الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

هل يتحوّل سنّة لبنان إلى قوميين لبنانيين؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

على مدى قرن كامل، تنقّل الوعي السياسي السنّي في لبنان بين الخلافة الإسلامية، والعروبة الوحدوية، والقضية الفلسطينية، قبل أن تدفعه الحروب والانهيارات والوصايات الخارجية تدريجيًا نحو إعادة اكتشاف الدولة اللبنانية والسيادة والكيان. فهل تحوّل سنّة لبنان فعلًا إلى قوميين لبنانيين، أم أنهم اقتربوا فقط من الفكرة اللبنانية بعد تجربة طويلة من الذوبان في قضايا المحيط؟

وقد شكّل المسلمون السنّة في لبنان، طوال قرن وأكثر، البيئة العربية والإسلامية الأكثر التصاقًا بالمحيط الخارجي، والأقل حماسة لفكرة الكيان اللبناني المستقل. فبينما رأى كثير من المسيحيين في لبنان الكبير إطارًا لحماية خصوصيتهم السياسية والثقافية، نظر قسم واسع من السنّة إلى لبنان باعتباره جزءًا انتزع من فضاء إسلامي أو عربي أوسع، لا وطنًا نهائيًا قائما بذاته.

في العهد العثماني، حمل سنّة لبنان لواء الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية، لا باعتبارها سلطة سياسية فحسب، بل إطارًا جامعًا للأمة الإسلامية. وقد تداخل الإسلام بالعروبة لاحقًا، بحيث بدا الدفاع عن الهوية العربية امتدادًا للدفاع عن الهوية الإسلامية، خصوصًا بعد مؤتمر باريس العربي في العام 1913، ثم بعد سقوط السلطنة العثمانية وقيام الانتداب الفرنسي. ومن هنا جاء الرفض السنّي الواسع للبنان الكبير في العام 1920، لأنه عُدّ اقتطاعًا لساحل سورية الطبيعي، وعزلًا للمسلمين عن عمقهم العربي.

وخلال مرحلة الانتداب الفرنسي، بقيت فكرة الوحدة السورية حاضرة بقوة داخل البيئة السنّية، إذ رأى كثيرون أن لبنان الكبير ليس وطنًا نهائيًا، بل كيانًا اقتُطع من محيطه السوري والعربي. وفي المقابل، تمسّك معظم الموارنة بفكرة لبنان المستقل، وعدّوه ملاذًا سياسيًا وثقافيًا ينبغي حمايته من المشاريع الوحدوية العربية أو السورية، وحتى الإسلامية، التي قد تذيب خصوصيتهم وثقافتهم وتفقدهم دورهم التاريخي فيه. ومن هنا نشأ التناقض البنيوي المبكر بين جماعتين: واحدة نظرت إلى لبنان باعتباره جزءًا من محيط أكبر، وأخرى رأت فيه وطنًا نهائيًا قائما بذاته وحدوده. وحتى ترشيح محمد الجسر المقرب من دوائر الانتداب نقسه للانتخابات الرئاسية في العام 1932 كتعبير عن لبنانيته، لم تتقبل الكنسية المارونية وكثير من السياسيين الموارنة الفكرة كونه شيخا مسلما كرئيس للبلاد.

وحتى بعد الاستقلال في العام 1943، بقي قبول قسم واسع من السنّة بلبنان مرتبطًا بتسوية الميثاق الوطني أكثر مما كان اقتناعًا كاملًا بالكيان اللبناني المستقل، بالرغم من الدور الذي أداه رياض الصلح في ترسيخ معادلة “لا شرق ولا غرب”، أي لا حماية أجنبية للمسيحيين ولا وحدة سورية للمسلمين. لكن التوتر بين لبنان الكيان وبين العروبة بقي كامنا في العمق السياسي السنّي، بينما كان الموارنة حسموا أمرهم حول لبنان وطن قومي منذ العام 1920.

