جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يشهد سوق النفط اضطرابًا كبيرًا: ترتفع الأسعار بشكل حاد، ثم تهوي بسرعة مماثلة. والسبب الرئيسي وراء هذه التقلبات هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعروف بتغريداته المتكررة. وقد أظهر الوضع في فنزويلا قدرته على تحويل الأقوال إلى أفعال بسهولة. والآن، برز الصراع مع إيران إلى الواجهة. فلماذا لم تنتهِ هذه الأزمة بعد؟ وهل سيستمر السوق في اتباع توجيهات ترامب؟ وما هي مخاطر أزمة طاقة جديدة كتلك التي شهدناها في سبعينيات القرن الماضي؟
العوامل المساهمة في ارتفاع أسعار النفط
ارتفعت الأسعار وسط مخاوف من انقطاع الإمدادات. يقول فلاديمير تشيرنوف، المحلل في فريدوم فاينانس غلوبال: “ارتفع سعر النفط بنحو 9% خلال الأسبوع، مدفوعًا بثلاثة عوامل مجتمعة: خطر توجيه ضربة أمريكية لإيران، والغموض الذي يكتنف الصادرات الفنزويلية، بالإضافة إلى الهجمات والحوادث التي طالت ناقلات النفط في البحر الأسود. وفي ظل هذه الظروف، ارتفع سعر خام برنت إلى حوالي 66.82 دولارًا للبرميل”.
عندما تصدّرت عناوين الأخبار أخبار الثورات والحصار وناقلات النفط والتهديدات المحتملة لخطوط الملاحة، بما في ذلك مضيق هرمز، استحضرت السوق أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي. ويقول تشيرنوف إن هذا الأمر أضاف على الفور علاوة مخاطرة ببضعة دولارات إلى السعر.
التأثير الإيراني على السوق العالمية
الخبراء الروس يرون أن العامل الإيراني كان المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار. فقد ارتفعت الأسعار بشكل حادّ بعد أنباء إجلاء الأفراد من القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. وكتب ترامب تغريدة شهيرة يدعو فيها المتظاهرين إلى “السيطرة على مؤسساتهم”، مضيفًا عبارة مثيرة للاهتمام: “المساعدة قادمة!”.
كان الجميع متأكدًا من أن ترامب سيشنّ عملية عسكرية ويضرب إيران. من غير المرجح أن يرغب الرئيس الأمريكي في شنّ عملية برية، لأنها تتطلب مزيدًا من التحضير والتبرير، وهي عمومًا غير شعبية. لكن العمليات الجوية الخاطفة، كما حدث مع مادورو في فنزويلا، كانت أمرًا مفروغًا منه. علاوة على ذلك، يمكن اعتبار مثل هذه العمليات ناجحة دائمًا. وهنا يمكن القول إنه إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا على إيران، سيكون بإمكانها استهداف البنية التحتية النفطية: محطات التصدير، والحقول، وخطوط الأنابيب، وما إلى ذلك.
استراتيجية ترامب في فنزويلا وتأثيرها على إيران
كان بإمكان ترامب أيضًا استخدام الاستراتيجية نفسها التي اتبعها في فنزويلا وفرض حصارًا بحريًا على النفط الإيراني. “تُصدّر إيران ما يقارب مليوني برميل يوميًا، بينما تُصدّر فنزويلا حوالي 500 ألف برميل يوميًا، لذا تعامل السوق مع الوضع الإيراني بجدية أكبر”. يقول يوشكوف: “إنّ وقف حتى نصف صادرات إيران يُعدّ أمرًا بالغ الحساسية بالنسبة للسوق العالمية، ويُؤدّي إلى نقص في الإمدادات وارتفاع في الأسعار”.
التهديد بإغلاق مضيق هرمز
وأخيرًا، فإنّ أدنى احتمال لإغلاق مضيق هرمز يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع. إذ أن إيران لن تُقدم على هذه الخطوة الخطرة المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره معظم النفط من السعودية والكويت والعراق وإيران نفسها، فضلًا عن الغاز الطبيعي المسال من قطر، إلا إذا كان التهديد القومي بتدمير قيادة البلاد قائمًا: أي إذا كانت الضربات مُوجهة مباشرةً إلى القيادة الإيرانية. فإنّ إغلاق مضيق هرمز سيُؤدّي حتمًا إلى أزمة طاقة عالمية، وذعر، ونقص عالمي، وارتفاع في الأسعار إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل.
انخفاض الأسعار بعد ضمانات ترامب
ولكن بمجرد أن أعلن ترامب حصوله على ضمانات بوقف العنف ضدّ المتظاهرين في إيران، انخفضت أسعار النفط بشكل حادّ.
لذا، السوق تتفاعل مع تصريحات ترامب المُستمرة. لقد أظهر مثال مادورو للعالم أنّ الأقوال يُمكن أن تُترجم إلى أفعال.
يدرك الجميع أن المستحيل أصبح ممكنًا، وأنه لا توجد قواعد، وأن الولايات المتحدة قادرة على فعل أي شيء في عهد ترامب. لذلك، سيستمر سوق النفط في رصد أي إشارات منه.
ما الذي سيحدث بعد ذلك؟
المتابعون للتظاهرات الإيرانية والاحتجاجات الداخلية يرون أن قصة إيران لم تنتهِ بعد. لذلك، سيبحث السوق عن أي مؤشرات للإجابة على السؤال الرئيسي الآن: هل نجح ترامب فعلاً في خفض حدة الصراع مع إيران؟ هل هذا قراره النهائي بعدم التدخل في شؤون إيران؟ أم أنها مجرد حيلة لنشر القوات العسكرية هناك وتوجيه ضربات أكثر فعالية؟ هل هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة أم خفض حقيقي ونهائي للتصعيد؟ الآن، سيبحث الجميع عن أدلة تدعم أحد هذين الاحتمالين. ويقول إيغور يوشكوف: “وبناءً على ذلك، ستتذبذب أسعار النفط صعودًا وهبوطًا”.
السيناريو الأكثر احتمالًا لأزمة طاقة جديدة
في النهاية، يرى المتابعون للمتغيرات في الأسواق العالمية أن الخوف من تكرار أزمة الطاقة التي شهدتها سبعينيات القرن الماضي لا يمكن أن يحدث إلا في سيناريو واحد: إذا أغلقت إيران مضيق هرمز. ومع ذلك، سيكون الإغلاق أوسع نطاقًا، لكنه أقصر مدة. ويضيف: “إذا أُغلق مضيق هرمز، فلن يستمر الإغلاق ستة أشهر، بل لبضعة أيام، أو في أسوأ الأحوال، أسابيع. لكن حتى توقف صادرات النفط من الخليج العربي ليوم واحد سيُحدث صدمة في الأسواق”.


