألمانية تراهن على نشر صواريخ “توماهوك” الأمريكية لتعويض هذا النقص حتى تنجح أوروبا في تطوير أنظمتها الخاصة ضمن مشاريع دفاعية مستقبلية.

تشكل الأزمة ضغطا مباشرا على الحكومة الألمانية ووزارة الدفاع بقيادة وزير الدفاع بوريس بيستوريوس، خاصة أن برلين تتوقع احتمالات تصعيد عسكري روسي ضد حلف “الناتو” بحلول عام 2029. إلا أن الجيش الألماني يعاني نقصا واضحا في الأفراد والمعدات والبنية التحتية، إضافة إلى تراجع قدراته الدفاعية الجوية بعد تقليص عدد بطاريات “باتريوت” نتيجة تسليم بعضها لأوكرانيا.

مخاوف من تطوير الصواريخ الروسية

يعود القلق الأوروبي من الصواريخ الروسية إلى سنوات سابقة، عندما نشرت موسكو صواريخ قصيرة المدى في كالينينغراد، وهي صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية وضرب أهداف في بولندا وليتوانيا وألمانيا. كما تضاعف مدى النسخ الحديثة من هذه الصواريخ ليصل إلى نحو 1000 كيلومتر، ما زاد المخاوف الأوروبية من ضعف القدرة على التصدي لهجوم صاروخي واسع.

لا تقتصر المشكلة على ضعف الدفاع الجوي، بل تشمل كذلك غياب القدرة على الردع، أي امتلاك القدرة على توجيه ضربات مقابلة ضد أهداف استراتيجية داخل الأراضي الروسية. وكانت صواريخ “توماهوك” تمثل حلا مؤقتا لسد هذه الفجوة، لكن إلغاء الصفقة أعاد النقاش حول هشاشة الأمن الأوروبي واعتماد القارة الكبير على الولايات المتحدة.

استراتيجية ألمانية لردع روسيا

اتبعت حكومة المستشار الألماني فريدريش ميرز استراتيجية ثلاثية لردع روسيا، كان أبرز عناصرها نشر وحدة أمريكية للصواريخ بعيدة المدى في ألمانيا تضم صواريخ “توماهوك” و”SM 6″ والطائرة الشراعية فرط الصوتية “النسر المظلم”. كما كانت برلين تخطط لشراء منصات إطلاق وصواريخ إضافية مباشرة من الولايات المتحدة. إلا أن هذه الخطط أصبحت موضع شك، خاصة بعد استهلاك واشنطن جزءا كبيرا من ترسانتها من صواريخ “توماهوك” خلال الحرب الإيرانية، ما يجعل إعادة التزويد تستغرق سنوات.

أطلقت ألمانيا وعدة دول أوروبية مشروع “ELSA” لتطوير صواريخ أوروبية متوسطة المدى، لكن معظم المشاريع لا تزال في مراحل التصميم، ومن غير المتوقع دخولها الخدمة قبل العام 2030. ومن بين هذه المشاريع صاروخ ألماني بريطاني بعيد المدى، وطائرة مسيرة هجومية تعرف باسم “OWE 500+”، وصاروخ بحري ألماني نرويجي يحمل اسم “Tyrfing”. إلا أن التأخير في هذه المشاريع يجعلها غير قادرة على سد الفجوة الأمنية.

مشاريع الدفاع الأوروبية تواجه عقبات سياسية  

مشاريع الدفاع الأوروبية عقبات سياسية وصناعية بسبب تضارب المصالح الوطنية بين الدول الأوروبية، كما حدث في مشاريع الطائرات والدبابات المشتركة بين فرنسا وألمانيا. لذلك تتزايد الدعوات داخل ألمانيا لشراء أنظمة جاهزة بدلا من انتظار الحلول الأوروبية طويلة الأمد. ومن بين البدائل المطروحة صاروخ “فلامنغو FP-5” الأوكراني، وهو صاروخ كروز بعيد المدى يقال إن مداه يصل إلى 3000 كيلومتر ويحمل رأسا حربيا كبيرا. وتقول أوكرانيا إنها استخدمته بنجاح ضد أهداف روسية بعيدة. كما يتميز بتكلفة منخفضة مقارنة بصواريخ “توماهوك”. لكن فعالية الصاروخ لا تزال موضع جدل.

