جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ يطالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بـ”عضوية كاملة” في الاتحاد الأوروبي، ويفضل أن يكون ذلك سنة 2027. اقترح المستشار الألماني فريدريش ميرتس منح أوكرانيا، خلال عملية انضمامها الطويلة إلى الاتحاد الأوروبي، وضعا خاصا كـ”عضو شريك” في الاتحاد. وجاء ذلك في رسالة اطّلعت عليها وكالة “فرانس برس” الخميس.
وتنص الفكرة، التي ناقشها ميرتس الشهر الماضي مع عدد من الشركاء الأوروبيين، على تمكين القيادة الأوكرانية من المشاركة في قمم الاتحاد الأوروبي دون حق التصويت، بما يتيح لها الانخراط في النقاشات السياسية، دون أن تكون طرفًا في عملية اتخاذ القرار. وبحسب تصوّر ميرتس، يفترض أن تحصل كييف أيضًا على ممثل داخل المفوضية الأوروبية، إضافة إلى منحها مقاعد في البرلمان الأوروبي من دون حقوق تصويت.
وفي رسالة موجهة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أوضح ميرتس كذلك أن بند المساعدة المتبادلة في الاتحاد الأوروبي يمكن أن يشمل أوكرانيا، على أن تُمنح أيضًا إمكانية الوصول إلى أجزاء من موازنة الاتحاد الأوروبي. وبرّر ميرتس اقتراحه بالتحديات المرتبطة بالإجراءات التقليدية لانضمام الدول إلى الاتحاد الأوروبي. وأمام تعدد العقبات والتعقيد السياسي لعمليات المصادقة، اعتبر أن استكمال انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد في المدى القصير غير واقعي، لذلك يقترح حلاً سياسيًا يهدف إلى تقريب أوكرانيا مباشرة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ومنذ بدء الهجوم العسكري الروسي واسع النطاق، تضغط أوكرانيا من أجل تسريع مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، غير أن تقدّمها ظلّ معرقلًا، خصوصًا من جانب رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان. وقد أعادت إزاحته ووصول بيتر ماغيار إلى السلطة إحياء الآمال بإعادة تنشيط هذا المسار. غير أن مبادرة ميرتس قد تواجه تشكيكًا لدى بعض شركاء الاتحاد الأوروبي، وكذلك داخل أوكرانيا نفسها، حيث تتزايد المخاوف من أن تؤدي النماذج الانتقالية إلى تأجيل الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي إلى أجل غير مسمى.
وشدّد ميرتس في رسالته في الوقت نفسه على أنه لا يزال يهدف إلى منح أوكرانيا عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي، داعيًا إلى فتح جميع فصول التفاوض بشكل فوري، ومؤكدًا أن هذا المقترح لا يشكّل بأي حال من الأحوال “عضوية مخففة”. وترى أوكرانيا أن الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي يُعدّ عنصرًا أساسيًا لإعادة إعمار البلاد وضمان أمنها، خصوصًا في ظل ما تعتبره رفضًا عمليًا من جانب الولايات المتحدة لانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
هل تضمن “العضوية الشريكة” أمن كييف أم تؤجل طموحها الكامل؟
تُبرز المبادرة الألمانية المطروحة مأزقًا هيكليًا يواجه آليات التوسع التقليدية داخل التكتل الأوروبي، حيث تسعى إلى إيجاد صيغة توفيقية توازن بين إلحاح المطالب الأوكرانية وبيروقراطية بروكسل المعقدة. يهدف هذا الطرح السياسي إلى دمج كييف في المؤسسات السياسية وصناعة السياسات العامة دون منحها ثقلًا تصويتيًا، مما يمنحها ميزة الحضور الدولي ويجنب الاتحاد في الوقت ذاته مغبة الصدامات الداخلية حول حصص التصويت. ومع أن إزاحة العقبة المجرية السابقة قد فتحت أفقًا جديدًا، إلا أن المقترح يحمل في طياته مخاوف جوهرية من تحول هذا الوضع الانتقالي إلى سقف نهائي، يحرم أوكرانيا من نيل مكتسبات الاندماج الاقتصادي والسياسي الشامل ويجعل من طموح عام 2027 هدفًا بعيد المنال.
على الصعيد الاستراتيجي، يمثل التوجه نحو تفعيل بند المساعدة المتبادلة وفتح الموازنات الأوروبية أمام أوكرانيا محاولة جادة لإنشاء مظلة أمنية واقتصادية بديلة، تعوض كييف عن الموقف الأمريكي المتصلب تجاه انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي. يرى الجانب الأوكراني في هذا الحراك ركيزة لا غنى عنها لتمويل مشاريع إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار المستقبلي، متجاوزًا النظرة التقليدية للمسار الأوروبي كعملية إدارية بحتة ليصبح ضرورة وجودية. ورغم تأكيدات الجانب الألماني بأن هذه الخطوة لا تُمثل تنازلًا عن العضوية الكاملة، فإن المحك الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذا النموذج المبتكر على توفير ضمانات حقيقية، تمنع تحويل المبادرة إلى مجرد مسكن سياسي يطيل أمد الانتظار الأوكراني.


