الأكثر قراءة

هل يتخلى الأوروبيون عن صناعة الدفاع الأمريكية؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشهد القارة الأوروبية تحولاً متسارعاً في رؤيتها لمستقبل صناعتها الدفاعية، مع تصاعد الدعوات إلى بناء قدرات عسكرية أكثر استقلالية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وفي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها أنقرة، تم توقيع صفقات دفاعية بلغت قيمتها نحو 50 مليار دولار، في خطوة عكست حجم التحولات الجارية داخل الحلف بشأن مستقبل التعاون الصناعي العسكري بين ضفتي الأطلسي.

وفي تصريح للأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أعلن أن المرحلة المقبلة تمثل “عهداً جديداً من التعاون الصناعي عبر الأطلسي” بين أمريكا الشمالية وأوروبا. إلا أن هذا التوجه يثير تساؤلات داخل الأوساط الأوروبية، إذ يرى بعض المراقبين أن استمرار التعاون العسكري مع واشنطن قد يتعارض مع المساعي الأوروبية لتعزيز مبدأ “شراء المنتجات الأوروبية”، وبناء قاعدة دفاعية قادرة على تلبية احتياجات القارة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الصناعات الأمريكية.

التصنيع الأوروبي والتحديات الحالية

شهد منتدى الصناعات الدفاعية الذي عُقد في أنقرة على هامش القمة السادسة والثلاثين لحلف الناتو توقيع اتفاقيات تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار. ومن بين أبرز هذه الاتفاقيات، قيام شركة “ساب” السويدية بتصنيع عشر طائرات إنذار مبكر واستطلاع جوي من طراز “غلوبال آي” لصالح دول أوروبية، لتحل محل أسطول طائرات “بوينغ إي-3 سنتري أواكس” المتقادمة.

كما التزم حلفاء الناتو باستثمار أكثر من 40 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة في تطوير قدرات مواجهة الطائرات المسيّرة، إلى جانب زيادة عدد المشغلين المتخصصين في هذا المجال خمسة أضعاف بحلول نهاية عام 2027. وفي الإطار ذاته، تعتزم الدول الغربية تطوير نموذج أولي لذخيرة موحدة عيار 155 ملم، بما يعزز قدرات الإنتاج العسكري المشترك داخل الحلف.

أما في مجال الأنظمة الصاروخية، فقد وقعت شركة “لوكهيد مارتن” الأمريكية مذكرة تفاهم مع شركة “راينميتال” الألمانية لإنشاء مركز للإنتاج والتكامل والتوزيع لمنظومة صواريخ “أتاكماس” التكتيكية في أوروبا. كما أعلنت كل من كندا والدنمارك وفنلندا وألمانيا والنرويج وهولندا والسويد وتركيا عن إمكانية إنشاء كوكبة أقمار صناعية عسكرية مشتركة بهدف تحسين الاتصالات وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول المشاركة.

التخطيط الأوروبي لبناء قوة دفاعية

على الرغم من هذه المشاريع المشتركة، فإنها تأتي في ظل توجه أوروبي متزايد لتعزيز الصناعات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي. فالمفوضية الأوروبية تعمل على ضخ مئات المليارات من اليورو لدعم تطوير صناعة الأسلحة الأوروبية وتقليل الاعتماد على الجهات الخارجية، حتى لو كانت من الحلفاء.

وتشير تقارير إلى أن بعض المبادرات الأوروبية تهدف إلى الحد من مشاركة الشركات غير الأوروبية في قطاع الدفاع، إذ يفرض برنامج “SAFE”، وهو البرنامج الرئيسي للاتحاد الأوروبي لتمويل شراء الأسلحة، قيوداً على نسبة المنتجات المصنعة خارج الاتحاد الأوروبي، بحيث لا تتجاوز 35%.

المواقف الأوروبية الرسمية

بدورها، أعلنت تارجا ياكولا، الأمينة العامة المساعدة لحلف الناتو لشؤون الصناعات الدفاعية والابتكار والتسليح: “نرحب بشدة بالمبادرات الأوروبية، لكننا نتوخى الحذر الشديد، إذ يجب أن تكون شاملة قدر الإمكان”. كما أقر دان كليمان، نائب الرئيس الأول لصندوق مارشال الألماني، بأن التوترات تتزايد داخل الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى ضرورة إيجاد صيغة توافقية تحقق التوازن بين تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية والحفاظ على التعاون مع الولايات المتحدة.

