الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

هل يضيع لبنان كما ضاعت فلسطين؟ بين المشروع الصهيوني وولاية الفقيه

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

يبدو السؤال اليوم قاسيًا، وربما صادمًا: هل يضيع لبنان كما ضاعت فلسطين؟ ليس المقصود هنا استنساخ التاريخ، ولا المساواة بين تجربتين مختلفتين في السياق والأدوات، بل في قراءة مسار تآكل الكيانات حين تفقد سيادتها تدريجيًا، تحت ضغط مشروع خارجي، وانقسام داخلي، وعجز مزمن عن إنتاج قرار وطني موحّد.

لم تسقط فلسطين دفعة واحدة، ولم تُسلب في لحظة خاطفة. لقد ضاعت على مراحل، ببطء، وبقدر كبير من الوضوح في المشروع، والغموض في الرد عليه. منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ مشروع صهيوني منظم يترجم أفكار تيودور هرتزل إلى وقائع ميدانية، من خلال شراء الأراضي وإقامة المستوطنات حتى في ظل الحكم العثماني. لم يكن ذلك هناك سوى مجرد نشاط اقتصادي ضعيف لقلة عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، لكنه كان تأسيسًا هادئًا لكيان سياسي قادم.

حين صدر “تصريح بلفور” في العام 1917، لم يكن موقفًا عابرًا، بل لحظة تأسيس دولي لمشروع استيطاني. تحولت بريطانيا من قوة منتدبة إلى شريك فعلي في بناء هذا المشروع، عبر تسهيل الهجرة، وتنظيم المؤسسات، وتهيئة الأرض لقيام دولة. ومع “مؤتمر بلتيمور” في العام 1942، انتقل مركز الثقل إلى الولايات المتحدة، حيث جرى الإعلان الصريح عن هدف الدولة اليهودية، ما كشف أن المشروع لم يعد فكرة، بل خطة مكتملة العناصر.

عندما اندلعت حرب 1948، لم يكن التفاوت فقط في القوة العسكرية، بل في وضوح الرؤية: جيوش عربية متعددة، أنظمة متباينة المصالح، حسابات متناقضة، واجهت تنظيم صهيوني موحد يعرف ما يريد. كانت النتيجة هزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل سياسية وبنيوية. ثم جاءت حرب الأيام الستة” 1967 لتقضي على ما تبقى من توازن، فاحتل الكيان الصهيوني الضفة الغربية والقدس، وبدأ فصل جديد من فرض الوقائع بالقوة.

منذ ذلك الحين، لم يتوقف الاستيطان، بل تحوّل إلى سياسة منهجية لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا. ومع اتفاق أوسلو 1993، بدا وكأن الفلسطينيين حصلوا على سلطة، لكن هذه السلطة وُلدت محدودة ومقيّدة، في ظل تقسيمات أبقت السيطرة الفعلية لإسرائيل على الجزء الأكبر من الأرض، ولا سيما في المناطق التي تشكّل عمق الضفة الغربية. توسّعت المستوطنات، وتقلّصت المساحات المتاحة للفلسطينيين، حتى أصبح الحديث عن دولة قابلة للحياة أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الواقع. وفي الحروب المتكررة على غزة، وصولًا إلى حرب 2023، تكرّس اختلال ميزان القوى، وتعززت السيطرة الإسرائيلية، فيما ازداد الانقسام الفلسطيني عمقا. في المقابل، سارت إسرائيل في تصفية الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، واضعة نصبع العينين إعادة ضم الضفة الغربية.

هكذا، لم يكن ضياع فلسطين في الماضي نتيجة قوة المشروع الصهيوني وحده، ولا انهيار ما تبقى منها اليوم، بل أيضًا نتيجة ضعف الداخل، وانقسامه، والعجز عن بناء استراتيجية عربية موحدة للمواجهة. وهذا ما يجعل السؤال عن لبنان أكثر إلحاحًا.

نشأ لبنان في ظروف مختلفة، لكنه لم يكن يومًا كيانًا مستقرًا من حيث الهوية وتعايش طوائفه. فقد قام على توازنات طائفية دقيقة، وعلى تسوية سياسية لم تحسم الانتماء بين لبنانية خاصة وعروبة أوسع. جاء الميثاق الوطني في العام 1943 ليؤجل الصراع، بدل أن يحله، فبقيت الدولة قائمة على توازن هش، قابل للاهتزاز عند كل أزمة.

