طارق الحسيني
جريدة الحرة ـ بيروت
يعيش الإخوان المسلمون في الكويت قلقاً حقيقياً وخوفاً من انتهاء حقبة انتعاش كبيرة. وليس سراً أن حركة الإخوان المسلمين في الكويت بمسمياتها المختلفة كانت بالنسبة إلى جميع الإخوان في العالم “الدجاجة التي تبيض ذهباً” من حيث الدعم المالي والسياسي.
مصدر القلق أن الحكومة الحالية في الكويت، وفي غياب مجلس الأمة، بدأت إجراءات تضييق على الإخوان حيث كان هذا الأمر سابقاً دونه محاذير، فالإخوان في الكويت أصحاب نفوذ عبر القوة الناعمة أيام الاستقرار والقوة الخشنة أيام التوتر، وهم مشهورون بالدهاء السياسي واستغلال الكثير من الأزمات والتطورات لمصلحتهم، وكانت أهدافهم دائماً تصب في جملة دوائر:
- الاستفادة من أي تقارب مع السلطة لتعيين جماعتهم في مختلف المناصب.
- توظيف المواقف المعارضة حين تقتضي الظروف للحصول على مكاسب وزارية وإدارية. بمعنى أن تعين الحكومة مثلاً وزيراً أو اثنين من الإخوان فتضمن تصويت كتلتهم النيابية معها. كذلك الأمر بالنسبة للتعيينات القيادية في الوزارات.
- العمل على سن قانون للأحزاب لأنهم يعتبرون الفصيل السياسي شبه الوحيد المنظم في الكويت بعد تشظي التيار السلفي وشبه غروب للتيارات الليبيرالية والقومية. ومن قانون الأحزاب يمكن أن يتم الوصول الى الإمارة الدستورية في الكويت بحيث يشكل الحكومة الحزب الذي يملك القوة والنفوذ في البرلمان.
- تشجيع وصول كتلة إسلامية كبيرة في البرلمان منهم ومن السلف والمحافظين ونواب القبائل من أجل تعديل مواد في الدستور باتجاه “أسلمة الكويت” أكثر، وهو الأمر الذي حصل أكثر من مرة إنما كان يتجمد قبل الوصول الى خواتيمه.
- استمرار هيمنة الإخوان لسنوات على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في الكويت والخارج أو ما يعتبر “خزان قيادات المستقبل”، حيث يصل الطالب مثلاً إلى أميركا فيتم ترتيب أموره من المسكن إلى المقررات إلى الجامعة إلى كل شيء، ويحيطون به من كل الجوانب فيتخرج ممتناً ومصوتاً لهم في الاتحاد أو لاحقاً في الانتخابات النيابية. وكان غالبية نواب الإخوان في المجالس السابقة من خريجي الجامعات الأجنبية.
لكن ذلك كله في مسار، وحفاظ الإخوان على بنائهم المالي مسار آخر. فهم يعرفون أن المال عصب الكثير من الأمور في الحياة لذلك احترفوا العمل الخيري عبر توليد الكثير من الجمعيات بخلاف جمعية الإصلاح الاجتماعي التي تعتبر المظلة الأم لكل أطياف الإخوان، ودخلوا كأعضاء في جمعيات أخرى ليست موالية لهم.
نحن هنا نتحدث فعلاً عن عدد كبير من الجمعيات يقوم بتلقي التبرعات وتوزيعها في الخارج على مشاريع مثل سقيا الماء وبناء مساجد ومدارس للطلاب وإرسال معونات غذائية وعينية. هذه التبرعات تتجاوز في بعض الأحيان المئة مليون دينار (نحو 330 مليون دولار) في السنة.
يقول خصوم الإخوان إن الجمعيات تقتطع ما نسبته بين 12 ونصف في المئة وصولاً أحيانا إلى 20 في المئة من هذه التبرعات بحجة الرسوم الإدارية من سكريتاريا وفرق تنفيذية في الخارج (وهذا أمر لا ينفيه الإخوان). ويقولون أن هناك مؤسسة حكومية كويتية ضخمة اسمها “بيت الزكاة” تقوم بالعمل نفسه ولا تقتطع نسبة من التبرعات لأن الدولة تتكفل بذلك فما لزوم “تفريخ” جمعيات بشكل دائم محققة أرباحاً كبيرة من التبرعات؟
إضافة إلى ذلك، يشكك خصوم الإخوان في الوجهة الحقيقية للتبرعات وأين تذهب الأموال. ويقولون إن الشفافية غائبة عن هذا الموضوع. ويستدلون بأمر مهم وهو أن وزارة الشؤون قبل سنوات اشترطت على الجمعيات الخيرية عدم تلقي تبرعات إلّا عبر البطاقات المصرفية ما أدى إلى انخفاض الرقم عشرات ملايين الدنانير (نحو 100 مليون مع التبرع كاش و40 مليون مثلا عبر البطاقة البنكية) الأمر الذي طرح تساؤلات أهمها أين ذهبت الملايين الفارقة بين الرقمين؟ هل كانت تذهب فقط إلى أرصدة الجمعيات الخاصة أم إلى المحتاجين في الخارج أم إلى أطراف سياسية خارجية أخرى؟
قبل أشهر، بدأت وزارة الشؤون الكويتية تحضر لقانون جديد ينظم عمل الجمعيات الخيرية أهم ما فيه أن كل فلس خارجي يجب أن يكون عبر منصة واحدة بإشراف وزارة الشؤون، على أن تكون وزارة الخارجية مسؤولة عن مراقبة صرفه.