وفي الشهر الماضي، دعا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الدول الأوروبية الحليفة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية في الدفاع عن بلدانها، مؤكداً أن مستقبل حلف شمال الأطلسي يتطلب إعادة صياغة دوره العسكري في القارة. وقال هيغسيث إن “الناتو 3.0” يمثل إدراكاً لحاجة الحلف إلى إعادة ترسيخ مكانته كتحالف عسكري قوي يمتلك قدرات ردع حقيقية في أوروبا، مشدداً على ضرورة أن يتولى الحلفاء الأوروبيون زمام المبادرة بصورة أكبر في مسؤولية الدفاع عن القارة.

وفي سياق التحركات الأوروبية الجديدة، أطلقت بريطانيا وفرنسا وألمانيا مبادرة دفاعية ضمن إطار حلف الناتو بقيمة 50 مليار دولار، تهدف إلى تطوير أسلحة بعيدة المدى دون مشاركة أمريكية مباشرة، وفقاً لتقرير لوكالة “بلومبيرغ”. ويهدف المشروع إلى سد الفجوة القائمة في هذا المجال، حيث تمتلك روسيا تفوقاً ملحوظاً مقارنة بالقدرات الأوروبية الحالية.

استعادة الغرب للتعاون المشترك

بموجب هذه المبادرة، ستعمل لندن وباريس وبرلين، إلى جانب عدد من الحلفاء الأوروبيين، خلال العقد المقبل على تطوير أنظمة هجومية قادرة على إصابة أهداف تبعد أكثر من 2000 كيلومتر بدقة عالية، في خطوة تعكس رغبة أوروبية متزايدة في امتلاك أدوات ردع مستقلة. كما تهدف خطط الحلف إلى زيادة عدد مشغلي الطائرات المسيّرة خمسة أضعاف خلال عامين، إلا أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحدياً يتمثل في محدودية عدد المتخصصين المؤهلين في هذا المجال داخل الدول الأوروبية.

ولا يزال الاعتماد الأوروبي على بعض القدرات الخارجية محدوداً في مجالات عدة، إلا أن عدداً من المسؤولين يرى أن هذه المبادرات تمثل خطوات مهمة، رغم صعوبة تنفيذها عملياً على أرض الواقع. وفيما يتعلق باختيار شركة “ساب” السويدية لتوريد طائرات الإنذار المبكر بدلاً من شركة “بوينغ” الأمريكية، فإن ذلك يعكس تقديراً للدور السويدي في تطوير الصناعات الدفاعية، رغم أن السويد أصبحت خلال السنوات الأخيرة أقرب إلى هامش القوة الصناعية العسكرية داخل حلف الناتو مقارنة بالماضي.  وفي حال نجاح مشروع إنشاء مجمع صناعي عسكري أوروبي متكامل، فمن المرجح أن تحصل ستوكهولم على دور رئيسي في مجال تصنيع الطائرات العسكرية.

أما برنامج “درون إيدج”، الذي تبلغ قيمته 40 مليار دولار، فيهدف إلى إنشاء إطار مشترك لتصميم وإنتاج وتمويل وتوحيد معايير الطائرات المسيّرة وأنظمة مواجهتها، على أن يتم توزيع التمويل على نحو عشرين دولة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى فعالية تنفيذ المشروع وقدرة الدول المشاركة على تنسيقه بشكل موحد.

اتفاقيات التعاون بانتظار التنفيذ

يتفق الخبراء والمتابعون على أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى القدرة على تحقيق وحدة دائمة وتنسيق فعّال في البرامج العسكرية المشتركة. فالأن الاتفاقيات الدفاعية غالباً ما تُبرم خلال قمم حلف شمال الأطلسي بين الدول الأوروبية بشكل منفرد، إذ تحتفظ كل دولة بسيادتها الخاصة في مجال المشتريات العسكرية، فضلاً عن أن بريطانيا، التي تعد إحدى القوى العسكرية الرئيسية في أوروبا، ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي.

ويرى الخبراء أن أي برنامج عسكري واسع النطاق يتطلب زيادة سريعة في حجم التجارة والتعاون الصناعي بين الدول الأوروبية، مؤكدين أن الهدف الاستراتيجي الذي حددته بروكسل، والمتمثل في تحقيق استقلالية المجمع الصناعي العسكري الأوروبي، يحتاج إلى مستوى مختلف تماماً من التكامل مقارنة بالوضع الحالي. كما أن إنشاء مجمع صناعي عسكري أوروبي متكامل يعتمد على نظام موحد للمشتريات سيؤدي بالضرورة إلى بروز الدول الأكثر تقدماً في هذا المجال باعتبارها القوى الرئيسية داخل هذا القطاع.