ثم جاءت الناصرية في الخمسينيات، وخاصة بعد حرب السويس في العام 1956، لتمنح السنّة اللبنانيين مشروعًا عاطفيًا وسياسيًا جديدًا. عاطفيًا، حين ظهر جمال عبد الناصر كزعيم قومي يتحدى الاستعمار والصهيونية، وسياسيًا عندما حمل مشروع وحدة عربية دغدغ مشاعر السنّة اللبنانيين الذين سبق لهم حمل لواء الوحدة العربية والسورية. فتحوّل عبد الناصر إلى رمز للكرامة العربية، وصار الدفاع عن الوحدة العربية يتقدّم أحيانًا على فكرة الدولة اللبنانية نفسها ومصالحها السيادية، حتى أن سنّة لبنان ذهبوا مع زعمائهم زرافات إلى دمشق لرؤية عبد الناصر وهو يعلن قيام الوحدة المصرية -السورية في 22 فبراير 1958. وبعد ذلك بشهور قليلة، بلغت التناقضات ذروتها بانقسام اللبنانيين بين مشروع عربي يقوده عبد الناصر، ومشروع لبناني أكثر استقلالًا عن المحيط بالتنسيق مع الغرب، كانت الحرب الداخلية القصيرة أحد أبعادها.

وبعد هزيمة العرب في العام 1967، ثم خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان بعد ثلاثة أعوام، انتقل قسم كبير من السنّة إلى احتضانها كرافعة سياسية وشعبية في مواجهة المسيحيين، باعتبارها التعبير الجديد عن العروبة والكفاح ضد إسرائيل التي خسرت الأنظمة العربية حروبها معها. ولم يكترث المسلمون، سنة وشيعة ودروز، بالتحذيرات الرسمية والمسيحية من أخطار زج لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي، ولا من تداعيات “اتفاق القاهرة” للعام 1969 الذي سلّمت الدولة اللبنانية العاجزة بموجبه أمن أجزاء من جنوب لبنان إلى المقاومة الفلسطينية لشن العمليات ضد إسرائيل، بسبب ضعفها أمام التيارات الإيديولوجية والسياسية المتنافسة.

ولولا حكمة القيادتين السياسية والعسكرية آنذاك، لكان لبنان انجرّ وراء مطالبة رئيس الحكومة رشيد كرامي بانضمام لبنان إلى الحرب العربية في العام 1967، ما كان قد يعرّض أجزاء من جنوبه للاحتلال منذ ذلك التاريخ، لا في العام 1982 فقط. وبذلك، بدا ضعف الانتماء الوطني اللبناني لدى قسم واسع من السنّة أحد العوامل التي سهّلت تقديم القضايا العربية على فكرة الدولة اللبنانية وسيادتها نفسها.

لكن الانقسام حول المقاومة الفلسطينية أضعف، في المقابل، قدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالأرض، وأدخل لبنان في قلب الصراعات الإقليمية، وأسهم تدريجيًا في تفكك الدولة واندلاع الحرب الداخلية في العام 1975، خصوصًا مع تحوّل السلاح الفلسطيني إلى قوة تتجاوز سلطة الدولة اللبنانية، وتميل بالتوازن الداخلي لمصلحة السنّة واليسار اللبناني، وكلاهما في جلباب السلاح الفلسطيني المتفلّت. وقد دخل المسلمون واليسار الحرب كلّ لغاية في نفس يعقوب: المسلمون لتصحيح مشاركتهم في المناصب والمراكز، بينما أراد اليسار القضاء على النظام اللبناني و”الهيمنة” المارونية عليه.