في الخمسينيات والستينيات، انقسم اللبنانيون بين مشروع قومي عربي ومشروع لبناني مستقل، ما جعل البلاد ساحة صراع أيديولوجي مفتوح، تخللتها توترات مسلحة (1958). ومع دخول العامل الفلسطيني إلى الداخل اللبناني، لم يعد الصراع خارجيًا فقط، بل أصبح جزءًا من البنية الداخلية. تداخلت الحسابات السورية والإسرائيلية والفلسطينية، وانهار التوازن، فانفجرت الحرب الأهلية، التي انتهت باتفاق الطائف، من دون أن تنهي أسبابها العميقة.

لكن التحول الأخطر لم يكن في حرب لبنان، بل في ما تلاها. مع صعود حزب الله، دخل لبنان مرحلة جديدة، حيث لم تعد المسألة مجرد انقسام داخلي، بل ارتباطًا بمشروع إقليمي متكامل. نشأ الحزب في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وفي سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ونجح في تحقيق إنجاز عسكري مهم في العام 2000، ما منحه شرعية واسعة في لبنان والبلاد العربية والإسلامية. غير أن هذه الشرعية تحولت تدريجيًا إلى قوة داخلية مستقلة عن الدولة، تمتلك سلاحًا يفوق سلاحها، وتنظيمًا يتجاوز مؤسساتها.

بعد انسحاب سورية من لبنان في العام 2005، وقيام التحالف بين طهران ودمشق صيف العام نفسه، لم يعد هناك توازن إقليمي يضبط المشهد الداخلي، فبرز الحزب نتيجة ذلك القوة الأكثر قدرة على ملء الفراغ. لم يعد مجرد فصيل سياسي، بل أصبح لاعبًا يحدد اتجاهات الدولة. وقد أظهرت أحداث 2008 و2010 أن استخدام القوة في الداخل لم يعد خطًا أحمر، بل خيارًا مطروحًا لحسم الخلافات السياسية. حتى أن حسن نصر الله كان يهدد خلال العام 2006 بقطع أيدي المتآمرين على المقاومة.

تكرّس هذا المسار مع مرور الوقت، خصوصًا بعد التسوية السياسية في العام 2016، حيث دخل الحزب إلى صلب السلطة، من دون أن يتخلى عن استقلاله العسكري. شارك في الحرب السورية، وتعمّقت تبعيته للولي الفقيه، وأصبح جزءا اساسيا من منظومة إقليمية تتجاوز حدود لبنان، بالتزامن مع سيطرة إيران على ثلاثة عواصم عربية إلى جانب بيروت، هي دمشق وبغداد وصنعاء. في هذا السياق، لم يعد قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، بل أصبح مرتبطًا بحسابات إقليمية أوسع.

في السنوات الأخيرة، بدا لبنان وكأنه ينتقل من دولة ضعيفة إلى دولة مقيّدة. مؤسسات قائمة، لكنها عاجزة عن فرض القرار. وظهر ذلك في التحقيق في اغتيال رفيق الحريري، وفي تحديد المسؤولين عن تفجير مرفأ بيروت، أو في مكافحة التهريب وتبييض الأموال. جيش موجود، لكنه محدود القدرة. سلطة سياسية، لكنها خاضعة لتوازنات لا تتحكم بها بالكامل، أو تحكم برضا الحزب، حتى أن وصول رئيس جمهورية ماروني، أو رئيس حكومة، أو نواب ووزراء أصبح منوطا بمباركة الحزب، بينما يتربع حليفه نبيه بري على كرسي رئاسة مجلس النواب بدون منازع. في المقابل، تتعاظم قوة فاعل غير دولتي، يمتلك السلاح والتنظيم والقرار.

إن التصعيد على الجبهة الجنوبية، في سياق المواجهة بين إيران وإسرائيل في حربي اسناد غزة وإيران، أعاد طرح السؤال بحدة أكبر. هل لبنان دولة تقرر، أم ساحة يُقرَّر فيها؟ وهل يمكن لكيان أن يستمر، إذا كان جزء من قراره السيادي خارج مؤسساته؟

