الأكثر قراءة

هل يعود التجنيد الإجباري إلى ألمانيا؟

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ قال توماس ريفيكامب، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، إن بلاده قد تضطر للعودة إلى الخدمة الإلزامية للشباب وتعتمد التجنيد الإجباري بسبب نقص المتطوعين في الجيش. وأشار البرلماني، في تعليق لوكالة فرانس برس، إلى أنه يجب على السلطات الألمانية اتخاذ قرار بهذا الشأن بحلول نهاية يوليو 2027.

وأضاف ريفيكامب: “يجب علينا إجراء نقاش شامل حول ما إذا كان بإمكاننا تحقيق الأهداف الطموحة للغاية لزيادة حجم القوات المسلحة العاملة وقوات الاحتياط على أساس التطوع. أشك بشدة في صواب هذا الأمر.. إذا فشلنا في تحقيق هذه الأهداف بمساعدة المتطوعين، فسوف نضطر إلى العودة إلى التجنيد الإجباري”. ووفقا له، يجب على السلطات الألمانية أن تقرر بشأن إمكانية عودة التجنيد الإجباري بحلول 31 يوليو 2027.

في الأسبوع الماضي، أقر قائد القوات البرية الألمانية، اللواء كريستيان فرويدينغ، بنقص المتطوعين في لواء الدبابات التابع للجيش الألماني في ليتوانيا، ونوه بأن وزارة الدفاع الألمانية قد تتخلى جزئيا عن الأساس التطوعي خلال تشكيل هذا اللواء. ويشار إلى أن القانون الجديد بشأن الخدمة العسكرية في الجيش الألماني، ينص على إمكانية العودة إلى التجنيد الإجباري، الذي تم تعليقه في عام 2011، وذلك في حال نقص المتطوعين أو تدهور الوضع الأمني. في هذه الحالة، سيتمكن البوندستاغ من فرض ما يسمى “التجنيد الإجباري القائم على الحاجة”، وستتم زيادة حجم الجيش إلى المستوى المطلوب، من خلال “الاختيار العشوائي” أو القرعة.

بين خيار التطوع وضرورات الردع: إعادة صياغة الفلسفة الأمنية في ألمانيا

يكشف التلويح بالعودة إلى الخدمة الإلزامية عمق الأزمة الهيكلية التي تواجهها الاستراتيجية الدفاعية الألمانية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، ويظهر قصوراً واضحاً في نموذج الجيش المحترف الذي اعتمدته البلاد لعقود. لم يعد الاعتماد الطويل على نظام التطوع قادراً على مواكبة الالتزامات العسكرية المتزايدة، ولا على تحقيق المستهدفات الرقمية الطموحة لتوسيع القوات المسلحة وقوات الاحتياط.

بات هذا العجز في استقطاب الكوادر البشرية المؤهلة يهدد الكفاءة العملياتية للجيش، وهو ما تجسد بشكل ملموس في الصعوبات التي واجهت تشكيل الكتل العسكرية الحيوية كلوائ الدبابات المتمركز في ليتوانيا، مما يضع صانع القرار في برلين أمام حتمية إعادة تقييم الفلسفة الأمنية بأكملها والاعتراف بأن الحوافز الوظيفية والمالية التقليدية فقدت قدرتها على جذب الشباب وسد الفجوة الآخذة في الاتساع بين الطموحات السياسية والواقع الميداني.

تتجاوز المهلة الزمنية المحددة للوصول إلى قرار حاسم مجرد كونها موعداً إجرائياً في الأجندة التشريعية، لتصبح مؤشراً حقيقياً على استشعار القيادة السياسية والعسكرية لضيق الوقت في بيئة أمنية أوروبية شديدة الاضطراب والتعقيد. لن يقتصر فتح باب النقاش الشامل داخل أروقة البوندستاغ على مناقشة الجوانب اللوجستية والمالية لزيادة عديد القوات، بل سيخوض في أبعاد مجتمعية وسياسية وثقافية بالغة الحساسية تتصل بمدى تقبل الأجيال الجديدة لالتزامات الخدمة العسكرية بعد عقود من الرفاه المستقر والسلم المستدام. يضغط هذا التحول التكتيكي بقوة باتجاه إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة في ألمانيا، حيث تتجه البوصلة نحو فرض المساهمة في الدفاع الوطني كواجب حتمي تمليه الضرورات الأمنية العليا، بدلاً من إبقائه خياراً مهنياً شخصياً محكوماً برغبات الأفراد وتوجهاتهم الحياتية.

يمثل التوجه الاستراتيجي نحو تفعيل آليات مرنة مثل “التجنيد القائم على الحاجة” أو الاعتماد على نظام “الاختيار العشوائي” والقرعة، محاولة سياسية واعية لتفادي الصدمة المجتمعية والاقتصادية الشاملة التي قد يفرزها فرض التجنيد الإجباري التقليدي بشكل فوري ومفاجئ. تعكس هذه الحلول المتدرجة والبديلة رغبة المؤسسة العسكرية في إيجاد صيغة توازن بدقة بين متطلبات سد النقص العددي العاجل للحفاظ على الجاهزية القتالية وردع التهديدات،

وبين تجنب الكلفة السياسية الباهظة والتعقيدات الإدارية والمالية لإعادة بناء بنية تحتية كاملة لاستيعاب مئات الآلاف من الـمُجندين. يسلط اللجوء إلى خيارات استثنائية كالقرعة الضوء على حجم المأزق الذي تواجهه الدولة في ابتكار وسائل عادلة ومقبولة قانونياً لإدارة الموارد البشرية العسكرية، عندما تخفق المنظومات القائمة على الحريات والاختيارات الفردية في تلبية متطلبات الأمن القومي الأساسية.

https://hura7.com/?p=80870

الأكثر قراءة