غير أن الحرب الداخلية الطويلة، وما رافقها من انهيار للدولة وتفكك للمجتمع اللبناني، واجتياح إسرائيل ببيروت وأجزاء من الجنوب، دفعت قسمًا من المرجعيات والقيادة السياسية الإسلامية إلى مراجعة عميقة لموقعها من الكيان اللبناني. فشكّلت “وثيقة الثوابت الإسلامية” في العام 1983، المنبثقة عن اللقاء الإسلامي، بمشاركة شخصيات دينية وسياسية سنّية وشيعية ودرزية بارزة، محطة مفصلية في تطور الفكر السياسي الإسلامي في لبنان. ولم يكن المفتي حسن خالد مجرد مرجعية دينية في “اللقاء الإسلامي”، بل كان في تلك المرحلة مرجعية وطنية وسياسية سنّية كبرى، والشخصية المحورية والراعي الأساسي للوثيقة، وأدّى الدور الأبرز في دفع البيئة السنّية، ومعها جزء من القيادات الإسلامية اللبنانية، نحو الإقرار بلبنان وطنًا نهائيًا. إذ أقرت للمرة الأولى بصورة واضحة ونهائية بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، ولو ضمن هويته العربية. وإن أحد أسباب اغتياله في العام 1989 يعود إلى تقاربه في الموقف الوطنية مع البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير. وقد عكست مواقف السنة المستجدة بداية انتقال تدريجي داخل البيئة السنّية من أولوية الأمة والمحيط إلى أولوية الدولة اللبنانية، وإن بقي هذا التحول غير مكتمل آنذاك بسبب استمرار الحرب والوصاية الإقليمية. إشارة أن الشيعة انقسموا إلى تيارين: وطني تمثله “حركة أمل”، وإسلامي يمثله “حزب الله” الذي سوف يعتمد المقاومة المسلحة ضد إسرائيل بتبعية ناجزة لإيران، وينقل قسم كبير من الشيعة من العروبة إلى ولاية الفقيه. ومع انتهاء الحرب الداخلية، شكّل “اتفاق الطائف” في العام 1989 محطة مفصلية في تطور وعي السنّة السياسي تجاه الدولة اللبنانية. فقد تقبّل قسم واسع منهم الاتفاق، ليس لأنه أنهى الحرب فحسب، بل لأنه أعاد التوازن داخل السلطة التنفيذية، عبر نقل جزء كبير من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، ومنح رئيس الحكومة السنّي دورًا أكثر تأثيرًا في إدارة الدولة، بالتوازي مع تعزيز موقع رئيس مجلس النواب الشيعي. وهكذا، شعر كثير من السنّة للمرة الأولى أن لبنان يمكن أن يكون إطارًا مقبولًا لهم سياسيًا، لا مجرد كيان فُرض عليهم تاريخيًا.

ومن هنا، برزت مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي اقترب فيه السنّة أكثر من الدولة اللبنانية بعد الطائف، شعر قسم واسع من المسيحيين بأن لبنان الذي عرفوه قبل الحرب يتراجع لمصلحة نظام جديد تديره الوصاية السورية والتوازنات الطائفية المستجدة. فقد نظر كثير من الموارنة بريبة عميقة إلى الاتفاق، معتبرين أنه جرّد رئاسة الجمهورية من جزء كبير من صلاحياتها، قبل أن يحوّلها الاحتلال السوري، مع المؤسستين الدستوريتين الأخريين، إلى مؤسسات هامشية فاقدة القرار. ورأوا أن الطائف فرض على لبنان هوية عربية أقرب إلى الالتحاق بالمحور السوري منها إلى العروبة الحرة، وعلى حساب القومية اللبنانية التي شكّلت، بالنسبة إليهم، جوهر الكيان اللبناني وخصوصيته التاريخية.