ويمكن القول إن فرنسا وألمانيا، وربما إيطاليا، تسعى إلى لعب دور القوة الدافعة في بناء هذه المنظومة، إلا أن هذا التوجه قد يواجه معارضة من بعض الدول الأوروبية التي لا ترغب في تبني نموذج يعتمد على قيادة دول محددة. وقد تعارض دول مثل بولندا هذا المسار بشدة، مفضلة الإبقاء على نهج أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأساسي للأمن الأوروبي.

كما أن استمرار التأثير الأمريكي الواسع داخل الأوساط السياسية الأوروبية يشكل عاملاً إضافياً يحد من إمكانية بناء مجمع صناعي عسكري أوروبي موحد ومستقل بالكامل.  ورغم ذلك، حققت أوروبا بعض الخطوات في مجال تطوير التعاون الصناعي العسكري المشترك، إلا أن هذه الإنجازات لا تزال محدودة مقارنة بالطموحات المعلنة لإنشاء منظومة دفاعية أوروبية متكاملة. كما توجد بعض الخطوات الرامية إلى تعزيز التنسيق الصناعي العسكري مع أوكرانيا، إلا أن هذه التحركات، بحسب الخبراء، لا تزال بعيدة جداً عن الوصول إلى الهدف المعلن المتمثل في بناء منظومة دفاعية أوروبية مستقلة.

وتتمثل إحدى المشكلات الأساسية في أن ما يُعرف بـ”الإنتاج الأوروبي” يعتمد، باستثناء حالات محدودة، على مكونات أمريكية رئيسية. فالكثير من الأنظمة العسكرية الأوروبية تستخدم تقنيات أمريكية في مجالات التوجيه والمحركات والإلكترونيات، ما يجعل تحقيق الاستقلال الصناعي الكامل أمراً بالغ الصعوبة. كما ترتبط القدرات الصناعية العسكرية البريطانية بشكل وثيق بالصناعة الأمريكية، إذ لا تزال لندن تعتمد على التعاون مع واشنطن في بعض المجالات الاستراتيجية، بما في ذلك منظومة الردع النووي، حيث تستخدم صواريخ “ترايدنت 2” الباليستية التي تعتمد على أنظمة إطلاق أمريكية.

التحديات والصعوبات أمام بروكسل

كما يرى عدد من الخبراء أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات كبيرة أمام تحقيق هدف بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبروكسل ليست مستعدة حالياً للانفصال الكامل عن الولايات المتحدة في المجال الصناعي العسكري، نظراً للترابط العميق بين المجمع الصناعي الدفاعي الأوروبي والأمريكي، سواء من الناحية التكنولوجية أو من حيث براءات الاختراع.

كما أن جزءاً كبيراً من قيمة الصفقات الدفاعية التي تبلغ نحو 50 مليار دولار سيعود بشكل غير مباشر إلى الشركات الأمريكية. وضرب الخبراء مثالاً بإمكانية إنتاج صاروخ الاعتراض “PAC-3” في ألمانيا، موضحين أنه رغم تصنيفه كمنتج ألماني من الناحية النظرية، فإنه سيبقى مرتبطاً بالتكنولوجيا الأمريكية. وقد تلجأ بروكسل أحياناً إلى ترتيبات محاسبية لتقليل وضوح الجهات المستفيدة فعلياً من التمويل الدفاعي، ما يجعل تحديد حجم الاستقلال الصناعي الأوروبي أمراً أكثر تعقيداً.

وفي النهاية، يتفق العديد من المراقبين على أن هناك تحدياً آخر يتمثل في اعتماد أوروبا على الصين في مجال البطاريات والمواد الخام الحيوية، خصوصاً المعادن الأرضية النادرة، في ظل القيود التي فرضتها بكين على تصدير بعض هذه الموارد إلى الدول الغربية. لذلك، فإن تحقيق استقلال دفاعي أوروبي كامل سيبقى أمراً معقداً، طالما استمرت القارة في الاعتماد على تقنيات ومكونات خارجية. ويشير الخبراء إلى أن هذا الاعتماد لا يقتصر على القطاع العسكري فقط، بل يمتد إلى مجالات صناعية أخرى، إذ إن بعض نماذج سيارات “تسلا” تعتمد أيضاً على بطاريات صينية.

وبناءً عليه، فإن السؤال حول ما إذا كانت أوروبا ستتخلى عن صناعة الدفاع الأمريكية لا يبدو مطروحاً في المدى القريب، بل إن الاتجاه الحالي يشير إلى محاولة تحقيق توازن بين بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية أكثر استقلالية، والحفاظ على التعاون الاستراتيجي والتكنولوجي مع الولايات المتحدة داخل إطار حلف شمال الأطلسي.

https://hura7.com/?p=81464

الأكثر قراءة