أظهرت تحليلات مستقلة أن نسبة الإصابات الدقيقة محدودة، كما أن تقنيات الدفع الخاصة به لم تثبت كفاءتها بالكامل بعد. وهناك صاروخ “روتا بلوك 2” الذي تطوره شركة “ديستينوس” الهولندية، ويبلغ مداه أكثر من 700 كيلومتر. ورغم أن قدراته أقل من “توماهوك”، فإنه يعتبر خيارا متاحا على المدى القصير، خاصة مع دعم شركة “راينميتال” الألمانية له عبر مشروع مشترك لتطوير صواريخ كروز.

يطرح البعض خيار تطوير النسخة البرية من الصاروخ الفرنسي البحري “MdCN”، لكن المشروع لن يكون جاهزا قبل عام 2030. وتوجد كذلك صواريخ مثل “توروس” الألماني و”ستورم شادو” البريطاني و”سكالب” الفرنسي، إلا أن مداها المحدود لا يوفر مستوى الردع الاستراتيجي الذي كانت توفره “توماهوك”.

تزايد الضغوط داخل الائتلاف الحاكم الألماني

داخل الائتلاف الحاكم الألماني تتزايد الضغوط على وزير الدفاع لاتخاذ قرارات سريعة. ويرى سياسيون وخبراء أن برلين كانت تعلم منذ فترة أن الاعتماد على الصفقة الأمريكية يحمل مخاطر كبيرة، خاصة بعد عودة ترامب إلى السلطة. كما يطالب نواب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD والاتحاد المسيحي CDU/CSU بتسريع مشاريع الردع الأوروبية ووضع خطة واضحة تضمن جاهزية الجيش الألماني بحلول عام 2029.

رغم الحديث عن حلول بديلة، فإن الحكومة الألمانية لا تزال تفتقر إلى خطة حاسمة لسد فجوة الردع. واعترف وزير الدفاع بيستوريوس بأن غياب صواريخ “توماهوك” سيكون “مضرا” بألمانيا، لكنه أقر كذلك بعدم وجود بديل جاهز. ويعكس ذلك حجم التحدي الذي تواجهه ألمانيا وأوروبا في بناء قدرات دفاعية مستقلة، وسط تصاعد التهديدات الروسية وتراجع الثقة في الالتزام الأمريكي طويل المدى بأمن القارة الأوروبية.

تسعى الحكومة الألمانية إلى إعادة فتح ملف التعاون العسكري مع الولايات المتحدة بعد إلغاء صفقة نشر صواريخ “توماهوك” في ألمانيا، حيث أصبح وزير الدفاع بوريس بيستوريوس يخطط لزيارة واشنطن بهدف التفاوض حول إمكانية شراء الصواريخ.

غير أن هذه الزيارة، بحسب تقارير، تبقى غير مؤكدة وتعتمد على إمكانية عقد لقاء مع نظيره الأمريكي بيت هيغسيث، في ظل التوتر السياسي المتزايد بين واشنطن وبرلين على خلفية حرب إيران وتراجع العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرز. من جانب آخر،

لم تصدر أي تصريحات رسمية من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأمريكية أو نظيرتها الألمانية حول تفاصيل هذه التحركات، ما يعكس حساسية الملف وارتباطه المباشر بالتوازنات الاستراتيجية بين الطرفين. ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات الأوروبية الأمريكية اختبارات سياسية وأمنية متزايدة.

https://hura7.com/?p=78865

الأكثر قراءة