وزاد من مخاوف المسيحيين أن الاتفاق طُبّق بصورة مجتزأة تحت الوصاية السورية، التي همّشتهم سياسيًا وانتخابيًا، وأضعفت حضورهم داخل مؤسسات الدولة، فيما بقي بند إلغاء الطائفية السياسية معلقًا من دون تنفيذ فعلي، واستُخدم أحيانًا كفزاعة سياسية، خصوصا من قبل نبيه بري، لتخويف المسيحيين كلما ارتفع صوتهم مطالبًا باستعادة لبنان سيادته وإنهاء الوصاية السورية التي يستفيد منها كغيره من السياسيين من مختلف الطوائف والأحزاب.

وفي خضم هذا التحول، برز رفيق الحريري قبل الطائف كسياسي ووسيط سعودي، واقتصادي يعمل على إعادة إعمار لبنان، وبعد الطائف بمشروع مختلف نسبيًا عن السياسيين الراهنين والسابقين. فهو لم يتخلّ عن العروبة، لكنه أخرجها من بعدها العقائدي والثوري إلى بعدها الاقتصادي والانفتاحي والاعتدالي. وقد حاول التوفيق بين العروبة ولبنان، وبين الانفتاح العربي وإعادة بناء الدولة اللبنانية. ويمكن القول إن عهده شهد ولادة عروبة متزنة بعيدة عن “عروبة النفعية” للسوريين، تعترف بلبنان وطنًا نهائيًا، من دون القطيعة مع المحيط العربي.

وفي السياق نفسه، أخذ رفيق الحريري يقترب تدريجيًا من بكركي ومن خطاب استعادة التوازن والسيادة، خصوصًا بعد اجتماعاته المتكررة بالبطريرك صفير، وأهمها في مارس العام 1998، حيث بحث معه كل الهواجس السياسية الاجتماعية والاقتصادية. وقد أثار هذا اللقاء، وبدايات انقلاب جنبلاط على السوري، وتقارب مع رأس الكنيسة المارونية البطريرك صفير الذي حمل شعلة النضال الوطني ضد الاحتلال، هواجس السوريين وشكوكهم بالحريري، بأنه يقف خلف هذه التحولات، وأن جبهة واسعة من اللبنانيين تتشكل ضده، وبخاصة من السنّة. ومن هنا، دفع الحريري ثمن انفتاحه الوطني على المكون المسيحي، بإقصاء النظام السوري له عن رئاسة مجلس الوزراء والاتيان بسليم الحص في ديسمبر من العام ذاته. وهذا جعل قسم من السنّة يراجع علاقته بالوصاية السورية وبفكرة العروبة الملحقة بدمشق.

ومن جهة المسيحيين، فبعدما اعتبر كثيرون منهم في التسعينيات أن الحريري يشكل أحد أركان التسوية السورية-اللبنانية-السعودية لحكم لبنان التي نشأت بعد الطائف، وهذا صحيح، بدأ يُنظر إليه، منذ عودته إلى رئاسة الحكومة عنوة عن الإرادة المخابراتية السورية في العام 2000، بوصفه شريكًا محتملاً للمسيحيين في إعادة التوازن الوطني داخل الدولة. ومن هنا، أسهم انفتاحه على بكركي، وتقاربه مع البطريرك صفير، وتقاطعه المتنامي مع وليد جنبلاط والقوى السيادية، في بناء جسور ثقة جديدة بين جزء من السنّة والمسيحيين، مهّدت لاحقًا لولادة تحالف 14 آذار عقب اغتياله. وبذلك، لم يعد رفيق الحريري بالنسبة إلى قسم من المسيحيين مجرد رجل تسوية فرضتها سورية، بل شخصية سنّية كبرى بدأت تقترب تدريجيًا من فكرة لبنان السيّد المستقل، ومن القومية اللبنانية بصيغتها التعددية، وقرّب بالتالي السنّة من لبنان وطن نهائي.

إنّ عودة الحريري بقوة وطنية إلى الرئاسة الثالثة في العام 2002، زادت الشكوك السورية تجاه الحريري بعدما اتهمته دمشق بالوقوف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وراء صدور” قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان” في الكونغرس الأميركي أواخر العام 2003، والذي شكّل بداية التحول الدولي ضد النظام السوري.