قبل أسابيع، جمعت وزيرة الشؤون أمثال الحويلة الجمعيات الخيرية وأبلغتهم أن “العين الحمراء” الدولية مركزة عليها، وأن وزارة الخزانة الأميركية لديها ملاحظات كثيرة على عمل هذه الجمعيات. وطالبتهم بتسوية أوضاعهم وإزالة الشكوك والتزام الشفافية في كل ما يقومون به.
بعد ذلك، أعلنت وزارة الشؤون الكويتية وقف جمع التبرعات من قبل الجمعيات الخيرية ومنع الأشخاص من التبرع لها بسبب وجود روابط مزيفة وأخرى قد تكون غير قانونية. لكن مصادر خاصة أبلغت “الحرة” أن المنع ربما كان سببه تبليغ السلطات الأردنية الكويت أن التحقيق مع الخلية الإخوانية التي تم توقيفها بتهمة التخريب أظهرت وجود تمويل وصل من بعض الجماعات في الكويت. هنا تدخلت الحكومة الكويتية وقررت منع التبرعات للتحقيق في البلاغ الأردني.
بعد ذلك، طلبت الحكومة الكويتية من كل الجمعيات الخيرية إخلاء مقارها في أمكنة السكن الخاص وهي كثيرة، ما أربكها وأدى إلى تراكم الشعور بأن شيئا ما يحضّر.
هاج رموز الإخوان في الكويت وماجوا. صرّحوا عن انعكاسات وقف التبرعات على الأيتام ومن يحتاجون للدواء والمشاريع التي لم تستكمل مثل بناء مساجد أو مركز صحي. أرادت وزارة الشؤون الاستجابة جزئياً بحيث تسمح لهم باستكمال التبرعات داخل الكويت، لكن وزارة الداخلية اكتشفت أن عمليات تبرع تجري عبر تطبيقات هاتفية مثل الواتساب فعادت إلى تجميد الإجراءات.
يتساءل كثيرون في الكويت عن الاتجاه إلى منع الدجاجة من أن تبيض ذهباً وماذا ستكون النتائج؟ خصوصاً في ظل التجارب التاريخية التي نجح معها الإخوان في التوازن واستعادة المبادرة.
خلال فترة الغزو العراقي للكويت، كان الموقف الدولي للإخوان المسلمين ضد الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت. ويقول سفير الكويت السابق في واشنطن الراحل سعود الناصر أن وفوداً من إخوان الكويت كانت تجول عواصم العالم وتعلن مواقف شبيهة بالتنظيم العالمي. بعد التحرير أبعد إخوان الكويت الجدد إخوان ما قبل الغزو، وأسسوا كياناً سياسياً اسمه “الحركة الدستورية الإسلامية” لإبعاد تسمية الإخوان عنهم.
في ظل الربيع العربي، كان إخوان الكويت رأس حربة في التحركات الشعبية التي سميت “كرامة وطن” وكانوا الأذكى في الحشد وتوجيه الخطاب، وعندما فشلت التحركات، ذهب وفد من الإخوان إلى الأمير الراحل صباح الأحمد وأبلغوه اعتذارهم وأنهم غيّروا القيادة كلها وأتوا بالمعتدل الهادئ محمد العليم على رأس الحركة الدستورية، وأنهم طوع بنانه ومشورته.
وعند اندلاع حرب غزة بعد طوفان الأقصى، كان الإخوان وقود التجمع اليومي في ساحة الإرادة حيث صدح كلام مثل منع السفارة الأميركية من دخول الكويت والهجوم على سفارات أجنبية إضافة الى شتائم لدول شقيقة وصديقة بحجة أنها تقيم علاقات مع إسرائيل.
اليوم في الكويت. حل الاتحاد الوطني لطلبة الكويت وانتخاباته ممنوعة. التجمعات والندوات ممنوعة إلا بترخيص، وحتى ندوة الإخواني المعروف بدعم تحركات الربيع العربي طارق السويدان في معرض الكتاب الإسلامي منعت. التبرعات ممنوعة. التصريحات النارية ضد الدول الشقيقة والصديقة ممنوعة. انتشار الجمعيات الخيرية بين المناطق السكنية ممنوع. “إخوان” الكويت الذين تمددوا وانتشروا وساعدوا حركات إسلامية خارجية يجدون أنفسهم أمام لحظات مفصلية، خصوصاً أن سياسة الكويت الخارجية منسجمة تماماً مع سياسات دول تخوض حرباً على الإخوان المسلمين. فهل ستبقى الدجاجة تبيض ذهباً؟ هل ستحاصر؟ أم أن الإخوان كعادتهم ينحنون لتمر العاصفة ثم يعودون إلى الواجهة؟