هنا تلتقي التجربتان، الفلسطينية واللبنانية، ليس في التفاصيل، بل في المسار. في فلسطين، كان المشروع خارجيًا واضحًا، مدعومًا دوليًا، يعمل على الأرض تدريجيًا حتى حقق هدفه. في لبنان، المشروع يعمل من الداخل، عبر قوة محلية مرتبطة بإطار إقليمي متمثل بإيران، تتجاوز الدولة وتعيد تعريفها. في الحالتين، هناك تآكل للسيادة، وانقسام داخلي، وعجز عن إنتاج قرار موحّد. لكن الفارق الجوهري أن فلسطين فقدت أرضها، بينما لبنان يواجه خطر فقدان دولته من الداخل وأرضه في الجنوب. وفي الحالة الأولى، بعيد حزب الله إعادة تشكيل سلطته في شمالي الليطاني، وتتعزز أوراق إيران في لبنان والمنطقة، فيما تحتل إسرائيل في الحالة الثانية جنوب لبنان.

الاستنتاج

 كما كانت حرب فلسطين في العام 1948 لحظة مفصلية في قيام دولة إسرائيل على حساب عروبة فلسطين، فإن لبنان يقف اليوم أمام لحظة مماثلة قد تكون بدورها مفصلية، لا في قيام دولة جديدة، بل في إعادة تشكيل الدولة من الداخل. فإمكان الانتقال إلى مفاوضات مباشرة أو غير  مباشرة بين لبنان وإسرائيل أن تشكل ذريعة لحزب الله لتكريس معادلات جديدة في بنية السلطة، في ظل عجز الدولة عن فرض سيادتها الكاملة، كما ظهر في مسألة عدم صحة خلوّ جنوب الليطاني من سلاح حزب الله. فكيف إذا امتدّ الأمر إلى ما هو أبعد من الجنوب، نحو عمق بيروت وجبل لبنان والبقاع؟

وفي هذا السياق، يكتسب الحديث المتداول عن احتمالات تغيير في موازين القوة في شمال الليطاني وفي داخل العاصمة، دلالات إضافية، سواء أكان ذلك نتيجة ديناميات مسلحة داخلية أم بفعل تداخلات إقليمية. وقد تجد بعض القوى اللبنانية، ولا سيما في الأوساط المسيحية التي ضاقت ذرعًا باستمرار تهميش الدولة ووجود السلاح خارج الدولة، في مثل هذا التطور ذريعة لإعادة طرح خيارات كانت مؤجلة، تصل إلى حدّ إعادة النظر في طبيعة الكيان نفسه: التخلي عن مشروع الفدرالية والانتقال إلى التقسيم.

وفي الإطار الطائفي، ارتبط جزء وازن من السنّة تاريخيًا بالمحيط العربي، وانخرط في قضايا فلسطين وسورية، وتقاطَع في مراحل معينة مع خطاب المقاومة، إلى أن شكّل اغتيال رفيق الحريري نقطة تحوّل أعادت صياغة موقعهم السياسي، ودفعَتهم نحو حالة من التردد أو إعادة التموضع داخل المشهد اللبناني (لبنان أولًا)، وفي ظل الافتقار إلى القيادة السياسية، يبقون غير مؤثرين تجاه تطور الأوضاع الراهنة. إن وجود سنيّ على رأس الحكومة اللبنانية، لا يعني وجود زعامة سنيّة لها وزنها الجماهيري.

في المقابل، حافظ الدروز على نهج براغماتي قائم على التكيّف مع موازين القوى المتبدّلة، ما يجعلهم سياسيا أقرب إلى التموضع حيث تستقر هذه الموازين، حفاظًا على موقعهم في نظام هش. أما البيئة الشيعية، فإن أي تحوّل من هذا النوع قد يدفع المؤدلجين إلى مزيد من التماسك ضمن الإطار السياسي–العقائدي المرتبط بإيران، في ظل شعور متزايد بالاستهداف، ما يعمّق اختلال التوازن الداخلي ويعيد رسم خطوط الانقسام.

ولا يمكن إعفاء النخب اللبنانية من المسؤولية، إذ لم تكتفِ بالعجز، بل شاركت في تقويض الدولة، حين قدّمت مصالحها الضيقة على السيادة، ورضخت لمنطق موازين القوى بدل أن تواجهه. وهكذا تحوّل جزء من هذه النخب من مدافع عن الدولة إلى شريك في إضعافها.

وهكذا، لا يكمن الخطر في الحدث بحدّ ذاته، بل في المسارات التي قد يفتحها، والتي قد تدفع لبنان، تدريجيًا، نحو إعادة تشكيل كيانه السياسي خارج إطار الدولة، وعلى حسابها.

https://hura7.com/?p=77594

 

الأكثر قراءة