وبلغ التوتر ذروته بعد زيارة الحريري إلى دمشق صيف العام 2004، إثر فرض بشار الأسد التمديد للرئيس إميل لحود، حيث تعرّض، بحسب روايات واسعة الانتشار، لضغوط وإهانات قاسية من الرئيس السوري بشار الأسد، في مشهد عكس بداية الانفصال الفعلي بين الحريرية السياسية والوصاية السورية، والقطيعة بين سنّة لبنان ونظام الأسد.

غير أن التحول الأكبر تبلور بعد اغتيال الحريري في العام 2005. فمع خروج الجيش السوري عنوة من لبنان وولادة حركة 14 آذار، ظهر لأول مرة تقارب واسع بين قسم كبير من السنّة والمسيحيين والدروز وبعض الشيعة حول مفاهيم السيادة والاستقلال والدولة، بينما أصبح الثنائي الشيعي يدور في محور إيران (حزب الله) أو يهادنه لحسابات داخلية (حركة أمل). وقد برز شعار “لبنان أولًا” الذي رفعه سعد الحريري عقب اغتيال والده، بوصفه تحولًا تاريخيًا في الوعي السياسي السنّي. فلبنان لم يعد مجرد ساحة عربية للوحدة أو التقاتل، بل وطنًا ينبغي حمايته من الهيمنة الخارجية ومن السلاح غير الشرعي.

وقد تعزز هذا التحول بالشبهات حول حزب الله باغتيال قيادات لبنانية وسنيّة بارزة، على رأسها الحريري. وبعد أحداث 7 مايو 2008، حين اجتاح الحزب مناطق سنّية في بيروت والجبل، وولّد صدمة عميقة داخل البيئة السنّية، ودفع غالبيتها إلى اعتباره قوة مهيمنة على الدولة، لا حركة مقاومة وطنية جامعة. ثم جاء اسقاط حكومة سعد الحريري على أيدي النظام السوري مطلع العام 2011، ليؤكد للكثيرين من السنّة أن الحزب لا يزال يعمل على تهميشهم منذ العام 2008، ما زاد من كراهيته في وسطهم. بعد ذلك بقليل، بدأت مشاركة الحزب في الحرب السورية منذ العام 2012 لتعمّق هذا الشرخ، خصوصا مع تمدد الحزب إلى سورية بخلفية إيرانية ومذهبية، وينقل لبنان من موقع الحياد النسبي إلى قلب المحور الإيراني الإقليمي، وصولًا إلى الإجهاز على الثورة السورية ذات البعد السنّي.

ومنذ ذلك الوقت، أخذ الوعي السنّي يميل أكثر فأكثر نحو أولوية الدولة اللبنانية والسيادة والحياد الذي أعلن عنه البطريرك الراعي في العام 2021 مدفوعا بفشل الانتفاضة اللبنانية، فضلا عن الاستقرار الاقتصادي، بدل الانخراط في المشاريع الإيديولوجية والسياسية العابرة للحدود لحزب الله. ولم تعد العروبة بالنسبة إلى غالبية السنّة مشروع وحدة سياسية، بل إطارًا ثقافيًا وحضاريًا داعمًا للبنان الدولة، يلتقون فيه مع كثير من المسيحيين.

وقد ظهر هذا التحول بوضوح بعد “طوفان الأقصى” خريف العام 2023. فبالرغم من التعاطف السنّي الواسع مع الشعب الفلسطيني، بوصفه شعبًا مظلومًا تُنتهك حقوقه الوطنية، رفضت غالبية السنّة جرّ لبنان إلى حرب جديدة خدمة للمحور الإيراني أو لمشروع “وحدة الساحات”. لقد فصلوا، للمرة الأولى بهذا الوضوح، بين دعم القضية الفلسطينية وبين تحويل لبنان إلى منصة لحروب الآخرين. ولم يتوقف السنّة عند هذا الحد، كانوا طبيعة القوى اللبنانية التي اتخذت موقفا رافضا بشدة لتوريط لبنان في حرب ما بعد اغتيال خامنئي. وترجم ذلك في الدعم الذي يحظى به رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام داخل البيئة السنّية والمسيحية، لأنه يطرح خطاب الدولة والمؤسسات وحصرية السلاح بيد الشرعية، ويرفض تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية مفتوحة.

وهكذا، يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من السنّة اللبنانيين انتقل، خلال قرن، من الولاء للخلافة الإسلامية العثمانية، إلى الحلم العربي الوحدوي، ثم إلى أولوية الكيان اللبناني والدولة الوطنية. ولم يكن هذا التحول انقلابًا على العروبة بقدر ما كان نتيجة خيبات متراكمة عاشها لبنان والمنطقة: من سقوط السلطنة، إلى فشل الوحدة العربية، إلى الحرب الداخلية، إلى السلاح الفلسطيني، وصولًا إلى هيمنة حزب الله على القرار اللبناني.

لكن ذلك لا يعني أن السنّة أصبحوا قوميين لبنانيين بالمعنى الماروني التاريخي للكلمة. فالموارنة تمسّكوا بلبنان منذ نشوء لبنان الكبير خوفًا من الذوبان في المحيط، بينما عاد السنّة إلى لبنان بعد قرن من التجارب والانكسارات والصدامات. ومع ذلك، فإن المسافة الفكرية والسياسية بين الطرفين تقلّصت أكثر من أي وقت مضى. وللمرة الأولى منذ قيام لبنان الكبير، يبدو أن غالبية السنّة باتت ترى في الدولة اللبنانية والسيادة والحياد والاستقرار أولوية تتقدم على شعارات الأمة والمحاور الإقليمية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر: الجماعة التي كانت الأقل اقتناعًا بلبنان، أصبحت اليوم من أكثر الجماعات خوفًا عليه في قضايا ذلك المحيط. فغالبيتها باتت ترى في الدولة اللبنانية والسيادة والحياد والاستقرار أولوية تتقدم على شعارات الأمة والمحاور الإقليمية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ لبنان الحديث: الجماعة التي كانت الأقل اقتناعًا بلبنان، أصبحت اليوم من أكثر الجماعات خوفًا عليه.

غير أن اكتمال هذا التحول اللبناني يبقى ناقصًا ما لم تجرِ داخل البيئة الشيعية مراجعة مماثلة للعلاقة بين الطائفة والدولة، وبين لبنان والمحاور الإقليمية. فكما انتقل قسم واسع من السنّة، بعد عقود من الذوبان في قضايا الأمة والمحيط، إلى أولوية الدولة اللبنانية والسيادة والاستقرار، يبرز السؤال اليوم: متى يعود الشيعة المختطفون من قبل ولاية الفقيه إلى لبنان الدولة، ويعيدون النظر في ارتباطهم بالمشروع الإيراني الذي أدخل لبنان في صراعات وحروب وانقسامات تتجاوز مصالح اللبنانيين؟

فلبنان لا يستطيع الاستمرار كدولة إذا بقيت طائفة كبرى فيه مرتبطة استراتيجيًا بمشروع إقليمي فوق وطني، يملك قرار الحرب والسلم، ويعيد رسم أولويات البلاد وفق حسابات الخارج. ومن هنا، فإن خروج الشيعة من أسر المحاور، وعودتهم الكاملة إلى الدولة اللبنانية، لا يشكلان فقط مدخلًا لاستعادة السيادة، بل أيضًا الشرط الأساسي لوقف تصاعد الدعوات إلى الفدرالية والتقسيم والتفكك، وإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين على قاعدة وطن نهائي لجميع أبنائه.

https://hura7.com/?p=79248

الأكثر قراءة